أكثر من 24 ألف نقش و20 ألف رسم

وادي رم.. آلاف النقوش تفتح كتاباً عمره آلاف السنين

تاريخ النشر : الأحد 12:00 23-8-2026
No Image

في قلب الصحراء، حيث تتعانق الجبال الشاهقة مع الأودية الرملية، لا تبدو صخور وادي رم مجرد تشكيلات جيولوجية صنعتها الطبيعة عبر ملايين السنين، بل تتحول إلى صفحات مفتوحة من كتاب التاريخ، تحمل على سطحها آثار الإنسان وتفاصيل حياته ومعتقداته وطرق معيشته وتنقله، في مشهد يجعل من الوادي متحفاً أثرياً وثقافياً مفتوحاً في الهواء الطلق.

وعلى امتداد الجبال والأودية والشعاب، تنتشر آلاف النقوش والرسومات الصخرية التي تختزن ذاكرة بشرية موغلة في القدم، وتقدم للباحثين شواهد نادرة على العلاقة التي نشأت بين الإنسان والبيئة الصحراوية، وعلى الحضارات والمجتمعات التي تعاقبت على هذه الأرض.

ويؤكد مدير منطقة وادي رم الطبيعية صالح النعيمات أن النقوش والرسومات الصخرية المنتشرة في وادي رم تشكل «سجلاً تاريخياً وحضارياً مفتوحاً» يوثق مراحل مهمة من حياة الإنسان الذي استوطن المنطقة، ويعكس تنوع الحضارات والثقافات التي تعاقبت عليها عبر آلاف السنين.

ويقول النعيمات إن القيمة الاستثنائية لوادي رم لا تنحصر في طبيعته الصحراوية ومشهده السياحي الفريد، وإنما تمتد إلى قيمته الأثرية والثقافية، مبيناً أن المحمية تضم أكثر من 24 ألف نقش صخري ونحو 20 ألف صورة صخرية، فيما تشير الشواهد الأثرية إلى وجود بشري في المنطقة منذ أكثر من 12 ألف عام.

ويشير إلى أن هذه الأرقام تكشف حجم الإرث الذي تختزنه صخور رم، حيث لا تقدم النقوش مجرد كلمات أو رموز منفصلة، وإنما ترسم صورة متكاملة عن الإنسان الذي عاش في المنطقة، وعن أنماط حياته والأنشطة التي مارسها والبيئة التي أحاطت به.

وتتنوع الرسومات بين صور الحيوانات ومشاهد الصيد والرعي والتنقل، بما يجعلها مصدراً مهماً لدراسة التحولات التي شهدتها المنطقة، ليس من الناحية البشرية فقط، وإنما البيئية أيضاً.

ويبين النعيمات أن النقوش المنتشرة في أودية وسهول وجبال رم تعكس تعاقب المجتمعات البشرية منذ المراحل القديمة وصولاً إلى الحضارات العربية التي تركت شواهدها في المنطقة.

وتكمن أهمية هذه النقوش في أنها تمنح الباحث فرصة لقراءة التاريخ من مصدره المباشر؛ فالصخر الذي بقي آلاف السنين يحمل مشاهد ورسومات وكتابات تعكس جانباً من حياة الإنسان في زمن لم تكن فيه المصادر المكتوبة متاحة بالشكل المعروف اليوم.

حين كانت الحيوانات جزءاً من المشهد

ومن بين أكثر الجوانب دلالة في الرسومات الصخرية تلك التي تصور الحيوانات، إذ توفر هذه المشاهد مؤشرات مهمة على طبيعة البيئة التي كانت سائدة في المنطقة خلال فترات تاريخية مختلفة.

ويلفت النعيمات إلى أن بعض النقوش والرسومات توثق وجود حيوانات كانت تعيش في وادي رم، ومن بينها المها العربي، الأمر الذي يوفر مادة مهمة لفهم التحولات التي طرأت على البيئة والتنوع الحيوي في المنطقة.

وهنا تتحول النقوش من مادة أثرية إلى سجل بيئي أيضاً، فهي لا تخبرنا فقط بمن عاش في رم، بل بما كان يحيط به من حيوانات وموارد وبيئة طبيعية.

وتحمل بعض الرسومات كذلك تفاصيل ترتبط بالحياة البدوية، من الصيد والرعي إلى التنقل، ما يجعلها مصدراً مهماً لفهم العلاقة بين الإنسان والصحراء. ويؤكد النعيمات أن دراسة هذه النقوش تساعد الباحثين على فهم الطريقة التي تكيف بها سكان المنطقة مع البيئة الصحراوية، وكيف استفادوا من مواردها الطبيعية، مشيراً إلى أن هذه الشواهد تختزل جانباً من تفاصيل الحياة اليومية التي يصعب الوصول إليها من خلال المصادر التقليدية وحدها.

فالصخر هنا لا يتحدث عن الملوك والحكام والحروب فقط، بل عن الإنسان العادي؛ عن صياد يطارد فريسته، وراعٍ يقود قطيعه، ومجتمع يتنقل بين موارد المياه ومناطق الرعي، لتصبح الرسومات نافذة على الحياة اليومية في الصحراء القديمة.

ويشير النعيمات إلى أن هذه الشواهد تمثل مادة بحثية مهمة لعلماء الآثار واللغات القديمة، لما توفره من أدلة تساعد على تتبع تطور أنظمة الكتابة وانتقالها بين المجتمعات المختلفة.

وبذلك لا تقتصر أهمية النقوش على الجانب السياحي، بل تمتد إلى مجالات علمية متعددة، من علم الآثار والتاريخ إلى دراسة اللغات القديمة والبيئة والتغيرات الاجتماعية.

وفي الوقت الذي تزداد فيه القيمة السياحية والثقافية لهذه النقوش، تبرز تحديات الحفاظ عليها، خصوصاً أن الكتابة على الصخور أو العبث بالنقوش القديمة يمكن أن يتسبب في طمس شواهد لا يمكن استعادتها. ويشدد النعيمات على أن حماية هذا الإرث مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي والزوار والباحثين، داعياً إلى رفع مستوى الوعي بخطورة العبث بالنقوش أو إضافة كتابات حديثة إليها.

كما يؤكد أهمية تعزيز أعمال الرقابة والحماية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في توثيق المواقع والنقوش، بما يضمن حفظها للأجيال المقبلة.

ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة نظراً إلى المكانة العالمية لوادي رم، الذي أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو عام 2011 على قائمة التراث العالمي كموقع مختلط طبيعي وثقافي. ويرى النعيمات أن القيمة التاريخية للنقوش يمكن أن تشكل رافداً مهماً للمنتج السياحي في وادي رم، شرط أن يتم استثمارها بطريقة مستدامة تحافظ على الموقع ولا تعرض شواهده للتلف.

فالسائح الذي يأتي إلى رم بحثاً عن الصحراء والجبال والمغامرة يمكن أن يجد أمامه تجربة مختلفة؛ تجربة يقرأ خلالها تاريخ الإنسان على الصخور، ويتعرف إلى المجتمعات التي عاشت هنا، ويفهم كيف تشكلت العلاقة بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين.

ويؤكد النعيمات أن خصوصية وادي رم تكمن في اجتماع عناصر الطبيعة والتاريخ والتراث في مكان واحد، فالزائر يستطيع أن يشاهد الجبال والأودية والمناظر الصحراوية، وفي الوقت ذاته يقرأ على الصخور صفحات من تاريخ الإنسان.

ويضيف أن النقوش والرسومات ليست مجرد كتابات أو أشكال قديمة، وإنما سجل حي للحضارات والإنسان والبيئة، وشاهد على عمق التاريخ الذي تختزنه المنطقة. وبينما تتجه أنظار العالم إلى وادي رم باعتباره أحد أبرز المقاصد السياحية في الأردن، تظل القيمة الحقيقية للمكان أعمق من المشهد السياحي؛ إنها ذاكرة إنسانية محفورة في الصخر، قاومت الزمن آلاف السنين، وما زالت تنتظر من يقرأها ويحميها.

إن حماية نقوش وادي رم ليست حماية لأحجار صامتة، بل صون لذاكرة إنسانية لا تقدر بثمن، وإبقاء صفحاتها مفتوحة أمام الأجيال القادمة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }