حظيتُ خلال الفترة الماضية بفرصة الاطلاع عن قرب على أنشطة عدد من مؤسسات المجتمع المدنيّ الأميركي، فاستوقفتني هذه التجربة، وأثارت في ذهني تساؤلات متعددة حول الأسس التي تقوم عليها فعالية هذه المؤسسات ومكانتها وثقة المجتمع بها. ومن خلال ما لمسته، يمكن تلخيص أبرز هذه الأسس في خمس ركائز رئيسة على الأقل:
أدركتُ من خلال هذه التجربة أنّ جوهر عمل المجتمع المدني يتمثل في صون كرامة الإنسان، وتعزيز حريته، وترسيخ أسس العيش المشترك، وهي مبادئ تشكل الأساس الذي تتفرع عنه سائر القيم المرتبطة بالمصلحة العامة والمبادئ التأسيسيّة، بما فيها المساواة، وحرية التعبير، والتضامن، والحقوق والواجبات. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر دور المجتمع المدني على الدفاع عن الحقوق أو تقديم الخدمات، بل يتمثل جوهره في إعادة بناء الصلة بين حرية الفرد ومسؤوليته تجاه الآخرين، وتحويل القيم إلى ممارسة جماعية تعزز الثقة والتضامن والمصلحة العامة.
وانطلاقاً من هذا الأساس، فإنّ فعالية المجتمع المدني لا تتمثّل بقدرته على منافسة الدولة أو الحلول محلها أو تسييس عمله بمفهوم السلطة والنفوذ، وإنما في قدرته على جعل الإنسان محورًا لعمله، وتحويل المواطن من مجرد متلقٍ لقرارات المؤسسات إلى شريك في مراقبتها وتقييمها وتطويرها، بما يجعل الثقة المتبادلة والمسؤولية المشتركة أساسًا للعلاقة بين الدولة والإنسان.
أما الأساس الثاني، فهو انطلاق المجتمع المدني من سؤال رئيس: «ماذا يعني عمل المؤسسة بالنسبة للإنسان؟ هو يمثّل 'عين المجتمع' على مؤسسات الدولة، ويؤدي دور الوسيط بين المواطن والمؤسسة؛ فلا يقف بين الدولة والمواطن كحاجز، وإنما يعمل جسرًا بينهما.ومن خلال هذا الدور، يفتح المجال أمام الحوار العام، وينقل احتياجات الناس وتطلعاتهم إلى الدولة، وفي المقابل يساهم في تعريف المجتمع بكيفية عمل المؤسسات وفهم أدوارها، بما يعزز التواصل والثقة المتبادلة بين الطرفين.
ويكمن الأساس الثالث في فلسفة الاستقلالية في العمل؛ فالاستقلالية لا تعني القطيعة مع مؤسسات الدولة، كما أن التعاون وتكامل الأدوار لا يعنيان التبعية لها. وإنما تقوم العلاقة السليمة على استقلال المجتمع المدني في رؤيته ومواقفه، مع انفتاحه على مؤسسات الدولة وتعاونه معها، بما يحقق المصلحة العامة. وفي جوهر هذه الفلسفة، تظل غاية المجتمع المدني جعل الفرد محورًا للنظام الديمقراطي، وصون حقوقه وتمكينه من المشاركة والتأثير في الشأن العام.
ويتمثل الأساس الرابع في الإيمان بأن خدمة المصلحة العامة وتعزيز سيادة القانون لا يقتصران على الرقابة على مؤسسات الدولة؛ فالمجتمع المدني يؤدي أدوارًا متعددة في خدمة الإنسان والمجتمع، من خلال تقديم المساعدة القانونية، والتوعية والتدريب، وحماية الحقوق، وتعزيز الوصول إلى العدالة الاجتماعيّة، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون. وبذلك لا تقتصر قيمته على مساءلة المؤسسات، وإنما تمتد إلى تقديم حلول وخدمات تسهم بصورة مباشرة في تحسين حياة الأفراد وتعزيز حقوقهم.
أمّا الأساس الأخير في التعددية والتنوع والمشاركة الطوعية، وهي عناصر تعكس بنية المجتمع المدني القائم على تعدد المؤسسات والمصالح والأفكار، وعلى المشاركة الطوعية في الشأن العام. ولا يمثل هذا التنوع مصدر تشتت، بل مصدر قوة، لأنه يتيح تعدد الأصوات ويعزز قدرة المجتمع المدني على التعبير عن احتياجات مختلف الفئات، وبناء علاقة أكثر توازنًا بين الفرد والمجتمع والدولة. كما تسهم المشاركة الطوعية في مقاومة تنامي الفردانية على حساب الصلة الاجتماعية، من خلال توفير فضاءات للتفاعل والتعاون والعمل الجماعي، بما يعزز التضامن والمسؤولية الاجتماعية ويعيد وصل الفرد بمحيطه المجتمعي، خصوصاً في ظل تحولات أنماط التواصل بالعالم الافتراضي التقنيّ اليوم.
بهذه الأسس مجتمعةً، يخلق المجتمع المدني مساحة حيوية تتفاعل فيها الدولة مع الإنسان، وبهذه المساحة يتجاوز دور المجتمع المدني نقل احتياجات الناس ومراقبة المؤسسات ومساءلتها، بل يمتد إلى صون القيم التي يقوم عليها المجتمع، وحمايتها من التراجع، وتحويلها من مبادئ مجردة إلى ممارسات يوميّة.وبذلك يسهم المجتمع المدني في بناء الثقة، وتعزيز المشاركة والمسؤولية، وترسيخ التضامن والمصلحة العامة، والحفاظ على الصلة بين حرية الفرد ومسؤوليته تجاه المجتمع.
أدركتُ من خلال هذه التجربة أنّ جوهر عمل المجتمع المدني يتمثل في صون كرامة الإنسان، وتعزيز حريته، وترسيخ أسس العيش المشترك، وهي مبادئ تشكل الأساس الذي تتفرع عنه سائر القيم المرتبطة بالمصلحة العامة والمبادئ التأسيسيّة، بما فيها المساواة، وحرية التعبير، والتضامن، والحقوق والواجبات. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر دور المجتمع المدني على الدفاع عن الحقوق أو تقديم الخدمات، بل يتمثل جوهره في إعادة بناء الصلة بين حرية الفرد ومسؤوليته تجاه الآخرين، وتحويل القيم إلى ممارسة جماعية تعزز الثقة والتضامن والمصلحة العامة.
وانطلاقاً من هذا الأساس، فإنّ فعالية المجتمع المدني لا تتمثّل بقدرته على منافسة الدولة أو الحلول محلها أو تسييس عمله بمفهوم السلطة والنفوذ، وإنما في قدرته على جعل الإنسان محورًا لعمله، وتحويل المواطن من مجرد متلقٍ لقرارات المؤسسات إلى شريك في مراقبتها وتقييمها وتطويرها، بما يجعل الثقة المتبادلة والمسؤولية المشتركة أساسًا للعلاقة بين الدولة والإنسان.
أما الأساس الثاني، فهو انطلاق المجتمع المدني من سؤال رئيس: «ماذا يعني عمل المؤسسة بالنسبة للإنسان؟ هو يمثّل 'عين المجتمع' على مؤسسات الدولة، ويؤدي دور الوسيط بين المواطن والمؤسسة؛ فلا يقف بين الدولة والمواطن كحاجز، وإنما يعمل جسرًا بينهما.ومن خلال هذا الدور، يفتح المجال أمام الحوار العام، وينقل احتياجات الناس وتطلعاتهم إلى الدولة، وفي المقابل يساهم في تعريف المجتمع بكيفية عمل المؤسسات وفهم أدوارها، بما يعزز التواصل والثقة المتبادلة بين الطرفين.
ويكمن الأساس الثالث في فلسفة الاستقلالية في العمل؛ فالاستقلالية لا تعني القطيعة مع مؤسسات الدولة، كما أن التعاون وتكامل الأدوار لا يعنيان التبعية لها. وإنما تقوم العلاقة السليمة على استقلال المجتمع المدني في رؤيته ومواقفه، مع انفتاحه على مؤسسات الدولة وتعاونه معها، بما يحقق المصلحة العامة. وفي جوهر هذه الفلسفة، تظل غاية المجتمع المدني جعل الفرد محورًا للنظام الديمقراطي، وصون حقوقه وتمكينه من المشاركة والتأثير في الشأن العام.
ويتمثل الأساس الرابع في الإيمان بأن خدمة المصلحة العامة وتعزيز سيادة القانون لا يقتصران على الرقابة على مؤسسات الدولة؛ فالمجتمع المدني يؤدي أدوارًا متعددة في خدمة الإنسان والمجتمع، من خلال تقديم المساعدة القانونية، والتوعية والتدريب، وحماية الحقوق، وتعزيز الوصول إلى العدالة الاجتماعيّة، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون. وبذلك لا تقتصر قيمته على مساءلة المؤسسات، وإنما تمتد إلى تقديم حلول وخدمات تسهم بصورة مباشرة في تحسين حياة الأفراد وتعزيز حقوقهم.
أمّا الأساس الأخير في التعددية والتنوع والمشاركة الطوعية، وهي عناصر تعكس بنية المجتمع المدني القائم على تعدد المؤسسات والمصالح والأفكار، وعلى المشاركة الطوعية في الشأن العام. ولا يمثل هذا التنوع مصدر تشتت، بل مصدر قوة، لأنه يتيح تعدد الأصوات ويعزز قدرة المجتمع المدني على التعبير عن احتياجات مختلف الفئات، وبناء علاقة أكثر توازنًا بين الفرد والمجتمع والدولة. كما تسهم المشاركة الطوعية في مقاومة تنامي الفردانية على حساب الصلة الاجتماعية، من خلال توفير فضاءات للتفاعل والتعاون والعمل الجماعي، بما يعزز التضامن والمسؤولية الاجتماعية ويعيد وصل الفرد بمحيطه المجتمعي، خصوصاً في ظل تحولات أنماط التواصل بالعالم الافتراضي التقنيّ اليوم.
بهذه الأسس مجتمعةً، يخلق المجتمع المدني مساحة حيوية تتفاعل فيها الدولة مع الإنسان، وبهذه المساحة يتجاوز دور المجتمع المدني نقل احتياجات الناس ومراقبة المؤسسات ومساءلتها، بل يمتد إلى صون القيم التي يقوم عليها المجتمع، وحمايتها من التراجع، وتحويلها من مبادئ مجردة إلى ممارسات يوميّة.وبذلك يسهم المجتمع المدني في بناء الثقة، وتعزيز المشاركة والمسؤولية، وترسيخ التضامن والمصلحة العامة، والحفاظ على الصلة بين حرية الفرد ومسؤوليته تجاه المجتمع.