تبدأ أهمية هذا السؤال من التحولات الاقتصادية التي يشهدها الأردن، ومن الحاجة إلى خلق فرص عمل جديدة، وتحفيز الاستثمار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليص الفجوات التنموية بين المناطق؛ إذ لم يعد ممكناً النظر إلى المحافظات باعتبارها أطرافاً تنتظر وصول المشاريع إليها من المركز، بل ينبغي التعامل معها باعتبارها مساحات اقتصادية تمتلك موارد وميزات وقدرات يمكن أن تشكل جزءاً أساسياً من النمو الوطني.
الأردن ليس عمان هذه ليست عبارة جغرافية، بقدر ما هي توصيف لمسألة اقتصادية وتنموية تستحق إعادة التفكير؛ فإربد والمفرق والزرقاء والسلط ومادبا والكرك والطفيلة ومعان والعقبة، كما البوادي والقرى والمخيمات، ليست مجرد وحدات إدارية على خريطة المملكة، وإنما مجتمعات تمتلك رأس مال بشرياً وموارد وفرصاً وميزات تنافسية مختلفة، لكن الفارق الحقيقي يبقى في قدرتنا على تحويل هذه الإمكانات إلى نشاط اقتصادي مستدام.
وهنا تظهر واحدة من أهم الإشكاليات التي تواجه التنمية المحلية؛ فوجود الموارد وحده لا يكفي، كما أن الإعلان عن المشاريع لا يعني بالضرورة تحقق التنمية، لأن المعيار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية ليس عدد المبادرات التي أطلقت، وإنما قدرتها على خلق الوظائف، وتحريك الأسواق المحلية، واستقطاب الاستثمارات، وتحسين حياة الناس في المناطق التي تستهدفها.
ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث عن العدالة بين المحافظات أكثر تعقيداً من مجرد توزيع المخصصات المالية بالتساوي؛ فالعدالة التنموية لا تعني أن تحصل كل محافظة على العدد نفسه من المشاريع، بل أن تحصل كل محافظة على الفرصة التي تمكنها من استثمار ميزاتها الخاصة.
هناك محافظات تمتلك إمكانات زراعية كبيرة، وأخرى تتمتع بفرص سياحية، وثالثة ترتبط بالتعدين والصناعات التحويلية، فيما تمتلك مناطق أخرى موقعاً جغرافياً يمكن أن يجعلها مراكز لوجستية أو صناعية أو تجارية، وبالتالي فإن المطلوب ليس نموذجاً اقتصادياً واحداً يطبق في كل مكان، وإنما خريطة وطنية تحدد الهوية الاقتصادية لكل محافظة وتبني عليها.
وتقودنا هذه الفكرة إلى جوهر مفهوم الإدارة المحلية؛ إذ لا ينبغي اختزالها في انتخابات أو مجالس أو نقل بعض المعاملات من وزارة إلى مؤسسة محلية، لأن القيمة الحقيقية للإدارة المحلية تظهر عندما تصبح المجتمعات المحلية شريكاً فعلياً في تحديد أولوياتها الاقتصادية والتنموية.
فاللامركزية الإدارية، إذا لم تترافق مع قدرة محلية على المبادرة الاقتصادية، تبقى محدودة الأثر.
ومن هنا يجب أن يكون السؤال: ما الأدوات التي نمنحها للبلديات ومجالس المحافظات حتى تستطيع جذب الاستثمار، وتطوير المشاريع، واستثمار الأصول المحلية، وبناء الشراكات مع القطاع الخاص؟
وكيف يمكن، في المقابل، بناء منظومة رقابة ومساءلة تضمن أن توسيع الصلاحيات يرافقه توسيع للمسؤولية والكفاءة؟
هذه الأسئلة ليست إدارية فقط؛ لأنها ترتبط مباشرة بمشكلة أكثر وضوحاً في حياة الناس، وهي حركة الشباب من المحافظات نحو العاصمة بحثاً عن الوظيفة والخدمة والفرصة.
فالشاب لا يغادر مدينته بالضرورة لأنه يريد مغادرتها، وإنما لأن الخيارات المتاحة أمامه قد تكون أضيق مما هي عليه في المركز، وعندما تصبح العاصمة المكان الطبيعي للحصول على العمل الأفضل أو الخدمة النوعية أو فرصة الاستثمار، فإننا نكون أمام خلل تنموي يتجاوز مسألة توزيع المشاريع إلى مسألة توزيع الفرص نفسها.
ولهذا فإن نجاح أي مسار للتحديث الاقتصادي لا ينبغي قياسه بالمؤشرات الوطنية العامة فقط، بل بقدرته على تغيير الواقع الاقتصادي في المحافظات.
فارتفاع حجم الاستثمار على مستوى المملكة مهم، لكن الأهم أن نعرف أين يذهب هذا الاستثمار.
وانخفاض البطالة على المستوى الوطني هدف ضروري، لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل يشعر الشاب في معان والطفيلة والكرك والمفرق وإربد أن فرصته في العمل أصبحت أقرب إليه؟
كما أن تعزيز دور القطاع الخاص في المحافظات يحتاج إلى بيئة مختلفة في التفكير؛ فالاستثمار لا يتحرك بالنيات أو الشعارات، وإنما يبحث عن بنية تحتية، وإجراءات واضحة، ونقل فعال، وطاقة مستقرة، وعمالة مؤهلة، وقرار إداري سريع وقابل للتنبؤ.
ومن هنا فإن جذب الاستثمار إلى المحافظات ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، بل يحتاج إلى سياسة وطنية تربط بين التخطيط المحلي والاستثمار والنقل والتعليم والتدريب والبنية التحتية.
والأردن، بحكم حجمه الجغرافي وترابط محافظاته، يمتلك ميزة يمكن البناء عليها؛ فالمسافات ليست كبيرة، والمناطق الاقتصادية يمكن أن تتكامل بدلاً من أن تتنافس، وإذا استطعنا ربط المدن بشبكات نقل حديثة وبنية لوجستية قوية، فإن كل محافظة يمكن أن تتحول من سوق محلية صغيرة إلى جزء من منظومة اقتصادية وطنية أوسع.
ولذلك قد يكون الوقت مناسباً للانتقال من مفهوم "تنمية المحافظات" إلى مفهوم أكثر تقدماً هو "التنمية التي تقودها المحافظات".
فالفرق بين المفهومين ليس لغوياً؛ في الأول يبقى القرار والمشروع والمبادرة قادماً من المركز، أما في الثاني فإن المحافظة تصبح قادرة على تحديد أولوياتها، واقتراح مشاريعها، واستثمار مواردها، وبناء شراكاتها، ضمن رؤية وطنية واحدة.
وهذا التحول، إن تحقق، لن يكون مكسباً للمحافظات وحدها، بل للاقتصاد الأردني كله؛ لأن الاقتصادات القوية لا تقوم على مركز واحد يتركز فيه معظم النشاط، وإنما على شبكة من المدن والمناطق التي تمتلك أدواراً اقتصادية متكاملة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحكم سياساتنا خلال السنوات المقبلة بسيطاً في صياغته وعميقاً في دلالته: كيف نجعل فرصة المواطن في مدينته أقرب إلى الفرصة المتاحة له في العاصمة؟
فعندما يصبح العمل والاستثمار والخدمة النوعية متاحة في المحافظات بقدر أكبر من العدالة والتوازن، عندها فقط نكون قد اقتربنا من نموذج تنموي لا ينظر إلى الأطراف باعتبارها عبئاً على المركز، بل باعتبارها جزءاً من قوته.