انتصارات عسكرية بلا نفوذ استراتيجي مستدام

القوة الإسرائيلية تحت المجهر

تاريخ النشر : الأحد 11:13 23-8-2026
No Image

قراءة نقدية لحروب تل أبيب في المنطقة

في خضم الزخم العسكري الذي أعقب الحرب على قطاع غزة، وما رافقه من دمار واسع في القطاع وجنوب لبنان وجنوب سوريا، برزت في إسرائيل أصوات سياسية وبحثية تتحدث عن تحول الدولة العبرية إلى «قوة عظمى إقليمية» أعادت تشكيل موازين الشرق الأوسط.

غير أن البروفسور أفرايم عنبار، الباحث في مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS)، يقدم قراءة نقدية لهذه الرؤية، محذراً من الخلط بين التفوق العسكري والقدرة على ممارسة نفوذ استراتيجي مستدام في الإقليم.

وفي دراسة حملت عنوان «هل إسرائيل قوة عظمى إقليمية؟»، يناقش عنبار المعايير التي تحدد مفهوم القوة الإقليمية، ولا يكتفي باستعراض القدرات العسكرية والاستخباراتية التي أظهرتها إسرائيل منذ 7 تشرين الأول 2023، بل يضعها في إطار أوسع يشمل الاقتصاد والديموغرافيا والقدرة السياسية والتحالفات والاعتراف الإقليمي.

ويخلص عنبار إلى أن إسرائيل، رغم تفوقها النوعي في المجال العسكري، لا تزال تعاني محدوديات بنيوية تجعلها أقرب إلى دولة صغيرة تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأميركي، منها إلى قوة قادرة على صياغة أجندة الشرق الأوسط وفرض توازنات جديدة فيه.

ويحذر الباحث من أن الثقة المفرطة التي تسود بعض دوائر المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تشبه، إلى حد كبير، حالة النشوة التي أعقبت حرب عام 1967، معتبراً أن مثل هذا الشعور بالقوة قد يقود إلى أخطاء استراتيجية، على غرار ما حدث قبل حرب عام 1973، عندما أدت الثقة المفرطة إلى سوء تقدير الواقع الإقليمي.

ويقر عنبار بأن إسرائيل أظهرت خلال السنوات الأخيرة قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة، سواء في عملياتها ضد إيران، أو في ضرباتها ضد حماس وحزب الله، أو من خلال تحركاتها العسكرية في سوريا، فضلاً عن حجم الدمار الذي ألحقته بقطاع غزة.

لكنه يرى أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لمنح الدولة مكانة قوة إقليمية كبرى، مشيراً إلى أن المعيار الأهم يتمثل في القدرة على تحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستدامة، وهو المجال الذي يرى أن إسرائيل تواجه فيه محدوديات واضحة.

ويشير عنبار إلى أن الحرب في غزة لم تحقق، وفق تقييمه، نهاية حاسمة للصراع، وأن استمرار وجود حماس واحتجاز الأسرى الإسرائيليين يمثلان تحدياً لصورة الردع التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها.

ويرى أن مستقبل قطاع غزة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت إسرائيل ستخرج من الحرب بانتصار استراتيجي أم أن مكاسبها العسكرية ستظل محدودة.

كما يلفت إلى أن إضعاف حزب الله لا يعني انتهاء التهديد الذي يمثله، إذ لا يزال الحزب، بحسب تقديره، قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في لبنان، في وقت لا تبدو فيه الدولة اللبنانية قادرة على فرض ترتيبات تنهي نفوذه العسكري بصورة كاملة، بما يبقي الحدود الشمالية لإسرائيل عرضة لمخاطر مستمرة.

ويضع عنبار الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة في صلب معضلة القوة الإسرائيلية، معتبراً أن العلاقة الوثيقة بين تل أبيب وواشنطن، ولا سيما في المجال الأمني والعسكري، تكشف حدود قدرة إسرائيل على خوض مواجهة إقليمية واسعة من دون غطاء أميركي.

ويشير إلى أن المساعدات الأميركية، التي تشمل التمويل العسكري وبرامج الدفاع الصاروخي، لا تمثل دعماً مادياً فقط، وإنما تعكس أيضاً طبيعة الاعتماد المتبادل بين البلدين، معتبراً أن قدرة واشنطن على التأثير في القرارات الاستراتيجية الإسرائيلية تظل عاملاً لا يمكن تجاهله عند تقييم مكانة إسرائيل كقوة إقليمية.

ويستشهد عنبار في هذا السياق بالموقف الأميركي من إيران، مشيراً إلى تصريحات للرئيس دونالد ترامب أكد فيها أنه لا يريد الانجرار إلى حرب مع إيران استجابة لرغبة رئيس الحكومة الإسرائيلية، مفضلاً استخدام الدبلوماسية والضغط الاقتصادي. ويرى أن مثل هذه المواقف تكشف أن واشنطن قادرة على تحديد سقف التحرك الإسرائيلي عندما تتعارض حساباتها مع أولويات حليفتها.

وبحسب عنبار، فإن الدولة التي تحتاج إلى مظلة قوة عظمى خارجية في القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلام لا يمكنها أن تقدم نفسها بسهولة باعتبارها قوة إقليمية عظمى مكتملة الأركان.

