توسيع الشراكة السياسية والاقتصادية وتنويع الخيارات
الدعجة: الزيارة تمهد لمرحلة أكثر شمولاً في العلاقات بين البلدين
تأتي زيارة الدولة لجلالة الملك عبدالله الثاني، أخيرا، إلى الصين في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، لتؤكد أن الدبلوماسية الأردنية تتحرك وفق رؤية تقوم على تعزيز الشراكات الدولية وتنويع الخيارات الاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثوابت السياسة الخارجية الأردنية.
وكان جلالة الملك قد أكد أن اللقاءات التي عقدها في المدن الصينية الثلاث التي زارها جلالته شكلت فرصا مهمة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوسيع التعاون في قطاعات اقتصادية حيوية، معربا جلالته عن التطلع إلى البناء على مخرجات اللقاءات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها، بما يعود بالنفع على البلدين والشعبين.
وفي سياق الدلالات السياسية للزيارة الملكية، فهي تؤكد نهجا أردنيا يقوم على الانفتاح على مختلف القوى الدولية، دون أن يعني ذلك تغييرا في طبيعة تحالفات المملكة أو علاقاتها الاستراتيجية القائمة، وهو، وفقا لمراقبين، يعني أن تحرك الأردن باتجاه الصين يمكن فهمه باعتباره سياسة موازنة أمام حالة عدم اليقين التي يشهدها النظام الدولي والمنطقة، حيث تكمن إحدى أهم نقاط القوة في الدبلوماسية الأردنية.
وفيما يخص القضية الفلسطينية، فقد ثمن وزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي الموقف الصيني من القضية الفلسطينية، وأن الأردن يرى في الصين شريكا مهما في دعم حل الدولتين، مشيرا إلى أن القضية الفلسطينية تبقى محورا أساسيا في معالجة أزمات المنطقة.
حضور الملف الفلسطيني في زيارة الملك حمل أهمية دبلوماسية كبيرة، فالأردن يسعى باستمرار إلى إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الأجندة الدولية، وعدم السماح بأن تؤدي الأزمات الإقليمية المتلاحقة إلى تهميشها.
فالحوار مع بكين يكتسب أهمية إضافية في ظل الدور المتزايد للصين في النظام الدولي وقدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة، الأمر الذي يجعل التنسيق معها بشأن قضايا المنطقة ذا قيمة سياسية بالنسبة إلى الأردن.
أما في الجانب الاقتصادي، فالأردن لا يريد فقط زيادة حجم التجارة مع الصين، وإنما يسعى إلى إعادة بناء العلاقة الاقتصادية على قاعدة أكثر توازنا تقوم على الاستثمار والإنتاج والتصنيع ونقل التكنولوجيا، حيث تشير المعطيات إلى أن الصين أصبحت من أكبر الشركاء التجاريين للأردن، فيما تتزايد الرغبة الأردنية في جذب استثمارات صينية جديدة إلى المملكة.
وأكد البروفيسور حسن الدعجة، مستشار معهد الحزام والطريق في جامعة بكين وأستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال، أن زيارة الدولة التي قام بها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تكتسب أهمية خاصة في مسار العلاقات الأردنية الصينية، مشيرا إلى أنها لا تقتصر على تأكيد متانة الصداقة السياسية بين البلدين، بل تعكس توجها عمليا للانتقال بهذه العلاقات إلى مرحلة أكثر شمولا.
وبين الدعجة أن الزيارة تقوم على الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا وبناء شراكات مستدامة، لافتا إلى أن اللقاءات التي عقدها جلالته خلال الزيارة أظهرت أن الأردن يتعامل مع الصين بوصفها شريكا استراتيجيا قادرا على الإسهام في دعم التنمية وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
وتابع أن محطات الزيارة الملكية في شنغهاي وشنجن وبكين تكشف في برنامجها أنها مدروسة، حيث جمعت بين التواصل السياسي والانفتاح على مراكز الاقتصاد والتكنولوجيا الصينية، مشيرا إلى أن اختيار هذه المدن يعكس رغبة أردنية واضحة في الاستفادة من التجارب الصينية المتقدمة، والتعريف في الوقت نفسه بما يمتلكه الأردن من استقرار سياسي وبيئة أعمال جاذبة وموقع جغرافي يربط آسيا بالأسواق العربية والإقليمية والدولية.
