اليوم ، ستعود إلى كثير من البيوت الأردنية جملة غابت أسابيع طويلة: "يلا اصحى… تأخرنا".
ستعود المنبّهات إلى العمل قبل شروق الشمس، وتعود الأمهات إلى تجهيز الملابس والحقيبة، والتأكد من الدفاتر، بينما يقف الطالب أمام المرآة بنصف يقظة، يحاول أن يستوعب أن أيام السهر والنوم المتأخر قد انتهت، وأن للمدرسة موعدًا لا ينتظر أحدًا.
في العطلة الصيفية كان الطالب ينام متى شاء، ويستيقظ متى شاء، ويمضي ساعات في اللعب، أو أمام الهاتف، من دون أن يفكر كثيرًا في الحصة الأولى، أو الواجب الذي ينتظره، أما المدرسة فلها إيقاع مختلف: جرس لا ينتظر الطالب المتأخر، وحصة تبدأ في موعدها، وواجبات بيتية لها موعد، ولهذا، فإن العودة إلى المدرسة ليست عودة إلى المقاعد والكتب فقط؛ إنها عودة إلى نظام الحياة.
ففي الأيام الأولى من بدء العام الدراسي، قد يستيقظ الطالب بصعوبة، ويتثاءب في الحصة الأولى، ثم يعود إلى البيت فيرمي حقيبته جانبًا، ويتناول غذاءه، ويمسك هاتفه، قبل أن يأتيه السؤال المعتاد:(ما عليك واجب؟)
(بعد شوي) عبارة صغيرة، لكنها تختصر أحيانًا علاقتنا بالوقت: تأجيل ما نستطيع تأجيله.
ثم تبدأ المدرسة بتغيير هذه العادة، يومًا بعد يوم، ويتعلم الطالب أن للوقت موعدًا، وأن الواجب المؤجل لا يختفي، وأن ما عليه اليوم لا يمكن تركه دائمًا إلى الغد، ومع الأيام، يبدأ التغيير من التفاصيل: ينام أبكر، ويستيقظ على المنبّه بدلًا من صوت أمه، ويجهز حقيبته من الليل، وفي المدرسة، يصبح الجرس مألوفًا، وتصبح الحصص جزءًا من إيقاع اليوم، ويعرف أن هناك وقتًا للدرس، ووقتًا للفرصة، ووقتًا للعودة إلى البيت، وهنا تبدأ التربية التي لا تُكتب في كتاب: فالانضباط ليس صراخًا ولا عقوبة، بل أن يعرف الطالب أن للوقت قيمة، وأن عليه واجبات، وأن للآخرين حقًا في أن يتعلموا في هدوء، وهذا لا تستطيع المدرسة أن تفعله وحدها، فالأسرة شريك أساسي، إذ لا يمكن أن نطالب الطالب بالاعتماد على نفسه، بينما ما زالت أمه تجهز ملابسه، وتبحث عن كتبه، وتضعها في الحقيبة، وتوقظه كل صباح، وتلاحقه مساءً ليؤدي واجبه، فنحن أحيانًا، من شدة حبنا لأبنائنا، نرفع عنهم المسؤوليات التي نريدهم أن يتعلموا حملها.
لذلك، من الطبيعي أن تتراجع المساعدة تدريجيًا: نوقظه في البداية، ثم نترك للمنبّه جزءًا من المهمة، نساعده في ترتيب أموره، ثم نطلب منه أن يرتبها بنفسه، نذكره بالواجب، ثم ننتظر منه أن يتذكره، قد ينسى، وقد يخطئ، لكن الخطأ أحيانًا هو أول درس في المسؤولية.
وفي المدرسة، يحتاج الطالب إلى نظام واضح، وثابت، وعادل، فالقاعدة التي تُطبَّق اليوم وتُنسى غدًا لا تبني انضباطًا، ومع مرور الأيام، تحدث أشياء تبدو بسيطة: الأم التي كانت توقظ ابنها ثلاث مرات، تكتشف أنه أصبح يستيقظ وحده، والطالب الذي كان يرمي حقيبته عند عودته، يبدأ في فتحها ومعرفة ما عليه من واجبات بيتية، والذي كان ينتظر من يذكره بكل شيء، يبدأ في ترتيب يومه بنفسه، هذه ليست تفاصيل صغيرة؛ إنها بداية الاستقلال الذاتي، فالمدرسة لا تعلّم الطالب ما في الكتب فقط؛ إنها تدربه على الحياة التي تنتظره من خلال هذه التفاصيل اليومية: احترام الموعد، وإنجاز العمل، وتحمل النتيجة، والقدرة على فعل ما عليه حتى عندما لا يقف أحد فوق رأسه....
غدًا سيدق الجرس من جديد، قد يبدو ثقيلًا في الأيام الأولى من بدء العام الدراسي، وقد يشتاق بعض الطلبة إلى صباحات العطلة الطويلة، لكن الجرس سيصبح بعد فترة جزءًا طبيعيًا من يومهم، كما ستصبح الحقيبة الجاهزة، والواجب المنجز، وموعد النوم والاستيقاظ أمورًا لا تحتاج إلى كثير من التذكير.
وهنا لا تكون المدرسة قد أعادت الطالب إلى مقعده فقط؛ بل ستكون قد خطت به خطوة نحو أن يدير حياته بنفسه، فأهم ما يمكن أن يتعلمه الطالب في المدرسة ليس كيف يحصل على علامات مرتفعة؟ بل كيف يحترم وقته، وينجز ما عليه، ويتحمل مسؤوليته، فمن فوضى العطلة إلى انضباط المدرسة… رحلة تبدأ بجرس صباحي، وتنتهي بعادة ترافق الإنسان طوال حياته العملية.