كتاب

قبل أن تصبح عاطلا عن العمل

قبل أن تختار تخصصك الجامعي، وقبل أن تنفق أسرتك عليك سنوات طويلة من عمرها ومالها، اسأل نفسك سؤالا واحدا، وهو هل التخصص الذي أختاره اليوم سيكون مطلوبا عندما أتخرج؟ أم أنني سأحصل على شهادة جميلة، لكنها لن تجد لها مكانا في سوق العمل؟ واصبح عاطلا عن العمل كما غيري ممن لم يفكروا فيما بعد الشهادة، فلماذا لا نتوقف؟.
السؤال ليس تشاؤميا كما قد يظن البعض، بل هو سؤال واقعي، خصوصا وأن العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، فما زلنا نختار تخصصاتنا في كثير من الأحيان بالطريقة نفسها التي كنا نختارها قبل عشرين أو ثلاثين عاما، وكأن سوق العمل لم يتغير، وكأن التكنولوجيا لم تدخل كل تفاصيل حياتنا.
المشكلة اليوم ليست فقط في البطالة، وإنما في الطريقة التي نصنع بها جزءا منها، عندما نصر على التخصصات الراكدة، ونبتعد عن تخصصات المستقبل، وننظر إلى التعليم المهني والتقني وكأنه خيار أقل قيمة من الجامعة، مع أن سوق العمل نفسه بدأ يقول لنا عكس ذلك تماما، كما نشاهد في حياتنا اليومية.
العالم اليوم لا يبحث فقط عن حملة الشهادات، وإنما عن أصحاب المهارات، ومن يستطيعون التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني والطاقة المتجددة والروبوتات وغيرها من المجالات التي ستشكل اقتصاد السنوات المقبلة.
والأهم أن بعض المهن النوعية أصبحت اليوم مطلوبة بدرجة كبيرة، ودخل أصحابها في كثير من الحالات أعلى من دخول وظائف جامعية تقليدية، فلماذا نصر على أن نجاح أبنائنا يبدأ وينتهي من بوابة الجامعة؟ولماذا لا نقنعهم بأن المهنة المتخصصة قد تكون طريقا إلى دخل أفضل واستقرار أكبر وفرصة حقيقية للعمل؟.
الذكاء الاصطناعي، بحسب الدراسات والتقارير الدولية، لن يلغي وظائف فقط، وإنما سيغير طبيعة سوق العمل، وسيخلق في الوقت نفسه ملايين الوظائف الجديدة، وهذا يعني أن الوظائف لن تختفي جميعها، وإنما ستنتقل القيمة من مهارات إلى مهارات أخرى، ومن وظائف تقليدية إلى وظائف جديدة.
إذا كانت الدولة تستعد لاقتصاد المستقبل بتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، ومن خلال المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل برئاسة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، فمن الأولى بنا كأسر وطلبة أن نواكب هذا التحول ونختار تخصصاتنا وفق احتياجات المستقبل، لا أن ننتظر التخرج ثم نسأل: أين الوظيفة؟
خلاصة القول، ليست المشكلة أن الوظائف ستختفي، بل المشكلة أن بعضنا قد يبقى يتعلم لوظائف تختفي، بينما العالم يتعلم لوظائف جديدة تولد، ولهذا وقبل أن تصبح عاطلا عن العمل، اسأل نفسك جيدا، هل أنا أتعلم لما يحتاجه سوق العمل اليوم، أم لما سيحتاجه غدا؟.