يُعد موقع معمودية السيد المسيح «بيت عنيا عبر الأردن» (المغطس) واحداً من أهم المواقع الدينية والأثرية في الأردن والعالم المسيحي، ويقع على الضفة الشرقية لنهر الأردن، ويتكون من منطقتين أثريتين رئيسيتين هما تل الخرار (جبل مار إلياس) ومنطقة الكنائس التي شُيدت تخليداً لذكرى عماد السيد المسيح.
وقال مدير موقع المغطس عبدالله البواريد لـ«$» إن أهمية الموقع ترتبط بالتقليد المسيحي الذي يعتبره المكان الذي تعمّد فيه السيد المسيح على يد النبي يحيى «يوحنا المعمدان»، فيما ارتبط الموقع عبر القرون بالحج المسيحي وطقوس التعميد. وتضم المنطقة بقايا كنائس وأديرة ومصليات ومغارات للنساك وأحواض تعميد وأنظمة مائية تعود بصورة رئيسية إلى الفترات الرومانية والبيزنطية وما بعدها.
وأضاف أن الموقع أدرج على قائمة التراث العالمي عام 2015 في مدينة بون الألمانية، باعتباره موقعاً ثقافياً ودينياً ذا قيمة استثنائية عالمية، استناداً إلى المعيارين الثالث والرابع من اتفاقية التراث العالمي. ويمثل المغطس شهادة استثنائية على استمرار تقليد التعميد والحج المسيحي بوصفه تقليداً دينياً وثقافياً حياً، تدعمه الأدلة الأثرية التي تؤكد ممارسة التعميد منذ القرن الرابع الميلادي واستمرار زيارة الحجاج وإقامة الطقوس فيه حتى اليوم.
وأوضح البواريد أن القيمة الاستثنائية للموقع تنبع من التكامل بين أهميته الدينية والروحية وقيمته الأثرية والتاريخية، إلى جانب استمرار تقاليد الحج والتعميد، وسياقه الطبيعي والثقافي المرتبط بنهر الأردن والبيئة المحيطة به.
وبين أن نتائج التنقيبات والمسوح الأثرية التي أجريت بين عامي 1996 و2002 أظهرت تتابعاً تاريخياً يمتد من عصور ما قبل التاريخ وحتى الفترات الإسلامية المتأخرة. وتشير المكتشفات إلى وجود أقدم آثار للاستيطان في العصر الحجري النحاسي نحو 3500 قبل الميلاد، فيما ظهرت دلائل على استخدام الموقع خلال الفترة الهلنستية في القرن الثاني قبل الميلاد، ثم خلال الفترات الرومانية والبيزنطية.
وشهد الموقع تطوراً كبيراً خلال الفترة البيزنطية، ولا سيما منذ القرن الرابع الميلادي، مع ظهور الكنائس والمصليات والأديرة ومساكن النساك وأحواض التعميد وأنظمة المياه، ما عزز مكانته مركزاً دينياً ومقصداً للحج المسيحي. كما تشير المكتشفات إلى استمرار استخدام الموقع وإعادة بناء بعض منشآته خلال الفترات الأموية والعباسية والأيوبية والمملوكية، وصولاً إلى بعض المنشآت العائدة للعهد العثماني.
وأكد البواريد أن إدراج المغطس على قائمة التراث العالمي عزز مكانته كأحد أبرز مقاصد السياحة الدينية والحج المسيحي العالمي، ورفع حضوره على خريطة السياحة الدولية، مشيراً إلى أن أعداد الزوار تضاعفت ثلاث مرات حتى نهاية عام 2019 مقارنة بما قبل الإدراج. كما أسهم التسجيل في تعزيز الترويج للأردن باعتباره جزءاً من الأرض المقدسة، وتنويع المنتج السياحي من خلال الربط بين السياحة الدينية والثقافية والأثرية.
وأشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في تحقيق التوازن بين حماية القيمة الدينية والأثرية والطبيعية للموقع وبين تزايد النشاط السياحي والتطوير العمراني في المنطقة المحيطة. ويشكل ارتفاع أعداد الزوار والضغط السياحي تحدياً لإدارة الحركة والسعة الاستيعابية وحماية الآثار والمشهد الطبيعي، إلى جانب تأثير بعض مشاريع التطوير والإنشاءات في المنطقة العازلة.
كما تواجه آثار الموقع تحديات بيئية، أبرزها الفيضانات المفاجئة والزلازل وارتفاع الملوحة والتغيرات في درجات الحرارة، إضافة إلى حساسية النظام المائي والبيئة الطبيعية لنهر الأردن، ما يتطلب إخضاع مشاريع التطوير لتقييمات أثر تراثي وبيئي، وتعزيز خطط الاستجابة للمخاطر الطبيعية.
وأكد البواريد أن رسالة المغطس تتجاوز قيمته الدينية والأثرية، ليجسد رسالة الأردن إلى العالم القائمة على المحبة والسلام والوئام الديني، والحوار بين أتباع الديانات والثقافات، مشدداً على أن الحفاظ على قدسيته ومكانته كموقع للحج والتلاقي يسهم في ترسيخه رمزاً للتسامح والتعايش والسلام بين الشعوب.