كتاب

من التعليم إلى صناعة الإنسان

أي تعليم نريد لطلبتنا، وأي إنسان نريد أن يصنعه؟ سؤال لا يقف عند حدود المناهج والكتب المدرسية والاختبارات بل يمتد ليصل جوهر الرسالة التربوية وغايتها. فالتعليم الذي نصبو اليه اليوم لم يعد فقط بما يحفظه الطالب من معلومات، وإنما بما يتعلمه ويكتسبه من مهارات وما يصقل شخصيته وينمي قدرته على التفكير والابتكار والابداع والاستمرار في التعلم من أجل صناعة مستقبله.
ومن هنا فإن تغيير مسمى وزارة التربية والتعليم ليصبح وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية يعد أكثر من مجرد تغيير في الاسم لأنه يحمل معنى عميقاً حول رؤية أوسع للتعليم.
حيث يتحول المفهوم التعليمي من التركيز فقط على تقديم المعرفة الى إطار أوسع يرى الانسان كأهم ثروة وطنية واعتبار التعليم استثمارًا أساسيًا واستراتيجيًا في هذه الثروة المهمة.
تكمن أهمية هذا التحول في قدرته على إعادة الربط بين التعليم والحياة وسوق العمل ومتطلبات المستقبل .
الطالب لم يعد يكتفي بالحصول على المعرفة بل أصبح يحتاج الى القدرات الموجودة في استخدام هذه المعرفة وتحويلها الى مهارة واضحة تنتج أفكاراً جديدة وتطبيقات فعلية.
هذا يفتح الفرصة لتطوير المناهج الدراسية لتصبح أكثر ارتباطًا بالتطبيق العملي وتعزيز المهارات الرقمية والتفكير النقدي وحل المشكلات و تنويع الطرق التعليمية بما يتناسب مع قدرات الطلبة الفردية ويأتي التعليم المهني والتقني في مقدمة هذه الطرق التي يمكن أن تكون علامة مهمة للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
قي قلب هذا التغيير يبقى دور المعلم مركزيًا فلا يمكن الانتقال الى مرحلة تنمية القدرات البشرية دون الاستثمار الحقيقي في الأفراد الموجودين داخل المؤسسة التعليمية.
والاستاذ الذي يقدر على تكوين إنسان المستقبل يحتاج تمكينًا مهنيًا وبيئة محفزة تمنحه الفرص للمبادرة والإبداع وأداوت تقنية فاعلة لخدمة التعليم.
إن المرحلة الجديدة تفتح فرصًا لتعزيز التعاون بين النظام المدرسي والتعليم المهني والتقني والتعليم العالي واحتياجات سوق العمل بحيث لا تكون الطرق التعليمية بعيدة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وكلما كانت نتائج التعليم مرتبطة بحاجات المجتمع زادت قدرة العملية التعليمية على تحويل طاقات الشباب الى فرص وانتاج واضح يصبح الاستثمار في الموارد البشرية مرتبطًا بالتنمية الوطنية المستمرة.
إن نجاح الرؤية يرتبط بقدرتنا على ترجمة دلالاته إلى واقع ملموس من خلال تطوير السياسات والمناهج وتمكين المعلم والاستناد على البيانات في اتخاذ القرار، وتعزيز الشراكة مع مختلف القطاعات، وقياس أثر التطوير على تعلم الطلبة ومستقبلهم.
وتكمن قيمة المسمى الجديد ألا يكون تغييرًا في العنوان، بل بداية لتغيير أعمق في فلسفة التعليم وممارساته، بحيث يصبح الطالب محورًا للتنمية، والمعلم شريكًا في صناعة المستقبل.
فالتعليم الحقيقي لا يقاس بما نضعه في عقول الطلبة، بل بما نوقظه فيهم من قدرات؛ وحين يصبح الإنسان غاية التعليم، يصبح التعليم طريقًا لصناعة المستقبل.