ولا تقتصر محدوديات إسرائيل، وفق الدراسة، على العامل العسكري أو السياسي، وإنما تمتد إلى حجم اقتصادها وقاعدتها السكانية. فإسرائيل، على الرغم من امتلاكها اقتصاداً متطوراً وتكنولوجيا متقدمة، تبقى أصغر حجماً من اقتصادات إقليمية مثل تركيا وإيران والسعودية، كما أن اعتمادها الكبير على التجارة الخارجية يجعلها أكثر حساسية تجاه الضغوط الاقتصادية والعقوبات والمقاطعة.

ويرى عنبار أن العامل الديموغرافي يمثل أحد عناصر القوة الأساسية للدول التي تسعى إلى لعب دور إقليمي واسع، إذ تتيح الكثافة السكانية للدول امتلاك أسواق أكبر وقواعد بشرية أوسع وقدرة أكبر على تحمل أعباء الحروب الطويلة. أما إسرائيل، في المقابل، فتظل دولة صغيرة نسبياً من حيث عدد السكان والموارد البشرية، الأمر الذي يحد من قدرتها على تحمل حروب استنزاف طويلة ومكلفة.

ويضيف أن الانقسامات الداخلية التي شهدها المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة تمثل عاملاً آخر يؤثر في قدرة الدولة على خوض مواجهات طويلة، في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات وظهور مؤشرات على الإرهاق داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي.

ويضع عنبار الاعتراف الإقليمي في مقدمة المعايير التي يجب توافرها في أي قوة إقليمية، معتبراً أن إسرائيل لا تحظى بهذا النوع من الاعتراف، فحتى الدول التي تقيم معها علاقات أو ترتيبات أمنية وسياسية تنظر إليها، بحسب تحليله، باعتبارها طرفاً مثيراً للاضطراب في المنطقة، فيما يستمر الرفض الشعبي والسياسي العربي والإسلامي لسياساتها.

ويرى أن التوسع العسكري الإسرائيلي في سوريا ولبنان وغزة أدى إلى تصاعد المخاوف الإقليمية والدولية، وأضعف، بدلاً من أن يعزز، موقع إسرائيل السياسي في المنطقة. كما أن الانتقال من سياسة الحفاظ على الوضع القائم إلى محاولة تغييره بالقوة يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية أخرى تمتلك بدورها أدوات نفوذ واسعة.

وفي هذا السياق، يبرز عنبار تركيا باعتبارها نموذجاً مختلفاً للقوة الإقليمية، نظراً إلى قدرتها على الجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية، ولا سيما في سوريا، حيث عملت أنقرة على بناء نفوذ طويل الأمد واستثمار التحولات السياسية لصالحها.

ويشير إلى أن إسرائيل، في المقابل، ركزت بدرجة أكبر على العمل العسكري المباشر، من دون أن تمتلك دائماً رؤية استراتيجية متكاملة لمرحلة ما بعد العمليات العسكرية. ويظهر ذلك، وفق تحليله، في تعاملها مع التطورات السورية، حيث انصب التحرك الإسرائيلي أساساً على تأمين الحدود وإقامة منطقة أمنية، في حين تمكنت تركيا من توسيع نفوذها السياسي والاستراتيجي.

ويخلص عنبار إلى أن القدرة على تنفيذ ضربات عسكرية بعيدة المدى لا تعني بالضرورة امتلاك نفوذ إقليمي حقيقي، فالقوة الإقليمية، في مفهومها الشامل، تقاس أيضاً بقدرة الدولة على بناء التحالفات، وإدارة الأزمات، والتأثير في القرارات السياسية للدول الأخرى، وقيادة المفاوضات وصياغة ترتيبات إقليمية طويلة الأمد.

ويطرح الباحث في نهاية تحليله سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت إسرائيل تمتلك الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية للعمل باعتبارها قوة إقليمية كبرى، أم أنها ستظل دولة صغيرة تبحث عن أمنها من خلال التفوق العسكري والتحالفات الخارجية.

ويرى أن القوة الإقليمية الكبرى لا تكتفي بالاستجابة للأزمات، وإنما تسعى إلى صناعة الأحداث وتشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. أما إسرائيل، بحسب تقييمه، فقد ظلت في كثير من الحالات تتصرف كرد فعل على التهديدات والهجمات، من دون امتلاك رؤية سياسية واضحة ومتكاملة لليوم التالي.

ويقدم عنبار صورة أكثر تحفظاً لمكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، مفادها أن التفوق التكنولوجي والعسكري لا يكفي وحده لتحويل دولة صغيرة إلى قوة عظمى إقليمية. فغياب العمق الاستراتيجي، والاعتماد على الدعم الأميركي، ومحدودية الموارد البشرية والاقتصادية، والانقسامات الداخلية، فضلاً عن غياب الاعتراف الإقليمي، كلها عوامل تضع سقفاً لطموحات إسرائيل في إعادة تشكيل المنطقة.

وبذلك، تبدو الفجوة واسعة بين صورة إسرائيل كقوة عسكرية متفوقة وبين قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي واستراتيجي دائم. ويحذر عنبار من أن محاولة توسيع الأهداف العسكرية إلى مشاريع لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط قد تتجاوز قدرة إسرائيل على تحمل كلفتها، وقد تحول التفوق التكتيكي إلى مأزق استراتيجي إذا لم يقترن بأهداف سياسية واضحة وقابلة للتحقيق.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }