نقاش استراتيجي داخل طهران حول الحرب وجدوى المشروع النووي
كشف الدكتور راز تسيمت، في تقرير أمني استراتيجي صادر عن معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، أن العقيدة النووية الإيرانية تمر بمرحلة مفصلية، في ظل تصاعد النقاش داخل إيران حول جدوى الانتقال من امتلاك «القدرة النووية الكامنة» إلى السعي الفعلي لامتلاك سلاح نووي، وذلك على خلفية التحولات الأمنية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين.
ويشير تسيمت إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إلى استثمار الانقسام الداخلي الإيراني حول مستقبل البرنامج النووي، عبر ترسيخ قناعة لدى القيادة الإيرانية بأن أي محاولة للانتقال إلى التسلح النووي قد تحول البرنامج من مصدر للردع إلى عبء يهدد بقاء النظام، بدلاً من أن يشكل ضمانة لحصانته.
ويقول التقرير إن العام الماضي شهد نقاشاً غير مسبوق داخل إيران بشأن مستقبل العقيدة النووية، بعدما اعتمدت طهران طوال عقود استراتيجية تقوم على امتلاك «قدرة نووية أساسية»، من خلال تطوير برنامج التخصيب والاحتفاظ بالقدرة على الاقتراب من إنتاج السلاح، من دون اتخاذ قرار نهائي بامتلاكه.
وكانت هذه المعادلة تهدف إلى توفير قدر من الردع مع تجنب الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية المترتبة على تصنيع سلاح نووي معلن.
إلا أن التطورات التي أعقبت تشرين الأول 2023، ولا سيما الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران، دفعت إلى إعادة تقييم هذه الفرضيات داخل دوائر صنع القرار الإيراني.
ويرى تسيمت أن الحرب والهجمات على المنشآت النووية الإيرانية قوّضت جزءاً من التصورات التي قامت عليها الاستراتيجية الأمنية الإيرانية، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل تكفي القدرة على الاقتراب من إنتاج السلاح لردع الخصوم، أم أن امتلاك السلاح نفسه بات أكثر إلحاحاً؟
ويستعرض التقرير تطور البرنامج النووي الإيراني منذ عهد الشاه، مروراً بمرحلة تجميده بعد الثورة، ثم إعادة إحيائه خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية بين عامي 1980 و1988.
كما يشير إلى تصريحات سابقة لمسؤولين إيرانيين، من بينهم الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، أظهرت أن خيار امتلاك قدرة عسكرية نووية طُرح في مراحل مختلفة باعتباره حاجة استراتيجية، قبل أن يتراجع ظهوره في الخطاب الرسمي مع تصاعد الضغوط الدولية.
وفي هذا السياق، يوضح تسيمت أن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي حافظ لسنوات على معادلة تجمع بين موقف ديني معلن يحظر امتلاك الأسلحة النووية، وبين قناعة استراتيجية بأهمية تطوير قدرات نووية متقدمة باعتبارها وسيلة للردع في بيئة إقليمية تضم قوى نووية، أبرزها إسرائيل وباكستان.
ويشير التقرير إلى أن التجارب التي مرت بها دول مثل ليبيا وكوريا الشمالية وأوكرانيا حاضرة بقوة في التفكير الإيراني، إذ يرى أنصار الخيار النووي أن التخلي عن الطموحات النووية أو عن وسائل الردع الاستراتيجية قد يجعل الدول أكثر عرضة للضغط أو التدخل الخارجي، في حين توفر الأسلحة النووية، من وجهة نظرهم، درجة من الحصانة والردع.
ويعتبر تسيمت أن حرب الأيام الاثني عشر شكلت نقطة تحول مهمة في هذا النقاش، إذ كانت إيران، قبل الحرب، وفق تقديرات التقرير، على مسافة قصيرة زمنياً من القدرة على تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عسكرية، لكنها لم تتخذ قراراً نهائياً بالانتقال إلى تصنيع السلاح. وأدت الضربات الإسرائيلية والأميركية إلى تدمير أجزاء مهمة من البنية التحتية النووية، لكنها لم تقضِ على جميع عناصر البرنامج، إذ بقيت لدى إيران كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، إلى جانب أجهزة طرد مركزي متطورة وخبرات علمية وبنية تحتية يمكن إعادة توظيفها.
ويرى التقرير أن هذه النتيجة عززت داخل إيران الأصوات التي تعتبر امتلاك السلاح النووي الضمانة الوحيدة لمنع تكرار مثل هذه الهجمات، خصوصاً في ظل تراجع نفوذ «محور المقاومة» وتضرر قدرات الردع الصاروخي الإيرانية أمام التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.
ويشير تسيمت إلى أن الدعوات المطالبة بإعادة النظر في العقيدة النووية تصاعدت بصورة واضحة بعد حرب عام 2025، مستشهداً بتصريحات لمسؤولين وشخصيات سياسية إيرانية، من بينهم علي شمخاني وكمال خرازي، إلى جانب مواقف لعدد من أعضاء مجلس الشورى ووسائل إعلام محافظة، طرحت جميعها بدرجات مختلفة فكرة الانتقال من سياسة الاكتفاء بالقدرة النووية إلى إعادة النظر في خيار امتلاك السلاح.
وبحسب التقرير، يرى أنصار هذا الاتجاه أن الظروف الأمنية التي تواجهها إيران تغيرت بصورة جوهرية، وأن الردع التقليدي لم يعد كافياً لمنع خصومها من استهداف منشآتها وقادتها، فيما بات السلاح النووي، من وجهة نظرهم، يمثل «ضمانة للبقاء» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الكبرى.
في المقابل، لا يخلو النقاش الإيراني من أصوات تشكك في جدوى الانتقال إلى التسلح النووي، وتعتبر أن امتلاك القنبلة لا يوفر حصانة مطلقة. ويستند هؤلاء إلى تجارب دول نووية مثل الهند وباكستان، حيث لم يمنع امتلاك السلاح استمرار التوترات والصراعات العسكرية، كما أن امتلاك إسرائيل لقدرات نووية لم يمنع تعرضها لهجمات كبيرة أو صواريخ ومسيّرات إيرانية.
ويشير هذا التيار إلى أن الردع الفعّال لا يقوم على السلاح النووي وحده، وإنما يحتاج إلى قوة تقليدية متطورة، وقدرات دفاعية واستخباراتية، واستقرار داخلي، إلى جانب أدوات سياسية ودبلوماسية قادرة على إدارة الأزمات.
كما يمثل العامل الاقتصادي والسياسي أحد أبرز أسباب التحفظ على خيار القنبلة، فإيران تواجه أصلاً عقوبات وضغوطاً اقتصادية واسعة، فيما قد يؤدي الانتقال الرسمي إلى تصنيع السلاح النووي إلى تشديد العزلة الدولية، وفرض عقوبات إضافية.
وفي مقابل الخيار النووي، يبرز داخل إيران اتجاه يرى أن امتلاك أدوات الردع غير التقليدية، ولا سيما القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والسيطرة على مضيق هرمز، يمكن أن يوفر لطهران نفوذاً استراتيجياً يفوق، في بعض الظروف، قيمة امتلاك عدد محدود من الأسلحة النووية.
كما يناقش التقرير خيار «الغموض النووي»، الذي يقوم على الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو تقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من دون إعلان صريح عن امتلاك السلاح.
غير أن هذا الخيار يواجه، وفق تسيمت، اعتراضات من التيار البراغماتي الذي يخشى أن يؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية ويفتح الباب أمام سيناريوهات مشابهة لما حدث مع العراق وليبيا.
ويرى التقرير أن إيران لا تتوافر فيها جميع هذه الشروط، خصوصاً في ظل نقاط الضعف في منظومات الدفاع الجوي، وتعرض بنيتها النووية والعسكرية لاختراقات استخباراتية، وعدم وجود ضمانات بأن روسيا أو الصين ستتدخلان عسكرياً بصورة مباشرة للدفاع عنها في حال اندلاع مواجهة شاملة.
ويضيف تسيمت أن غياب قدرة مؤكدة على تنفيذ «الضربة الثانية»، وعدم امتلاك غواصات نووية، يجعل أي قدرة نووية إيرانية مستقبلية محدودة من ناحية الردع الاستراتيجي مقارنة بالدول التي تمتلك منظومات نووية متكاملة وقابلة للبقاء بعد تعرضها لضربة أولى.
ويخلص التقرير إلى أن النقاش الإيراني حول السلاح النووي لم يُحسم بعد، وأن هناك نافذة يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة استغلالها للتأثير في حسابات القيادة الإيرانية. ويقترح تسيمت الحفاظ على الضغط العسكري والسياسي بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، بما يسمح باستخدام الردع والضغط من دون افتراض أن الحل العسكري قادر وحده على تفكيك البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية.
ويرى أن الهدف لا ينبغي أن يكون القضاء الكامل على جميع عناصر البرنامج، وهو أمر يصعب ضمانه، وإنما دفع القيادة الإيرانية إلى إدراك أن الانتقال من القدرة النووية إلى التسلح قد يحول البرنامج النووي من ورقة قوة إلى نقطة ضعف، ويعرض البنية التحتية الحيوية للنظام ومؤسساته لخطر أكبر.
وتتجاوز القضية، وفق قراءة تسيمت، الجانب التقني للبرنامج النووي إلى معركة أوسع حول التصورات الإيرانية للردع والأمن والبقاء، فكلما تراجعت قدرة إيران على الاعتماد على حلفائها ووكلائها وقدراتها الصاروخية التقليدية، ازدادت جاذبية الخيار النووي لدى بعض دوائرها، في حين يرى تيار آخر أن امتلاك القنبلة قد لا يوفر الحماية التي يبحث عنها، بل قد يجعل إيران أكثر عرضة للعزلة والضربات العسكرية.
وبذلك، فإن السؤال الذي يطرحه التقرير الإسرائيلي لا يتعلق فقط بما إذا كانت إيران تمتلك سلاحاً نووياً فعلياً، وإنما بما إذا كانت التحولات العسكرية والسياسية الأخيرة تدفعها إلى إعادة النظر في قرارها التاريخي بعدم عبور العتبة النووية. وفي هذا السياق، يرى تسيمت أن المعركة الحقيقية تدور حول منع تحول هذا النقاش من مجرد خيار استراتيجي مطروح إلى قرار إيراني لا رجعة فيه.