يحتفظ الأردن بمكانة استثنائية على خارطة التراث الإنساني، إذ نجحت ثمانية مواقع من أرضه في نيل شرف الإدراج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، لتتحول هذه المواقع من معالم محلية إلى إرث تملكه البشرية جمعاء وتتحمل الأجيال القادمة مسؤولية صونه.
فمن البترا المحفورة في الصخر الوردي، إلى قصر عمرة الأموي بزخارفه الفريدة، مروراً بأم الرصاص وأم الجمال بشواهدهما الأثرية، ووادي رم بنقوشه التي تختزن سيرة الإنسان منذ آلاف السنين، والمغطس بقدسيته الدينية، والسلط بنموذجها الحضري القائم على التسامح والعيش المشترك، وصولاً إلى محمية العقبة البحرية بتنوعها الأحيائي، تشكل هذه المواقع مجتمعة سجلاً حياً لتعاقب الحضارات التي مرت على هذه الأرض، من العصور القديمة وحتى الفترات الإسلامية والعثمانية.
ولا يقتصر معنى هذا الإدراج على البعد الرمزي أو التوثيقي، بل يمتد ليشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني، من خلال ما يفتحه من آفاق أمام السياحة الثقافية والبيئية، وما يستقطبه من استثمارات وباحثين ومهتمين بالتراث من مختلف أنحاء العالم. كما يفرض هذا الاعتراف الدولي مسؤولية مضاعفة على الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية على حد سواء، تتمثل في مواجهة التحديات التي تهدد هذه المواقع، من ضغوط التوسع العمراني إلى نقص الكفاءات المتخصصة في أعمال الترميم والحفاظ.
ويسعى هذا الملف إلى تقديم قراءة شاملة لكل موقع من هذه المواقع الثمانية، عبر الوقوف على قيمته الاستثنائية العالمية، والحضارات التي تعاقبت عليه، وما يميزه عن غيره، إضافة إلى ما أضافه إدراجه للسياحة الأردنية، وأبرز التحديات التي تواجه المحافظة عليه، في محاولة لإبراز الدور الذي تلعبه هذه الكنوز في ترسيخ مكانة الأردن كوجهة حضارية وسياحية على الخريطة العالمية.