عربي ودولي

الانتخابات الإسرائيلية بين التطرف وأفق السلام

60 يوماً على موعد الاقتراع

«حرب غزة» تتحول إلى ورقة انتخابية في السباق

مع اقتراب الموعد النهائي للانتخابات الإسرائيلية المقررة بعد نحو 60 يوماً، تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة غير مسبوقة من الاستقطاب الحاد، تتقاطع فيها المنافسة على مقاعد الكنيست مع تداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة، في مشهد لا يعكس صراعاً تقليدياً على السلطة بقدر ما يكشف عن تحولات عميقة دفعت إسرائيل أكثر فأكثر نحو أقصى اليمين، واليمين المتطرف ذي النزعة العنصرية، في ظل غياب شبه كامل لأي أفق سياسي جدي مع الفلسطينيين.

وتبدو الانتخابات المقبلة، في جانب كبير منها، أشبه باستفتاء على درجة التطرف التي يمكن أن تبلغها السياسة الإسرائيلية، إذ لم يعد التنافس محصوراً بين اليمين واليسار، بل انتقل إلى داخل معسكر اليمين نفسه، حيث تتنافس قوى اليمين المتطرف والتيارات الدينية القومية على استقطاب الناخب الأكثر تشدداً، في سباق يبدو فيه معيار التفوق هو من يقدم الخطاب الأكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين والحرب والاستيطان.

ووفقاً لاستطلاع للرأي أجراه معهد «لزار» للبحوث برئاسة الدكتور مناحم لزار، بالتعاون مع Panel4All، ونشرته صحيفة «معاريف» للكاتب موشيه كوهن، فإن الخريطة السياسية تشهد توازناً هشاً بين الكتل، مع مؤشرات لافتة على تشتت أصوات اليمين المتطرف واحتمال ضياع عدد كبير منها بسبب عدم تجاوز بعض الأحزاب نسبة الحسم.

ويُظهر الاستطلاع حصول كتلة المعارضة، المكونة من الأحزاب الصهيونية غير المشاركة في الائتلاف، على 59 مقعداً، فيما تحصل كتلة الائتلاف بزعامة بنيامين نتنياهو على 48 مقعداً في حال دخول حزب «شعب إسرائيل» بزعامة عوفر فينتر، الذي يُتوقع أن يحصد خمسة مقاعد، بينما تتراجع قوة الائتلاف إلى 43 مقعداً في حال عدم دخوله الكنيست.

وفي المقابل، يسجل التمثيل العربي ارتفاعاً لافتاً في حال توحيد القوائم، إذ تحصل «القائمة المشتركة» على ثمانية مقاعد، فيما تحصد القائمة الموحدة بزعامة منصور عباس خمسة مقاعد، ليصل مجموع المقاعد العربية إلى 13 مقعداً.

لكن اللافت في نتائج الاستطلاع هو احتمال ضياع نحو عشرة مقاعد من معسكر اليمين المتطرف نتيجة عدم تجاوز بعض الأحزاب نسبة الحسم البالغة 3 بالمئة، ومن بينها «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش و«البيت الصهيوني - الاحتياطيون».

ويكشف ذلك عن أزمة حقيقية داخل أقصى اليمين، حيث يؤدي تعدد القوائم وتنافسها على الجمهور ذاته إلى تبديد جزء مهم من القوة الانتخابية لهذا المعسكر.

ويضيف دخول عوفر فينتر إلى السباق الانتخابي بعداً جديداً للمنافسة داخل اليمين، إذ يرى موشيه كوهن أن دخوله إلى الحلبة السياسية يمثل «دراما» انتخابية حقيقية، في ظل خلفيته العسكرية ومواقفه المتشددة تجاه الفلسطينيين والجدل الذي أحاط بسلوكه خلال الحرب.

ويبدو أن فينتر يستهدف بصورة مباشرة جمهور اليمين الأكثر تشدداً، الأمر الذي قد يهدد فرص أحزاب يمينية متطرفة أخرى في تجاوز نسبة الحسم، وعلى رأسها حزب سموتريتش.

ولا يقتصر التنافس على الأحزاب، بل يمتد إلى مستوى الشخصيات المرشحة لرئاسة الحكومة.

فبحسب الاستطلاع، يتقدم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت على نتنياهو في مؤشرات الملاءمة لرئاسة الوزراء، إذ يحصل آيزنكوت على 48 بالمئة مقابل 37 بالمئة لنتنياهو، فيما يحصل بينيت على 45 بالمئة مقابل 40 بالمئة لنتنياهو، بما يعكس تراجعاً نسبياً في جاذبية نتنياهو، رغم استمرار قدرته على قيادة المعسكر اليميني.

غير أن تبدل الأسماء المحتملة لرئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة تحولاً في جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، فالكتلة اليمينية بمختلف مكوناتها، سواء بقيادة نتنياهو أو بينيت أو شخصية أخرى، تبدو أسيرة منظومة سياسية وأمنية ترفض التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم طرفاً سياسياً صاحب حقوق، وتتعامل معهم أساساً باعتبارهم قضية أمنية أو عائقاً أمام المشروع الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، تتقاطع المعركة الانتخابية مع ما يجري على الأرض في قطاع غزة، حيث كشفت افتتاحية لصحيفة «هآرتس»، تحت عنوان: «مقاولون فرعيون لجرائم حرب»، عن جانب شديد الخطورة من إدارة الحرب الإسرائيلية، يتمثل في التعاون بين الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك وميليشيات فلسطينية مسلحة مناهضة لحركة حماس.

