كتاب

العالم في قاع هرمز

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يفصل بين ضفتين في الخليج، ولا مجرد نقطة على خريطة التجارة العالمية، بل أن هرمز اليوم أشبه بمقياس حرارة للاقتصاد العالمي، ترتفع حرارته كلما اضطربت الملاحة فيه، ويتسع أثره من ناقلة نفط إلى مصنع، ومن سفينة حاويات إلى رف متجر، ومن سوق الطاقة إلى جيب المستهلك في أقصى العالم، فما اهميته؟.
استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز ومحيطه، وتراجع حركة الملاحة فيه لمستويات شديدة الانخفاض، لا يعني فقط تعطل طريق بحري حيوي، بل يعني أن الاقتصاد العالمي يقف أمام اختبار جديد لقدرة سلاسل التوريد على تحمل صدمة إضافية في وقت لم تتعاف فيه التجارة الدولية بالكامل من آثار أزمات السنوات الماضية من كورونا وغيرها.
حين 'تتعطل الممرات' البحرية، ترتفع تكلفة كل شيء تقريبا، فالسفينة تبحث عن طريق بديل، والطريق البديل يعني مسافة أطول، ووقودا أكثر، وتأميناً أعلى، ووقتا أطول، ثم تأتي هذه الزيادة في النهاية إلى المنتج والمستهلك.
للأسف ان طال أمد الأزمة، لن يكون تأثيرها محصورا بسعار النفط، بل سوف تنتقل إلى النقل، والتأمين، والغذاء، والمواد الخام، والصناعة، ثم إلى أسعار السلع النهائية، والمعروف انه عند ارتفاع كلف الشحن، تصبح سلاسل التوريد العالمية أكثر تعقيدا وأقل كفاءة، وتضطر الشركات للبحث عن مسارات بديلة، وتحمل تكاليف إضافية لم تكن موجودة في حساباتها.
الأردن، الذي يقع في قلب منطقة تعصف بها الأزمات، استطاع حتى الآن أن يحافظ على درجة ملحوظة من الاستقرار الاقتصادي والنقدي، ولعل أحد أبرز المؤشرات على ذلك بقاء التضخم عند مستويات منخفضة، فقد بلغ متوسط التضخم 2.03% خلال النصف الأول من عام 2026، وهو مستوى ما يزال منخفضا مقارنة بالكثير من الاقتصادات العالمية.
وهنا تبرز العقبة بوصفها نقطة تنفس لوجستية للأردن والمنطقة، فالعقبة لم تعد تؤدي وظيفة الميناء الوطني فقط، بل أخذ يثبت قدرته على لعب دور إقليمي في استقبال البضائع وإعادة توجيهها، خصوصا مع حاجة دول الجوار إلى مسارات أكثر أمنا واستقرارا.
خلاصة القول، إن استمرار اضطرابات هرمز يضع الاقتصاد العالمي أمام كلفة متصاعدة في الطاقة والشحن والتضخم وسلاسل التوريد، فيما يثبت الأردن أن الاستقرار في قلب منطقة مضطربة هو ميزة اقتصادية بحد ذاته؛ باستقرار أسعاره واستمرار تجارته، وبالعقبة التي تواصل أداء دورها كمتنفس لوجستي للأردن ودول الجوار، وهنا وبين هرمز المضطرب والعقبة المستقرة، تتأكد حقيقة واحدة انه في عالم الأزمات، يصبح الاستقرار قيمة اقتصادية لا تقل أهمية عن النفط والتجارة.