وقال الدعجة إن هذا الحوار السياسي يتيح للأردن عرض رؤيته تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وضرورة إحياء مسار السلام على أساس حل الدولتين، إلى جانب دعم جهود خفض التصعيد وحماية أمن الملاحة والتجارة الدولية.
وأضاف: لا شك أن التنسيق مع بكين يضيف بعدا للدبلوماسية الأردنية، مستفيدا من مكانة الصين الدولية وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، منوها إلى عقد جلالته لقاءات مع ممثلي شركات تعمل في الطاقة والمعادن والأسمدة والأغذية والصناعات المتقدمة، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بأولويات الاقتصاد الأردني وأمنه التنموي.
ولفت إلى أن المباحثات ركزت على الصناعات التحويلية والمشاريع ذات القيمة المضافة، بما يتيح استثمار الموارد الأردنية بصورة أكثر كفاءة، إضافة إلى بحث جلالته مع مسؤولي لجنة إدارة الأصول المملوكة للدولة الاستفادة من التجربة الصينية في الحوكمة وتطوير الشركات العامة واستكشاف شراكات في قطاعات استراتيجية.
وأوضح الدعجة أن حصيلة اللقاءات أن الأردن يقدم نفسه للصين بوصفه شريكا مستقرا وموثوقا وبوابة للتعاون مع المنطقة، حيث تمثل الصين بالنسبة إلى الأردن مصدرا مهما للاستثمار والخبرة والتكنولوجيا والأسواق، مشيرا إلى أن الرؤية الملكية تقوم على بناء علاقة متوازنة تحقق مصالح الطرفين وتترجم الثقة السياسية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ في الصناعة والطاقة والسياحة والاقتصاد الرقمي والبحث العلمي.
وأضاف: بذلك تمثل الزيارة محطة متقدمة في مسار العلاقات الأردنية الصينية، حيث تمهد للانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكة إنتاجية وتكنولوجية طويلة الأمد، لافتا إلى أن اللقاءين اللذين جمعا جلالة الملك مع الرئيس شي جين بينغ ورئيس الوزراء لي تشيانغ، وما صاحبهما من اتفاقيات ومذكرات تفاهم مهمة، يمثلان محطة مهمة في مسيرة العلاقات بين البلدين وفتح فصل جديد في العلاقات عنوانه الاستثمار المشترك وتوطين التكنولوجيا وتحويل الأردن إلى منصة إقليمية للإنتاج والخدمات والابتكار.
المحلل السياسي الدبلوماسي، السفير السابق جمعة العبادي، قال إن الزيارة الملكية إلى الصين وما رافقها من مباحثات سياسية واتصالات رفيعة المستوى عكست إدراكا وفهما أردنيا مبكرا للتحولات التي يشهدها النظام الدولي وصعود أدوار قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين، التي أصبحت لاعبا أساسيا في السياسة والاقتصاد الدوليين وصاحبة تأثير متنام في القضايا الإقليمية والدولية، لافتا إلى أن المملكة لا تنظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها لعبة محاور مغلقة، وإنما باعتبارها شبكة واسعة من المصالح والشراكات.
وأضاف: بالنسبة إلى الأردن، فإن الصين تمثل قوة اقتصادية وسياسية عالمية كبرى، وبالتالي فإن بناء علاقة استراتيجية معها يضيف إلى قدرة المملكة على التحرك في البيئة الدولية، ويوفر في الوقت ذاته فرصا اقتصادية واستثمارية كبيرة.
وتابع العبادي: «من هنا، فإن أهمية الزيارة سياسيا لا تقاس فقط بما صدر عنها من بيانات ومواقف، وإنما بما حملته من دلالة أعمق تتعلق بموقع الأردن في المشهد الدولي، وبقدرته على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى المؤثرة، دون أن يتخلى عن تحالفاته وثوابته السياسية».
ولفت إلى التوافق في المواقف الأردنية والصينية تجاه عدد من عناصر الحل السياسي للقضية الفلسطينية كأرضية مهمة لتعزيز التنسيق بين البلدين، خصوصا في ظل الحاجة إلى موقف دولي أكثر فاعلية ودعماً، منوها إلى القيمة الدبلوماسية الأردنية في نقل الرسالة السياسية العربية إلى العواصم الكبرى، وفي التأكيد أن القضية الفلسطينية قضية سياسية ترتبط بالأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وبين أن المطلوب الآن هو تحويل الزخم السياسي الذي أحدثته الزيارة الملكية إلى برنامج اقتصادي واضح، تتولى الحكومة والقطاع الخاص تنفيذه، وأن تتم متابعته بمؤشرات واضحة، مؤكدا أهمية أن تتحول زيارة الصين من حدث دبلوماسي مهم إلى محطة اقتصادية استراتيجية في مسار تحديث الاقتصاد الأردني وتنويع شراكاته الدولية.
وبحسب المحلل المالي والاقتصادي الدكتور أكرم خليفة، فإن الانتقال إلى شنغهاي وشنجن حمل رسالة اقتصادية واضحة، نظرا إلى أهمية المدينتين في الاقتصاد الصيني، وكونهما من أبرز مراكز المال والتكنولوجيا والصناعة والابتكار.
وأضاف أن هذا يعكس رغبة أردنية في التعرف بصورة مباشرة على التجربة الصينية في مجالات التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد الرقمي، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين القطاع الخاص الأردني والشركات الصينية.
ولفت إلى أن الزيارة الملكية شهدت لقاءات مع رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الصينية، وهو ما يفتح الباب أمام الانتقال من العلاقات الحكومية إلى علاقات اقتصادية مباشرة بين الشركات والمؤسسات، وتابع: تعتبر هذه الخطوة تحديدا من أهم مخرجات الزيارة على المدى الطويل، مبينا أن الاستثمار الحقيقي لا يصنعه فقط توقيع الاتفاقيات الحكومية، وإنما تصنعه أيضا قرارات الشركات الخاصة والمؤسسات الاستثمارية.
ولفت إلى توقيع عدد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم، وهو ما أكد عليه جلالة الملك في ختام الزيارة باعتباره أساسا للبناء على العلاقات المتينة بين الأردن والصين، منوها إلى أن أهمية هذه الاتفاقيات تكمن في قدرتها على التحول إلى مشاريع. وقال خليفة إن التحدي أمام الحكومة الأردنية خلال المرحلة المقبلة هو إنشاء آلية متابعة دقيقة لكل اتفاقية، وتحديد الجهات المسؤولة عنها والجدول الزمني لتنفيذها، وحجم الاستثمار المتوقع، وكذلك عدد فرص العمل التي يمكن أن تنتج عنها.
وأشار إلى أنه يمكن للصين أن تكون شريكا مهما في تطوير القطاع الصناعي الأردني، خصوصا إذا نجحت المملكة في استقطاب شركات صينية لإنشاء مصانع داخل المدن الصناعية والمناطق التنموية، مبينا أنه في هذا الإطار أعلنت شركة المدن الصناعية الأردنية توجهها لطرح فرص استثمارية أمام المستثمرين الصينيين لإنشاء تجمعات صناعية صينية متخصصة، وهو توجه يمكن أن يمنح مخرجات الزيارة بعدا عمليا مباشرا.
وأوضح أن الأردن يمتلك ميزة نسبية مهمة في هذا المجال، فهو لا يحتاج إلى أن يكون سوقا ضخمة بحد ذاته، بل يستطيع أن يقدم نفسه كبوابة إلى الأسواق العربية والإقليمية، مستفيدا من اتفاقيات التجارة التي تربطه بعدد من الأسواق، مشيرا إلى أن الرسالة الاقتصادية التي يمكن أن يحملها الأردن إلى المستثمر الصيني هي دعوته إلى الاستثمار والإنتاج في الأردن، والاستفادة من الأردن بوابة إلى المنطقة والأسواق العالمية.
زيارة الملك إلى الصين.. شراكة استراتيجية تتجه نحو الاستثمار والتكنولوجيا
11:29 25-8-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء