فقد أقرت التعديلات الدستورية لعام 2022 حكما مستحدثا في المادة (84) من الدستور، تضمن خروجا عن القاعدة العامة المتعلقة بالأغلبية اللازمة لصدور قرارات مجلسي الأعيان والنواب عند إقرار القوانين، حيث أوجب موافقة ثلثي أعضاء المجلس عند التصويت على عدد من التشريعات الواردة على سبيل الحصر، وتشمل القوانين الناظمة للانتخاب والأحزاب السياسية والقضاء والهيئة المستقلة للانتخاب وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد وديوان المحاسبة والجنسية والأحوال الشخصية.
وتكمن الحكمة من إخضاع هذه القوانين لإجراءات أكثر تشددا في تعديلها مقارنة بالقوانين العادية في أهمية الموضوعات التي تنظمها؛ فهي، وإن بقيت من الناحية الشكلية في مرتبة التشريع العادي، إلا أن الدستور شدد الأغلبية اللازمة لإقرارها أو تعديلها، وذلك نظرا لارتباطاها بالنظام الدستوري في الدولة، والحقوق السياسية، وضمانات النزاهة وسيادة القانون.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إدراج قانون الهيئة المستقلة للانتخاب ضمن هذه المجموعة من التشريعات؛فالهيئة ليست مؤسسة حكومية عادية، وإنما هيئة دستورية مستقلة أنشأها الدستور وأسند إليها إدارة الانتخابات النيابية والإشراف عليها، ثم توسعت اختصاصاتها بموجب التعديلات الدستورية لعام 2022 لتشمل النظر في طلبات تأسيس الأحزاب السياسية ومتابعة شؤونها، فضلا عن إمكانية تكليفها بإدارة أو الإشراف على أي انتخابات أخرى يقررها مجلس الوزراء.
ومن ثم، جاء رفع الأغلبية المطلوبة لتعديل قانون الهيئة منسجما مع فلسفة إنشائها واستقلالها. فالاستقلال المؤسسي لا يتحقق بمجرد النص الدستوري على وجود الهيئة، وإنما يستلزم أيضا حماية الإطار التشريعي الذي ينظم تشكيلها واختصاصاتها وآليات عملها، خصوصا مع التوجه نحو تطوير الحياة الحزبية والوصول إلى حكومات برلمانية، وما قد يرافق ذلك من امتلاك حزب أو ائتلاف حزبي أغلبية مؤثرة في مخرجات العملية التشريعية. فلو بقي تعديل هذا القانون خاضعا للأغلبية العادية، لأمكن لأي أكثرية نيابية إدخال تعديلات جوهرية على قواعد عمل الهيئة واختصاصاتها بالسهولة ذاتها التي تعدل بها أي تشريع عادي.
لذا، فإن اشتراط أغلبية الثلثين يشكل ضمانة إضافية لاستقرار المنظومة القانونية الناظمة للهيئة المستقلة للانتخاب، ويدفع باتجاه بناء توافق نيابي واسع عند تعديل أحكامها. فالأغلبية المشددة لا تجعل القانون بمنأى عن التعديل، وإنما ترفع مستوى التوافق السياسي المطلوب لإحداث هذا التغيير، بما ينسجم مع طبيعة المهام والمسؤوليات التي تؤديها الهيئة وصلتها المباشرة بالعمليات الانتخابية والعمل السياسي الحزبي.
وتتضح هذه الفلسفة بصورة أكبر عندما جمع المشرع الدستوري، في المادة (84) من الدستور، بين قوانين الانتخاب والأحزاب السياسية والهيئة المستقلة للانتخاب، باعتبارها تشكل منظومة تشريعية مترابطة من حيث الأهداف والغايات. فقانون الانتخاب يحدد قواعد التنافس على عضوية مجلس النواب والنظام الانتخابي المتبع في اختيار أعضائه، وقانون الأحزاب ينظم الكيانات السياسية الوطنية التي تشكل أساسا للتنافس على المقاعد النيابية، في حين ينظم قانون الهيئة المستقلة للانتخاب الجهة التي تتولى إدارة العملية الانتخابية ومتابعة شؤون الأحزاب.
وعليه، سيشكل مشروع القانون المعدل لقانون الهيئة المستقلة للانتخاب، عند وصوله إلى مجلس الأمة، تطبيقا عمليا لأول مرة لهذا الحكم الدستوري، واختبارا لفلسفة الأغلبية المشددة التي أقرها المشرع الدستوري. فالنقاش النيابي لن ينصب فقط على ملاءمة الأحكام المقترحة، وإنما سيتعين أن ينتهي إلى توافق واسع يحقق أغلبية الثلثين التي اشترطها الدستور.
وبذلك، فإن أهمية مشروع القانون المعدل لا تقتصر على مضمون التعديلات التي يحملها، والتي سيتم تناولها لاحقا، وإنما تمتد إلى الآلية الدستورية التي سيجري إقراره من خلالها، والتي تعكس توجها نحو حماية القواعد القانونية الحاكمة للعمل السياسي والمؤسسات الضامنة لنزاهته من سهولة التعديل بالأغلبية العادية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية