كتاب

هل نُحذّر من الحدث… أم نُسوّق للأزمة؟

في السياحة تعلمنا أن صورة الوجهة لا تتشكل فقط مما يراه الزائر عندما يصل إليها، بل بما يسمعه ويقرأه ويشاهده عنها قبل أن يتخذ قرار السفر.
ومن هنا، فاننا بحاجة إلى مراجعة جادة للطريقة التي نقدم بها بعض أخبارنا؛ ليس إخفاء للحقيقة أو التقليل من المخاطر، وإنما لأن للكلمة والصورة أثرًا اقتصاديًا قد يتجاوز أحيانًا حجم الحدث نفسه.
ترتفع درجات الحرارة أيامًا معدودة، فنرفع معها حرارة العناوين. تنخفض شتاءً، فنستدعي مفردات الظروف الاستثنائية. يحدث ازدحام مروري، فيتحول إلى 'شلل'. يقع حادث مؤسف على الطريق الصحراوي، فيُقدَّم أحيانًا بصورة قد تجعل من لا يعرف الأردن يتخيل أن الطريق بأكمله أصبح منطقة خطر. وتُغلق منشأة لمخالفة محددة، فيصبح العنوان أحيانًا محاكمة لقطاع كامل. ويحدث تسرب محدود، فنقفز إلى توصيفات كارثية قبل أن يقول التقييم الفني كلمته.
ولم تعد المسألة مقتصرة على الإعلام التقليدي؛ ففي زمن الهاتف والمنصات الرقمية أصبح كل شخص تقريبًا قادرًا على صناعة محتوى ونشره إلى العالم خلال ثوانٍ، وهنا تظهر مسؤولية جديدة.
وقد شاهدنا خلال أحداث إقليمية شهدتها المنطقة كيف جرى تداول مقاطع لاعتراضات ودفاعات جوية في سماء المنطقة، بعضها قُدّم دون سياقه الكافي، وبطريقة قد تترك لدى المتابع من الخارج انطباعًا بأن الأردن نفسه ساحة حرب.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون الصورة حقيقية، لكن إخراجها من سياقها قادر على صناعة انطباع غير حقيقي.
والأخطر أن هذه الصورة لا يشاهدها الأردني وحده؛ بل تصل إلى سائح يفكر في زيارته، وشركة سياحة تبيع الأردن، ومستثمر يدرس فرصة، ووسيلة إعلام خارجية قد تعيد تداولها.
وهذه المسألة شديدة الحساسية في السياحة تحديدًا؛ فدراسات عديدة في إدارة الوجهات تؤكد أن إدراك المخاطر والصورة الذهنية يؤثران في نية السفر واختيار الوجهة.
وفي العقبة مثلًا، عندما ترتفع الحرارة، علينا نشر المعلومة والتحذير عندما يستوجب الأمر، ولكن لماذا لا نكمل الصورة؟
فالبحر موجود، والغوص والرياضات البحرية والأنشطة والفعاليات مستمرة متى كانت الظروف آمنة، والحياة لا تتوقف.
الإعلام المهني لا يخفي نصف الحقيقة، لكنه أيضًا لا يختار النصف الأكثر إثارة منها فقط.
وهنا أرى دورًا أكبر يجب أن تضطلع به الغرف التجارية. فتمثيل مصالح القطاعات لا يقتصر على الضرائب والتشريعات، بل يمتد إلى حماية بيئة الأعمال والصورة الاقتصادية للمدينة والبلد من الضرر غير المبرر، وأن تطور أدواتها في رصد الصورة الإعلامية وقياس أثرها والاستجابة السريعة لها.
فلماذا لا تقود الغرف، بالتعاون مع الجهات المختصة والمؤسسات الإعلامية والقطاعات الاقتصادية والسياحية، حوارًا لوضع إطار مهني للاتصال في الأحداث ذات الأثر الاقتصادي؟
لا أتحدث عن رقابة على الإعلام، ومنع الناس من التصوير، وتجميل الواقع؛ بل عن مسؤولية ومعايير تفرق بين التنبيه والتحذير والحالة الاستثنائية، وعن سرعة توفير المعلومة الرسمية، ووضع الحدث في حجمه وسياقه، وتصحيح الصورة بعد انتهائه.
فالاقتصاد اليوم لا يتأثر فقط بما يحدث على الأرض؛ بل بما يظهر على الشاشة، وبالطريقة التي نروي بها ما حدث.
وفي بلد يعتمد على السياحة والتجارة والاستثمار، قد يكون عنوانا يبحث عن الإثارة أو صورة بلا سياق أكثر كلفة مما يتصور ناشرها.
الأردن لا يحتاج إعلامًا يخفي مشكلاته، ولا إعلامًا يجمّل الواقع؛ لكنه أيضًا لا يحتاج أن يتحول كل حادث إلى أزمة، وكل أزمة إلى كارثة.
فليس كل حدث أزمة… لكن طريقة تصويره وتقديمه قد تصنع منه أزمة.