وبحسب التحقيق الذي استند إلى صور جوية وشهادات جنود ومصادر في قطاع غزة والأمم المتحدة، فإن هذه الميليشيات لم تقتصر أنشطتها على مواجهة حماس، بل شاركت أيضاً في ممارسات استهدفت مدنيين لا علاقة لهم بالصراع، بما في ذلك طرد فلسطينيين من منازلهم، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي.

ونقلت الصحيفة عن ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي قوله إن الدولة والجيش والشاباك يدفعون بميليشيات مسلحة ومدربة إلى تنفيذ أعمال وصفها بأنها جرائم حرب، من بينها طرد السكان من منازلهم وهدمها.

وترى «هآرتس» أن هذه الممارسات تكشف، وفق توصيفها، عن تراجع خطير في الحدود الأخلاقية والقانونية للحرب، وتحول تلك الميليشيات إلى أداة تنفيذية للجيش والشاباك داخل القطاع.

وتذهب الصحيفة إلى أن مشروع تسليح واستخدام هذه المجموعات لا ينفصل عن المسار السياسي للحرب، معتبرة أن استمرار الهجمات والتموضع الإسرائيلي على ما يسمى «الخط الأصفر»، إلى جانب دعم هذه الميليشيات، من شأنه عرقلة أي اتفاق محتمل، سواء ارتبط بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو بأي مبادرة أخرى، وإبقاء واقع الاحتلال والسيطرة العسكرية قائماً لأطول فترة ممكنة.

وتكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية في المشهد الانتخابي الإسرائيلي؛ ففي الوقت الذي ينشغل فيه السياسيون بالصراع على الأصوات والمقاعد، تستمر الحرب في غزة في إنتاج وقائع جديدة على الأرض، وتتحول نتائجها وتداعياتها إلى جزء من الحسابات السياسية الداخلية.

وبذلك تصبح الحرب نفسها خلفية انتخابية يستثمر فيها اليمين لتعزيز خطاب الأمن والقوة، بدلاً من أن تكون مناسبة لإعادة فتح النقاش حول التسوية السياسية ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.

ولا تبدو القضية الفلسطينية حاضرة بصورة جدية في البرامج الانتخابية للأحزاب الصهيونية الرئيسية، باستثناء طرح قضايا مرتبطة بالتوسع الاستيطاني أو الضم أو إدارة الصراع أمنياً. ولا يظهر في الخريطة الحزبية، وفق المعطيات المطروحة، تيار صهيوني قوي يضع حلاً سياسياً قائماً على حل الدولتين في صلب برنامجه الانتخابي، الأمر الذي يعمّق الانطباع بأن الانتخابات لا تفتح مساراً نحو السلام، بل تعيد إنتاج الصراع داخل معسكرات اليمين حول أدوات إدارته ومدى التشدد في التعامل معه.

حتى السيناريوهات التي قد تفضي إلى تغيير في هوية رئيس الحكومة لا تبدو كافية، بمفردها، لإحداث تحول جوهري في السياسة الإسرائيلية. فسواء تشكلت حكومة برئاسة نتنياهو أو بينيت أو حتى آيزنكوت، الذي يُنظر إليه باعتباره أكثر اعتدالاً نسبياً، فإن طبيعة الخريطة البرلمانية تجعل أي حكومة جديدة مضطرة إلى التعامل مع قوة اليمين المتطرف وشروطه، أو اللجوء إلى صيغة حكومة وحدة وطنية قد لا تكون بمنأى عن تأثيره.

ومن هنا، فإن الرهان على تحول داخلي إسرائيلي يقود إلى استئناف عملية السلام يبدو في الوقت الراهن محدوداً للغاية، في ظل غياب قوة سياسية صهيونية وازنة تطرح مشروعاً واضحاً وقابلاً للحياة لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي، قد ينتقل مفتاح الحل بصورة متزايدة إلى الخارج، عبر ضغوط أميركية وأوروبية مشتركة، أو من خلال تحرك دولي أكثر فاعلية يفرض وقف الاستيطان ويضع إطاراً زمنياً لإنهاء الاحتلال والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما أن استمرار الحرب في غزة وما يرافقها من اتهامات وانتهاكات، إلى جانب تنامي الانتقادات الدولية لإسرائيل، قد يدفع المجتمع الدولي إلى استخدام أدوات ضغط أكثر قوة، بما في ذلك العقوبات أو فرض مسار سياسي لا يكون خاضعاً بالكامل لشروط الحكومة الإسرائيلية.

وفي المحصلة، تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أقرب إلى سباق داخل اليمين على تحديد سقف التطرف، وليس منافسة حقيقية بين مشاريع سياسية متباينة بشأن مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبينما تتصارع أحزاب اليمين المتطرف على جمهورها، وتتبدد أصوات بعضها بسبب التنافس الداخلي، تستمر الحرب في غزة في تكريس واقع أكثر عنفاً وتعقيداً.

أما السلام مع الفلسطينيين، فيبقى غائباً عن الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، وكأنه خيار سياسي تخشى معظم القوى المؤثرة كلفته الداخلية أكثر مما تخشى كلفة استمرار الحرب والاحتلال. وفي ظل هذا المشهد، قد لا يكون المخرج من الحلقة المفرغة نابعاً من صناديق الاقتراع الإسرائيلية، بل من ضغط خارجي قادر على فرض تغيير في قواعد اللعبة، قبل أن تتحول غزة والضفة الغربية إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة يصعب التكهن بحدودها أو بنهايتها.