اقتصاد

الأردن.. من موقع استراتيجي إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير والترانزيت

يمتلك الأردن فرصة لتحويل موقعه الجغرافي من ميزة استراتيجية على الخريطة إلى رافعة اقتصادية تقوم على التصنيع والتصدير والنقل والترانزيت، مستنداً إلى قاعدة صناعية قائمة، ومنفذ بحري عبر العقبة، وشبكة من الطرق والمعابر والمدن الصناعية، إلى جانب اتفاقيات تجارية واتفاقيات للنقل البري تفتح أمام المملكة مجالاً أوسع للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

ويؤكد صناعيون وهيئة تنظيم النقل البري، في تصريحات لـالرأي، أن الوصول إلى مركز إقليمي متكامل لا يبدأ من الصفر، لكنه يتطلب استكمال حلقات المنظومة، من تعزيز الربط بين مراكز الإنتاج والعقبة والمعابر، وتطوير السكك الحديدية والنقل متعدد الوسائط، إلى خفض كلف الطاقة والنقل والشحن والتخزين والتخليص، وتسريع الرقمنة، بالتوازي مع تطوير أسطول الشاحنات وتأهيل السائقين واستقطاب استثمارات جديدة ترفع الطاقة الإنتاجية وتنقل التكنولوجيا وتزيد المحتوى المحلي.

ويرون أن الموقع الاستراتيجي للمملكة وما تمتلكه من بنية صناعية ونقلية ولوجستية يمكن أن يعزز موقعها كقاعدة للإنتاج والتصدير وحلقة وصل لحركة التجارة والترانزيت بين دول المنطقة والأسواق العالمية.

قاعدة صناعية تؤسس للانطلاق

أكد رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمّان، المهندس فتحي الجغبير، أن الأردن يمتلك اليوم قاعدة صناعية راسخة ومجموعة من المزايا التنافسية التي تؤهله للتقدم نحو موقع أكثر أهمية كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير، مشيراً إلى أن القطاع الصناعي يسهم بنحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغت صادراته نحو 8.9 مليار دينار خلال عام 2025، بنمو بلغ 10.2% عن العام السابق، ووصلت المنتجات الصناعية الأردنية إلى قرابة 150 سوقاً حول العالم.

وقال إن هذه المؤشرات تؤكد وجود قاعدة إنتاجية وتصديرية قوية يمكن البناء عليها، تتكامل مع الموقع الاستراتيجي للمملكة الذي يتوسط المنطقة ويربط أسواق الخليج والعراق وبلاد الشام، إلى جانب منفذ بحري عبر العقبة وشبكة من الطرق والمعابر والمدن والمناطق الصناعية والتنموية، بما يمنح الأردن إمكانية الجمع بين التصنيع والتخزين والتوزيع والتصدير.

وأضاف أن هذا التوجه تعززه الإرادة والاهتمام الملكيان بالصناعة والاستثمار، واللذان يتجليان في توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، وزياراته الخارجية ولقاءاته مع المستثمرين ومجتمعات الأعمال، وحرص جلالته على فتح الأسواق أمام المنتجات الأردنية واستقطاب الاستثمارات النوعية، وصولاً إلى استثمار موقع المملكة كميزة اقتصادية وإنتاجية.

من جانبه، أكد ممثل قطاع الصناعات الجلدية والمحيكات إيهاب القادري أن الاهتمام الملكي بالصناعة والاستثمار يشكل عاملاً مهماً في ترسيخ صورة الأردن كبيئة مستقرة وموثوقة للاستثمار والإنتاج والتصدير، ويسهم في تعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وجذب استثمارات نوعية إلى المملكة.

وأشار الجغبير إلى أن هذا التوجه ينسجم بصورة مباشرة مع رؤية التحديث الاقتصادي التي وضعت الصناعات عالية القيمة في صميم محركات النمو، وحددت هدف تطوير الأردن ليكون مركزاً صناعياً رئيسياً في المنطقة ومركزاً لتصدير المنتجات ذات القيمة العالية.

وبين أن المملكة تمتلك فرصاً وأفضلية في عدد من القطاعات، في مقدمتها الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والأسمدة والتعدين والصناعات الهندسية والكهربائية والألبسة والمحيكات، إضافة إلى فرص جديدة في الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة والصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه القاعدة واستقطاب استثمارات تكمل سلاسل القيمة المحلية، وتنقل التكنولوجيا، وتزيد المحتوى المحلي، وتستخدم الأردن قاعدة للإنتاج والتصدير إلى المنطقة والعالم.

اتفاقيات التجارة توسع نطاق الأسواق

وأشار الجغبير إلى أن الميزة الأساسية للأردن تتمثل في أن موقعه الجغرافي وشبكة اتفاقياته التجارية يمنحانه القدرة على خدمة نطاق واسع من الأسواق، وليس سوقاً أو إقليماً واحداً فقط.

فعلى المستوى الإقليمي، يقع الأردن في موقع يتوسط العراق ودول الخليج وبلاد الشام، ويتمتع بمنفذ بحري عبر العقبة، وبالتالي يستطيع الوصول براً وبحراً إلى أسواق المنطقة، كما يمكن أن يكون بوابة مهمة لمشاريع إعادة الإعمار والأسواق المحيطة متى تهيأت الظروف لذلك.

وعلى المستوى العالمي، تتضاعف قيمة الموقع الجغرافي من خلال شبكة اتفاقيات التجارة الحرة والتفضيلية التي ترتبط بها المملكة، وتشمل أسواقاً رئيسية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية وبريطانيا وكندا وسنغافورة وغيرها.

وأكد أن هذه القدرة ليست نظرية، إذ وصلت المنتجات الصناعية الأردنية إلى قرابة 150 سوقاً حول العالم، ما يعني أن المملكة تستطيع استهداف معظم الأسواق الرئيسية؛ بعضها من خلال القرب الجغرافي والربط البري، وبعضها عبر العقبة، وبعضها من خلال المزايا والاتفاقيات التجارية.

كما يمكن لفرص إعادة الإعمار أن تفتح مجالات واسعة أمام الصناعات الإنشائية والهندسية والكهربائية والغذائية والدوائية والكيماوية، إضافة إلى التخزين والتوزيع والتجميع والنقل والخدمات الهندسية واللوجستية.

بدوره، قال القادري إن المستثمر الذي يختار الأردن لا يستهدف السوق المحلية وحدها، وإنما يستطيع استخدام المملكة قاعدة إنتاجية للوصول إلى أسواق إقليمية وعالمية واسعة بشروط تفضيلية، لافتاً بصورة خاصة إلى السوق الأمريكية في ضوء اتفاقية التجارة الحرة والامتيازات التي تتمتع بها المنتجات الأردنية، إلى جانب الاتفاقيات مع الدول العربية والاتحاد الأوروبي وغيرها.

الاتفاقيات أداة مباشرة لجذب الاستثمار

وأكد الجغبير أن شبكة اتفاقيات التجارة الحرة والتفضيلية تمثل واحدة من أقوى المزايا الاستراتيجية التي يمتلكها الأردن لجذب الاستثمار الصناعي الموجه للتصدير، لأنها تجعل السوق المتاحة أمام المستثمر أكبر بكثير من حجم السوق المحلي.

وتبرز بصورة خاصة السوق الأمريكية، التي شكلت على مدى السنوات الماضية نموذجاً واضحاً لقدرة الاتفاقيات التجارية على بناء استثمارات وصناعات تصديرية في الأردن.

وقال إن هذه الميزة تكتسب أهمية إضافية في ضوء الاتفاق الأخير بين الأردن والولايات المتحدة بشأن التجارة المتبادلة، والذي جاء مكملاً لاتفاقية التجارة الحرة القائمة بين البلدين، ويهدف إلى تعزيز الترتيبات التجارية التفضيلية ومعالجة الحواجز الجمركية وغير الجمركية.

ويرى أن هذا التطور يمكن توظيفه بصورة مباشرة في استقطاب استثمارات جديدة تبحث عن قاعدة تصنيع قادرة على الوصول إلى واحدة من أكبر الأسواق العالمية، إلى جانب الاستفادة من اتفاقيات الأردن الأخرى.

وطالب بالانتقال من الترويج العام للاتفاقيات إلى استخدامها أداة مباشرة لجذب الاستثمار، من خلال تحديد المنتجات والقطاعات التي تتمتع بأفضلية في كل سوق، ثم استهداف المستثمرين القادرين على إنتاجها في المملكة، بما يقدم للمستثمر معادلة تجمع بين الموقع الاستراتيجي والأسواق المفتوحة وقاعدة صناعية قائمة يمكن البناء عليها.

العقبة بوابة للترانزيت والتجارة الإقليمية

وأكدت الناطقة الإعلامية باسم هيئة تنظيم النقل البري، الدكتورة عبلة الوشاح، أن الأردن يمتلك موقعاً جغرافياً واستراتيجياً مهماً يؤهله لتعزيز دوره كمركز إقليمي للنقل والترانزيت والتجارة وإعادة التصدير.

وأوضحت أن ميناء العقبة يكتسب أهمية خاصة في هذا الإطار، باعتباره بوابة رئيسية لحركة البضائع، بما فيها البضائع المتجهة إلى دول الجوار، ولا سيما العراق، إلى جانب البضائع التي يمكن أن تواصل طريقها باتجاه تركيا والأسواق الأوروبية وغيرها من الأسواق العالمية.

ة

المعابر حلقة رئيسية في انسيابية التجارة

وفيما يتعلق بالمعابر الحدودية، أكدت الوشاح وجود مستوى عالٍ من التنسيق بين الجهات المعنية لتسهيل حركة النقل البري عبر مختلف المعابر، ومن أبرزها مركز حدود جابر باتجاه سوريا، ومركز حدود العمري مع المملكة العربية السعودية، ومركز حدود الكرامة مع العراق.

وقالت إن الهيئة تولي أهمية كبيرة للمواصفات الفنية للشاحنات العاملة في قطاع النقل البري، إلى جانب الالتزام بالاتفاقيات المنظمة لعمليات النقل والعبور بين الأردن والدول المجاورة، والعمل على توفير مختلف سبل التنسيق والتعاون بما يسهم في تسهيل حركة الشاحنات وتعزيز انسيابية النقل عبر الحدود.

وأضافت أن النقل بالترانزيت وتجارة الترانزيت يشكلان محوراً مهماً ضمن أولويات الهيئة، بالتوازي مع اتفاقيات النقل البري الموقعة مع الدول العربية، مشيرة إلى أن القضايا والمستجدات المتعلقة بهذه الاتفاقيات تتم متابعتها من خلال اجتماعات اللجان الفنية المختصة التي تُعقد في جامعة الدول العربية في القاهرة.

وأشارت إلى أن احتضان الأردن مقر الاتحاد العربي للنقل البري يعزز مكانة المملكة ويدعم دورها في تطوير منظومة النقل البري على المستويين العربي والإقليمي، بما يسهم في تعزيز موقع الأردن كحلقة وصل رئيسية لحركة النقل والتجارة بين دول المنطقة.

جاهزية لوجستية تحتاج إلى استكمال حلقاتها

وقال الجغبير إن الأردن يمتلك قاعدة جيدة من البنية التحتية الصناعية واللوجستية يمكن البناء عليها، تشمل شبكة واسعة من المدن والمناطق الصناعية والتنموية المنتشرة في مختلف المحافظات، إلى جانب منظومة موانئ العقبة والمطارات وشبكة الطرق والمعابر الحدودية ومرافق التخزين والخدمات اللوجستية.

وأوضح أن العقبة تشكل عنصراً محورياً في هذه المنظومة باعتبارها البوابة البحرية للمملكة، فيما توفر المدن والمناطق الصناعية بنية أساسية مهمة لاستضافة استثمارات صناعية جديدة وتوسعة الاستثمارات القائمة.

لكن الأولوية، بحسب الجغبير، تتمثل في تعزيز الربط اللوجستي والتكامل بين هذه المكونات، بحيث ترتبط مراكز الإنتاج والمدن الصناعية بكفاءة أعلى مع ميناء العقبة والمطارات والمعابر والأسواق المحيطة، بما يخفض زمن وكلفة انتقال المواد الأولية والمنتجات ويرفع موثوقية سلاسل الإمداد.

ومن هنا تأتي أهمية مشاريع السكك الحديدية وتطوير النقل متعدد الوسائط وربط العقبة بمراكز الإنتاج والمدن الصناعية، إلى جانب تعزيز الربط الإقليمي مع دول الجوار، فيما تضع رؤية التحديث الاقتصادي ضمن أولويات الخدمات اللوجستية تعزيز روابط النقل الإقليمية وربط شمال المملكة بجنوبها بالسكك الحديدية وتطوير الموانئ والطرق.

ونبه إلى ضرورة مواصلة تطوير مناطق التخزين والتوزيع والخدمات اللوجستية، ورفع كفاءة المعابر، وتسريع إجراءات التخليص والرقمنة والربط الإلكتروني، مؤكداً أن الأولوية ليست إنشاء المنظومة من جديد، وإنما استكمالها ورفع مستوى الترابط والتكامل بينها وتحويل الموانئ والمدن الصناعية والطرق والسكك والمعابر إلى شبكة إنتاج وتصدير مترابطة.

وفي السياق ذاته، ركز القادري على المتطلبات الاستثمارية المكملة لهذه المنظومة، مشيراً إلى ضرورة توفير أراضٍ صناعية مخدومة، وتعزيز استقرار التشريعات وسرعة الإجراءات الاستثمارية، وتوفير العمالة الفنية والمهارات التي تتطلبها الصناعات الحديثة، بالتوازي مع توجيه جهود جذب الاستثمار نحو الصناعات التي تكمل سلاسل القيمة المحلية وتزيد المحتوى المحلي وتنقل التكنولوجيا.

تحديث أسطول الشاحنات وتأهيل السائقين

وبيّنت الوشاح أن من الجوانب التي تركز عليها الهيئة تدريب وتأهيل سائقي الشاحنات والعمل على منحهم الشهادات والمؤهلات المطلوبة وفق المعايير المعتمدة دولياً، بما يعزز قدرتهم على العمل والعبور إلى الدول المجاورة ومنها إلى أسواق أخرى حول العالم.

وأضافت أنه في إطار تطوير قطاع الشاحنات، تحظى عملية تحديث أسطول النقل البري وتجديد رؤوس القاطرات باهتمام خاص، إلى جانب الاستفادة من القرارات والحوافز الحكومية المتعلقة ببرامج الاستبدال التحفيزي، لما لذلك من أثر في رفع كفاءة الأسطول وتحسين مستوى الخدمات المقدمة في قطاع نقل البضائع.

وأكدت أن هيئة تنظيم النقل البري تعمل، بالتعاون مع جميع الجهات ذات العلاقة، على تطوير منظومة نقل بري أكثر كفاءة وتنافسية، وتسهيل حركة الشاحنات والتجارة عبر الحدود، وتعزيز موقع الأردن كمحور رئيسي للنقل والترانزيت في المنطقة.

كلف الطاقة والنقل أمام اختبار المنافسة

وقال الجغبير إن كلف بعض عناصر الإنتاج والنقل والخدمات اللوجستية، وفي مقدمتها الطاقة، لا تزال تمثل تحدياً أمام تنافسية عدد من الصناعات الأردنية، وخاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وبالتالي فإن تحسين هذه الكلف يمثل عنصراً رئيسياً في تعزيز جاذبية المملكة للصناعات الموجهة للتصدير.

وأشار إلى وجود مشاريع وتوجهات فعلية لمعالجة هذه التحديات، من أبرزها التوسع في إيصال الغاز الطبيعي إلى المدن والتجمعات الصناعية، بما يسهم في توفير بدائل للطاقة أقل كلفة وتحسين تنافسية المصانع، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.

كما أن هناك توجهاً نحو تقديم حوافز موجهة للاستثمار في عدد من المدن والمناطق الصناعية، تشمل عناصر مرتبطة بالأرض والطاقة والنقل والتصدير، فيما يتضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي مواصلة مشروعات الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي.

وفي الجانب اللوجستي، أكد ضرورة مواصلة العمل على خفض كلف النقل والشحن والتخزين وتسريع إجراءات التخليص ورفع كفاءة المعابر، لأن المستثمر الصناعي ينظر في النهاية إلى الكلفة الكلية لوصول المنتج من المصنع الأردني إلى السوق المستهدف.

وأكد أن هناك تحديات حقيقية في الكلفة، تقابلها مشاريع وسياسات لمعالجتها، والمطلوب تسريع تنفيذها وتوسيع أثرها لتنعكس بصورة ملموسة على كلف الإنتاج والتصدير.

السكك الحديدية مشروع اقتصادي وصناعي

وأكد الجغبير أن مشاريع السكك الحديدية تمثل أحد أهم الممكنات الاستراتيجية لاستكمال منظومة النقل متعدد الوسائط في الأردن، لأنها تعزز الربط بين الميناء ومراكز الإنتاج وتوفر وسيلة أكثر كفاءة لنقل المواد الأولية والمنتجات بكميات كبيرة.

وأشار إلى أن مشروع سكة حديد ميناء العقبة يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، إذ يتضمن إنشاء خط بطول نحو 360 كيلومتراً لربط مناطق إنتاج الفوسفات والبوتاس بميناء العقبة، بطاقة نقل متوقعة تقارب 16 مليون طن سنوياً.

وأوضح أن أهمية السكك لا تقتصر على خدمة قطاع التعدين، وإنما يمكن البناء عليها مستقبلاً ضمن شبكة أوسع تربط مراكز الإنتاج والمدن والمناطق الصناعية بالعقبة والمعابر، بما يخفف الضغط على شبكة الطرق ويخفض بعض كلف النقل ويرفع كفاءة وموثوقية سلاسل الإمداد.

كما أن تعزيز الربط الإقليمي يرفع القيمة الاستراتيجية لهذه المشاريع، إذ كلما أصبحت شبكة النقل الأردنية أكثر ارتباطاً بشبكات دول الجوار، زادت قدرة المملكة على أن تكون نقطة عبور وتصنيع وتوزيع تخدم أسواقاً أوسع، ما يستدعي النظر إلى السكك الحديدية باعتبارها مشروعاً اقتصادياً وصناعياً وتصديرياً واستراتيجياً وليس مشروع نقل فقط.

أثر اقتصادي يتجاوز زيادة الصادرات

وقال الجغبير إن العائد الاقتصادي سيكون كبيراً ومتعدد الأبعاد، خصوصاً إذا نجح الأردن في أن يكون مركزاً للتصنيع والتصدير وليس مجرد نقطة لعبور وإعادة تصدير السلع، لأن التصنيع يولد قيمة مضافة محلية أكبر ويخلق آثاراً مباشرة وغير مباشرة في قطاعات اقتصادية متعددة.

وبين أن في مقدمة هذه العوائد رفع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية وتوسيع الصادرات وخلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية والقيمة المضافة المحلية.

كما أن استقطاب مصانع واستثمارات جديدة وتوسيع الطاقات الإنتاجية للصناعات القائمة يعني زيادة الإنتاج والصادرات وتدفقات العملات الأجنبية، والمساهمة في تحسين الميزان التجاري وتعميق سلاسل القيمة المحلية ونقل المعرفة والتكنولوجيا.

وأكد أن الأثر لن يتوقف عند المصنع، بل سيمتد إلى النقل والتخزين والتعبئة والتغليف والصيانة والهندسة والتكنولوجيا والخدمات المالية والمهنية، ما يخلق أثراً اقتصادياً مضاعفاً يمتد إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني.

وبدوره، أكد القادري أن أهمية هذا التحول تكمن أيضاً في نوعية النشاط الاقتصادي الذي يمكن أن يولده، من خلال استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة أعلى وتنشيط الصناعات المغذية والخدمات اللوجستية، بما يعزز ارتباط الاستثمار الجديد بالاقتصاد المحلي بدلاً من اقتصاره على عمليات إنتاج منفصلة عنه.

زيادة الإنتاج واستقطاب استثمارات جديدة

وأكد الجغبير أن القاعدة الصناعية الحالية تمثل نقطة انطلاق لهذه الرؤية، لكنها ليست كافية وحدها للانتقال إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير، الأمر الذي يتطلب زيادة حجم الإنتاج والطاقة الإنتاجية واستقطاب استثمارات محلية وأجنبية جديدة.

وقال إن الأولوية يجب أن تكون للاستثمارات التي تكمل سلاسل القيمة القائمة، وتزيد المحتوى المحلي، وتنقل التكنولوجيا، وتدخل منتجات وصناعات جديدة تمتلك فرصاً واضحة في الأسواق الخارجية، وهو ما يتوافق أيضاً مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي في زيادة الاستثمار والتصنيع والصادرات.

وأكد أن القاعدة الصناعية الحالية تمثل نقطة قوة لجذب الاستثمار وليست بديلاً عنه، وكلما نجح الأردن في ربط الاستثمارات الجديدة بالصناعات المحلية القائمة تضاعفت القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.

ماذا يحتاج المستثمر الأجنبي؟

وقال الجغبير إن المستثمر الصناعي يقارن في النهاية بين الكلفة والعائد والمخاطر وسهولة الوصول إلى الأسواق، ولذلك فإن نجاح الأردن في جذب الصناعات الموجهة للتصدير يتطلب تقديم حزمة تنافسية متكاملة وليس حافزاً منفرداً.

وأوضح أن هذه الحزمة تشمل استقرار التشريعات ووضوحها، وسرعة الإجراءات، وتوفر الأراضي الصناعية المخدومة، والطاقة والنقل بكلف تنافسية، وكفاءة الخدمات اللوجستية، وتوفر العمالة والمهارات، والحوافز الاستثمارية المناسبة.

وفي المقابل، يمتلك الأردن مجموعة مهمة من نقاط القوة، تتمثل في الاستقرار والموقع الاستراتيجي والقاعدة الصناعية والكفاءات البشرية وشبكة الاتفاقيات التجارية، إلى جانب خبرة تصديرية أثبتت قدرة الصناعة الوطنية على الوصول إلى قرابة 150 سوقاً عالمياً.

وأضاف أن الاهتمام الملكي بجذب الاستثمارات وفتح الأسواق أمام المنتج الأردني يمنح هذا المسار زخماً إضافياً، مؤكداً أن المطلوب تقديم معادلة واضحة للمستثمر تمكنه من الإنتاج في الأردن بكفاءة والاستفادة من الممكنات والحوافز والاتفاقيات المتاحة والانطلاق من المملكة إلى أسواق المنطقة والعالم.

فرص العمل تمتد إلى الصناعة والتكنولوجيا والخدمات

وأكد الجغبير أن الأثر على التشغيل سيكون واسعاً، فالقطاع الصناعي يمثل بالفعل أحد أهم القطاعات المولدة لفرص العمل في المملكة، وتظهر بيانات الاستثمار الرسمية أن أكثر من 20% من القوى العاملة ترتبط بقطاع الصناعات عالية القيمة.

وأشار إلى أن التحول إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير سيزيد دائرة النشاط المرتبط بالصناعة، وبالتالي لن تكون الوظائف محصورة في النقل أو التخزين، وإنما ستنشأ داخل المصانع وفي الخدمات اللوجستية والتعبئة والتغليف والصيانة والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والمهنية والتجارة وإدارة سلاسل التوريد.

كما أن استقطاب صناعات أكثر تقدماً سيرفع الطلب على المهندسين والفنيين والمتخصصين في التكنولوجيا والبحث والتطوير والجودة والتجارة الدولية وإدارة سلاسل الإمداد، ما يعني تحسين نوعية فرص العمل وليس زيادة عددها فقط.

ولفت إلى أن ذلك يتقاطع بصورة مباشرة مع رؤية التحديث الاقتصادي التي تستهدف توفير أكثر من مليون فرصة اقتصادية حتى عام 2033، فيما تستهدف المرحلة الثانية رفع التشغيل في قطاع التصنيع من نحو 158 ألفاً وفق تقديرات 2024 إلى نحو 479 ألفاً بحلول عام 2033 وفق المنهجية المعتمدة في الرؤية.

رؤية التحديث الاقتصادي ترسم المسار حتى 2033

وقال الجغبير إنه يمكن النظر إلى رؤية التحديث الاقتصادي وإطارها الزمني الممتد حتى عام 2033 باعتبارها الإطار الأنسب لتحقيق هذا التحول، بدلاً من تحديد مدة زمنية منفصلة عن المسار الاقتصادي الوطني.

وأوضح أن الرؤية وضعت أصلاً هدف تطوير الأردن ليكون مركزاً للصناعة في المنطقة من خلال الصادرات والمنتجات ذات الجودة والقيمة المرتفعة، وربطت ذلك بتطوير الخدمات اللوجستية والنقل والطاقة والاستثمار وبيئة الأعمال.

كما أن المرحلة الثانية للرؤية 2026–2029 تستهدف البناء على ما تحقق في المرحلة الأولى، قبل الانتقال إلى المرحلة الثالثة 2030–2033، ما يوفر مساراً زمنياً واضحاً يمكن أن تتراكم خلاله نتائج المشاريع والإصلاحات.

وأشار إلى أن الأردن يمتلك بالفعل قاعدة صناعية وميناءً ومدناً ومناطق صناعية وتنموية واتفاقيات تجارية، بالتوازي مع مشاريع وتوجهات في السكك الحديدية والربط الإقليمي وتطوير منظومة العقبة وإيصال الغاز الطبيعي إلى المدن والتجمعات الصناعية وتطوير الخدمات اللوجستية والرقمنة والحوافز الاستثمارية.

وتضع المرحلة الثانية للرؤية مستهدفات طموحة لقطاع التصنيع، من بينها رفع صادراته إلى نحو 19.8 مليار دينار بحلول عام 2033 وفق المنهجية المعتمدة في وثيقة الرؤية، ورفع التشغيل إلى نحو 479 ألفاً.

وأكد الجغبير أن التحول سيكون تراكمياً عبر مراحل تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي حتى عام 2033، وأن العامل الحاسم ليس الزمن وحده، وإنما سرعة التنفيذ واستمرارية السياسات والتكامل بين الصناعة والنقل والطاقة والاستثمار والتجارة الخارجية، بحيث يتحول الموقع الاستراتيجي للأردن تدريجياً إلى ميزة إنتاجية وتصديرية ولوجستية مستدامة.

وفي هذا السياق، أكد القادري أن المعادلة الأساسية متوافرة لدى الأردن؛ قاعدة صناعية راسخة، وموقع استراتيجي، واتفاقيات وامتيازات تجارية مهمة، واهتمام وإرادة ملكية، ورؤية تحديث اقتصادي تضع الصناعة في صميم النمو المستقبلي.

وشدد على أن المرحلة المقبلة هي مرحلة تحويل هذه المزايا إلى قدرة تنافسية فعلية، من خلال استكمال البنية التحتية والخدمات والممكنات التي يحتاج إليها المستثمر والمنتج، بما يجعل المملكة أكثر قدرة على جذب الصناعات ذات القيمة العالية وربطها بالأسواق الخارجية.

وطالب الجغبير باستكمال تطوير الممكنات والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والاستثمارية وربطها ضمن منظومة واحدة، بما يحول المزايا التي يمتلكها الأردن إلى قدرة تنافسية متكاملة، تجعل المملكة وجهة أكثر جاذبية للاستثمار الصناعي وقاعدة للإنتاج والتصدير إلى المنطقة والعالم.