«المرأة والبحر فـي روايات حنّا مينة».. جدّية البحث والتقصي

«المرأة والبحر فـي روايات حنّا مينة».. جدّية البحث والتقصي

تاريخ النشر : الخميس 12:00 30-6-2005
No Image
«المرأة والبحر فـي روايات حنّا مينة».. جدّية البحث والتقصي

حكمت النوايسة  - إن من يقرأ أدب حنا مينة الروائي لواجد المرأة والبحر متلازمين بالإضافة إلى كونهما المفردتين المتكرّرتين كثيرا، وليس الجديد في هذه الدراسة التي بين أيدينا   هو التنبيه على هذا التلازم بين المرأة والبحر؛ لأن ذلك معروف لمن يقرأ رواية واحدة من  روايات حنا مينة، لكن الجديد في هذه الدراسة القيمة هو طريقة تناولها للموضوع، والجديّة في البحث والتقصّي الذي أفضى إلى هذا التناول، مما جعل الكتاب يخرج إلى النتائج التي أوحى بها، فالمرأة بحر والبحر امرأة في المحصّلة النهائيّة... كلاهما صاخب ودود وقاس ليّن، مروِّض ومروَّض، جميل وقبيح، وفيّ وغادر، رحب وضيق، كلاهما كان ميدانا لأبطال حنا مينة، أو بطل حنّا مينة المتكرّر، المرأة وجه البحر، والبحر وجه المرأة، لكن أي امرأة وأي بحر...
الهارب من المرأة إلى البحر هو نفسه الهارب من البحر إلى المرأة، فما عرف البحر وما عرف المرأة، لأنهما لو عرفا لانتهى وجودهما محرّكين روائيين، هكذا، نجد المرأة جنّة منشودة يشدّها إلى الأرض أسماء تندرج تحت ما يسمّى بالواقعيّة، وكذا البحر مجهول غامض بعيد تخدعنا في دخوله المراكب وحركة الصّيادين، والموانئ..
الرجل رجل إذا كانت هناك امرأة باليد ، أما إذا ابتعدت تلك المرأة، وحل محلّها طيف يلوّنه الرجل كيفما يشاء، فالرجل كاتب أو شاعر.....
والمرأة هنا في هذه الدراسة عالم عصي على التعيين، مثل البحر، ونستطيع أن نقول فلان عالم بالبحر أو عالم بالمرأة، جاهل بالبحر أو جاهل بالمرأة..
«وجده جاهلاً بالمرأة كما هو جاهل بالبحر» الدقل 183، لقد جاءت الدراسة التي بين أيدينا بمقدّمة وخمسة فصول، وقدّم لها الأستاذ الدكتور نبيل حدّاد حيث أشار إلى أن «ميزة موضوع  الكتاب أنه موضوع مركب بين محورين موضوعين اشتهر بهما أدب حنا مينة، و كان الواحد ( منفردا) من هذين المحورين: المرأة والبحر مجالا للعديد من الدراسات. لكنّنا هنا إزاء معطيات فكرية تنبثق عن علاقة جدليّة بين المحورين، التفت إليها بلال، وتفرّد في البناء عليها» ص 9.
أما مقدمة المؤلف، فقد تناول فيها مبرّرات القراءة التي يقدّماها الباحث وأهدافها النابعة من ملحظ البحر والمرأة في روايات حنا مينة، والدراسات  السابقة التي تناولت الموضوع، ثم منهجية الباحث في تناول الموضوع.
وكان محور الفصل الأول أدب حنا مينة في مقاربة عامة تناولت آراء النقاد في روايات حنا مينة، وتطور الأدب الروائي عنده بدءا من المصابيح الزرق الصادرة عام 1954 مرورا بالشراع والشمس والياطر وبقايا صور وحكاية بحار ونهاية رجل شجاع والمرفأ البعيد والدقل والرحيل عند الغروب وحارة الشحادين وحمامة زرقاء في السحب، وقد استند الباحث في مناقشته إلى الحوارات التي أجريت مع الروائي وما تمثله تلك الحوارات من وثيقة أدبية تجسّر بين النص الروائي والقارئ، وتضيء ما كان مستغلقا منه ؛ لأن في حياة الروائي من التنوع ما يجعله مؤهلا لمعرفة التفاصيل الروائية الدقيقة عن حياة الريف والأحياء الشعبية، وعمال الموانئ والبحارين... ومنها ينطلق الباحث إلى قراءة الجانب الواقعي في أدب حنا مينة ليصل إلى النتيجة التي يقر بها الروائي وهي أن الواقعية ليست مدرسة أدبية فحسب، بل هي أم المدارس الأدبية وحاضنتها جميعا ( 28 ) وعليه يرى الباحث  أن الواقعية مفتاح أساسي في الولوج في أدب حنا مينة ؛ لأنها القادرة على كشف جماليات هذا الأدب وأسراره، ويقر مع الباحثين الذين سبقوه بأن واقعية حنا مينة «تؤمن بالإنسان، وتشيد ببطولته وصبره وقوّته، وتنتصر للحق والخير، وتقدم رؤية صحيحة لصراع الإنسان مع مستغلّيه» ( 31) ليصل الباحث في مقاربته إلى المثلث الدلالي ـ الثيمي- الذي تكون في مساحته وحوله روايات حنا مينة، هذا المثلث الذي تمثّله المرأة والبحر والحساسية الاجتماعية الوطنية.
وإذا كانت الدراسات السابقة لهذه الدراسة قد تناولت بالتفصيل زوايا المثلث، إلا إنها لم تتناولها متلازمة، ولم تتناول العلاقة الجدلية بينها كما هو حال هذه الدراسة،وهذا هو الجديد فيها، إذ إنها تتناول البحر والمرأة متلازمين، والباحث في هذا الفصل يتناول ظهور المرأة في الرواية عند حنا مينة ليصل إلى تعدد النماذج الإنسانية للمرأة في رواياته، فهي الأم المكافحة حينا، والمومس الفاضلة حينا،والمرأة النورية حينا،ويصل الباحث إلى  نتيجة أن عدد النساء وحيز الواحدة منهن في الرواية يرتبط بمكان الرواية، إذ يقل عدد النساء في رواية الميناء والبحر، ويزيد في رواية الريف كما في رواية القطاف، وفي كل هذا الحضور، قليله وكثيره، كانت المرأة عند ه كائنا متعدّد الطبقات أكثر من الرجل، إنها كائن خفي باستمرار لأنها تحتضن التغيير أكثر من الرجل (45) وهي وحدها تصنع التقدم الاجتماعي، وحين تتعلم المرأة وتعمل ستصنع المعجزات ( 45).
وفي مناقشته البحر يرى أن وجود البحر في الأدب لم يكن مرتبطا بحنا مينة إذ إنه ورد في أشعار العرب القديمة، كما ورد في نثرهم، غير أنه لم يرد بالصورة التي كان عليها عند مينة، إذ إنه جاء عنده مكانا روائيا، ورمزا أسطوريا، وفلسفة حياة، ويرجع الباحث الحضور الطاغي للبحر عند حنا مينة إلى الظروف التي عاشها، فقد عايش البحر والميناء، وخبرهما قبل أن يكتب إذ إنه بدأ الكتابة في سن الأربعين، مما يبرّر سيطرة الماضي في رواياته، وينفذ الباحث إلى تأثير البحر في أدب حنا مينة / خلال تعبيره، فيجد الباحث في دراسة مسحية سيطرة اللون الأزرق على وصفه للأشياء «الدخان، البرتقال، والحمام، والخزف، والزجاجة، والمصابيح، والستارة والدهان، والورق، والحمار، والضفدع، والشيطان، والحفرة، والجسم، الشعر،والوجه، والعروق، والفم والفستان، والقميص والشروال..».
ويناقش الباحث الضلع الثالث في مثلث الثيمة عند حنا مينة وهو الحساسية الاجتماعية، ويرى الباحث ويؤكد ما تُعورف عليه، واتفق عليه النقاد من انحياز مينة للقيم الرجولية، وأن البطولة المطلقة في أعماله للرجل، وأن المرأة في أدبه أداة من أدوات الرجل البطل.
أما الفصل الثاني، فقد جعله الباحث لإثبات تلازم المرأة والبحر، وقد ناقش ذلك من نظر الروائي، فرأى أن البحر والمرأة معادل موضوعي لتحقيق الرجولة والبطولة التي هي محور أدب حنا مينة، أما وجهة نظر السارد فقد قرأ الباحث صورة المرأة في مقولات الرواة، والأبطال في أدب حنا مينة، ليصل إلى ما يوحي بأن البحر والمرأة وجهان لتحد واحد أما البحار ـ الرجل-، وإذا كانا وجهين لتحد واحد، فإنهما يمثلان نقيضين لا يلتقيان، إذ إن السفر في البحر حرمان من المرأة، مما يجعله في شوق دائم إلى اليابسة التي تعني له المرأة، ومغادرته البحر الذي يمثل له المرأة الصعبة، وقد أدار الباحث قراءته حول المناطق التي يلتقي فيها  البحر مع المرأة، فكلاهما يحملان سمة الغموض والسريّة، وصفة الحركية والاضطراب، ومعرفة المرأة هي معرفة البحر  كما أن الجهل بالمرأة هو الجهل بالبحر، والفشل في البحر هو الفشل مع المرأة، ويوحي هذا باتحاد المرأة بالبحر غير أن الباحث يرصد  اختلافات تجعل البحر بحرا والمرأة امرأةً، وإن اتفقا في الصفات التي هي مصدر الرغبة فيهما، «فالمرأة نبع الحنان ونبع القسوة، والبحر طاهر ونجس وصديق وعدو» ( 98).
أما الفصل الثالث فقد ناقش فيه الباحث المكان في أدب حنا مينة، معطيا البحر خصوصيّة في الدراسة كونه المكان والفضاء الأثير لدى الكاتب وانحيازه عاطفيا إليه جعله متخصّصا فيه، واجدا الحياة متجسّدةً فيه بكل معانيها ومتناقضاتها ( 112) وقد تلمّس الباحث المكان ـ البحر ـ بوصفه محكا للرجولة إثباتا أو نفيا، ومكانا للتأمل والتفكير والحوار مع الذات، ومعيارا للإنسانية، ومسرحا للتجارب ن ومدرسة، ومهربا ومعادلا موضوعيا يصب فيه الأبطال حالاتهم، وماضيا وذاكرة، وحافظا للأسرار.
وأما الفصل الرابع فقد أفرده الباحث لقراءة نماذج من المرأة المتلازمة مع البحر، وهي زوجة، وأم، وعشيقة، وعروس بحر، وحلم، وينفذ إلى أن المرأة تلازمت مع البحر زوجة وأما وعشيقة وعروس بحر، تداخل الزمن في وجودها ماضيا ومستقبلا، حيث يتجاذب المرأة زوجة وأما وعشيقة الزمن الماضي بما فيه من ذكريات، والحاضر بما فيه من أحداث، وتبقى عروس البحر منوطة بالمستقبل، والجديد، تلتقي كل هذه النساء مع البحر في ألفاظ ومعان يكرّرها حنا مينة كثيرا في أدبه عبر : تجارب، ومغامرات، وتحد، وشجاعة، سعيا إلى التغيير، والتجديد، واكتشاف المجهول حيث كان، والوصول إلى البعــــيد حيــــــــــــث يكون (180).
والفصل الخامس من الدراسة جعله الباحث لدراسة اللغة والأساليب السرديّة، إذ رأى الباحث أن لغة حنا مينة تمتاز بالوضوح، والجمل القصيرة المتسارعة، وكثرة التشبيهات والاستعارات، ودقّة الوصف، وجمال المعنى...
ومن التقنيات السردية التي يرصدها الباحث المناجاة، ويرى فيها تغييرا لرتابة السرد، وأداة للتعبير عن مكنونات الشخصيّة السردية،ويورد نماذج من هذه المناجاة ليصل إلى أن هذه التقنية تمثّلت في الغياب والحضور المتلازمين، غياب المرأة وحضور البحر، وغياب البحر وحضور المرأة، والتقنية الثانية التي يرصدها الباحث هي تقنية الوصف، ومن خلالها نستطيع أن نتلمّس الوظيفة التزيينيّة والوظيفة التفسيرية، وما يرافق ذلك من تهيئة لجوّ سردي، أو نقل لتغيّر درامي..
ويرصد الباحث تقنية الحوار التي نفذ الباحث من خلالها إلى تبادل البحر والمرأة المكانة المستعلية لدى الشخصيات الروائية عند مينة، ونقل الباحث حوارات كان موضوعها هذا الجدل القائم بين المرأة والبحر عند مينة.
ورصد الباحث في نهاية الفصل تناوب الضمائر وفسّره تفسيرا بين الجمالية والوصفية والوظيفية، وقد ظهر كأنه مقحم على الدراسة لأنه لم يتعمّق في تتبّعه عند حنّا مينة.
وبعد :  فالكتاب دراسة جادّة، وقيمة، غير أنها جاءت مشوبة بما يمكن أن يضفيه التزمت الأكاديمي في تتبع الظاهرة، ذلك التزمت الذي يدفع كثيرا من الباحثين إلى إيراد ما ليس له مبرر في الدراسة بغية إظهار الإحاطة والسيطرة على الموضوع. وكان يمكن الاستغناء عن الفصل الأول مثلاً لمصلحة تعميق التأمل في حضور المرأة ـ البحر في روايات حنا مينة،ومناقشة آراء الباحثين التي تناولت الموضوع نقدا، ودراسة تقنيات السرد بصورة أكثر تعمّقا تظهر علاقة الشكل بما أوحى به الباحث في قراءة علاقة التلازم. كما أن فصل إثبات التلازم قد جاء فائضا على الدراسة، لأن التلازم لا يحتاج إلى فصل لإثباته.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }