كتاب

الأردن والصين.. شراكة استراتيجية تدخل مرحلة جديدة

تكشف المقابلة التي أجراها جلالة الملك عبدالله الثاني مع وكالة الأنباء الرسمية الصينية 'شينخوا' عن رؤية أردنية متكاملة لشراكة استراتيجية مع الصين تتجه نحو آفاق أوسع في الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والتعليم، بالتوازي مع توسيع التنسيق السياسي حيال قضايا الإقليم والتحولات في النظام الدولي. وجاءت المقابلة بالتزامن مع زيارة جلالة الملك إلى الصين، وفي محطة مهمة تسبق احتفال البلدين عام 2027 بمرور خمسين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية، لتقدم قراءة شاملة لمسار العلاقة وآفاقها، من التعاون الثنائي والاقتصادي والتنموي إلى القضية الفلسطينية ودور الصين في دعم السلام والاستقرار الدوليين وتعزيز التعاون الصيني العربي، بما يؤسس لمرحلة جديدة تستند إلى ما تراكم من ثقة ومصالح مشتركة وتفتح المجال أمام شراكة أكثر تأثيراً واتساعاً.
الرسالة الأساسية في حديث جلالة الملك أن العلاقة بين عمان وبكين تمتلك قاعدة متينة من الثقة والتعاون، وأن السنوات الماضية أسست لشراكة امتدت إلى التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية والتبادل الثقافي والطاقة والتعدين، وقد أشار جلالته إلى الاستثمارات الصينية في الطاقة والتعدين، وإلى استحواذ المؤسسة الصينية للتنمية والاستثمار على حصة تبلغ 28% من شركة البوتاس العربية بقيمة 502 مليون دولار، بما يعكس طبيعة الحضور الاقتصادي الصيني في الأردن وأهميته.
وتبرز أهمية هذه العلاقة في المرحلة المقبلة من خلال قدرتها على دعم مسار التحديث الاقتصادي الأردني، خصوصاً أن جلالة الملك قدم الأردن باعتباره بيئة مناسبة للاستثمارات الصناعية الصينية، مستنداً إلى الموقع الاستراتيجي للمملكة، والقوى العاملة الماهرة، وبيئة الأعمال المستقرة، وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة، وهذه العناصر تضع الشراكة أمام فرصة للانتقال إلى مستوى أكثر ارتباطاً بالإنتاج والتصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا والمعرفة، بما يعزز قدرة الاقتصاد الأردني على استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة ويفتح مجالات جديدة أمام فرص العمل.
ويكتسب التعاون في الطاقة الخضراء والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أهمية خاصة، حيث أكد جلالة الملك أن الأردن يمضي في رقمنة الخدمات الحكومية ودمج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، فيما عرض تطور قطاع الطاقة المتجددة الذي ارتفعت حصته إلى نحو 27%، مع هدف الوصول إلى 40% بحلول عام 2035، إلى جانب مشاريع للتوليد والتخزين توفر فرصاً استثمارية تتجاوز قيمتها مليار دولار. وهذه المجالات تمثل أرضية عملية لتوسيع التعاون مع الصين في التكنولوجيا والطاقة والابتكار.
كما تحمل السياحة بعداً مهماً في هذه الشراكة، في ظل اهتمام الأردن بتعزيز الربط الجوي مع الصين، وتنويع الأسواق السياحية، وزيادة مدة إقامة الزوار، إلى جانب التعاون في صناعة الأفلام والتصوير السينمائي، وهي مجالات تجمع بين العائد الاقتصادي والتقارب الثقافي، وتمنح العلاقات بين البلدين بعداً شعبياً يساند العلاقات الرسمية ويعمق معرفة الشعبين بالآخر.
وفي البعد السياسي، حمل حديث جلالة الملك تأكيداً على أهمية الدور الصيني في دعم السلام والاستقرار الدوليين، وعلى ضرورة توظيف مكانة الصين الدولية للمساهمة في الدفع نحو حل الدولتين، وقدم جلالته القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المحورية في المنطقة، محذراً من استمرار موجات العنف ما دامت أسباب الصراع قائمة، ومؤكداً موقف الأردن الداعم لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع استمرار الجهود الأردنية الإنسانية في غزة.
وتتصل هذه الرؤية بالتحولات في النظام الدولي، حيث أكد جلالة الملك أهمية تنامي دور دول الجنوب العالمي، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف واحترام القانون الدولي، مشيراً إلى مكانة الصين كقوة مؤثرة وعضو دائم في مجلس الأمن، وإلى نمو العلاقات الصينية العربية على قاعدة المصالح المشتركة والتنمية والتعاون المثمر.
في المحصلة، تقدم مقابلة جلالة الملك رؤية متكاملة لعلاقة تتجه نحو مرحلة أكثر عمقاً، يكون فيها الاقتصاد محركاً رئيسياً للتعاون، وتكون التكنولوجيا والطاقة والاستثمار والسياحة أدوات عملية لتعزيز الشراكة، فيما يشكل التنسيق السياسي مساحة مهمة لدعم الاستقرار والسلام، ومع اقتراب الذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية، تبدو عمان وبكين أمام فرصة لترجمة الرصيد المتراكم من الثقة إلى مشاريع وشراكات أكثر تأثيراً، بما يخدم المصالح الأردنية والصينية ويعزز حضور الأردن كشريك موثوق في شبكة التعاون الإقليمي والدولي.