ثقافة وفنون

«الجغرافيا التوراتية».. نقاش في علاقة الرواية بالدليل التاريخي

استهل بيت الكاتب سليم النجار، في سلسلة لقاءات 'الأحد الثقافي'بنقاش حول «الجغرافيا التوراتية»شارك فيه د.زهير توفيق والروائيون سعيد الصالحي ومحمد سرسك والروائي والناقد أسيد الحوتري والروائي والصحفي جهاد الرنتيسي، وأدار اللقاء الشاعر رامي ياسين.
وانفتح النقاش على أسئلة تتصل بالمرويات التوراتية وعلاقتها بالجغرافيا والتاريخ،وحدود التعامل معها بوصفها مصدرًا تاريخيًا إلى جانب ما أفرزته الدراسات التاريخية والأثرية الحديثة من نقاش حول عدد من الفرضيات المتعلقة بتاريخ المنطقة القديم.
وفي تقديمه للموضوع أشار ياسين إلى أن البحث في 'الجغرافيا التوراتية'يقود إلى سؤال أساسي يتعلق بطبيعة المرويات الواردة في النصوص القديمة وكيفية قراءتها تاريخيًا، لافتًا إلى تعدد المقاربات العربية لهذا الموضوع، ومن بينها المقاربات اللغوية التي تستند إلى مقارنة أسماء الأماكن والمفردات والجذور اللغوية الواردة في النصوص القديمة بأسماء مواقع جغرافية قائمة.
ورأى أن هذه المقاربة تطرح إشكالات منهجية خصوصًا عندما تتحول المطابقة بين الأسماء إلى افتراض مسبق بشأن الموقع التاريخي،في حين تنطلق المقاربة الأثرية من المعطيات المادية التي توفرها الحفريات والمسوحات واللقى والنقوش وطبقات الاستيطان،ثم تقارن هذه المعطيات بالروايات التاريخية المختلفة.
وتوقف النجار عند مصطلح 'الجغرافيا التوراتية'وما يحيط به من إشكالات مشيرًا إلى أن تحديد المواقع الواردة في المرويات القديمة لا يزال موضع نقاش بين الباحثين وأن التشابه في أسماء الأماكن لا يكفي بمفرده لإثبات تطابق المواقع أو القول بانتمائها إلى جغرافيا واحدة.
أما سرسك فتناول تشكل الروايات التاريخية عبر مراحل زمنية متباعدة وما ارتبط بها لاحقًا من قراءات وتوظيفات سياسية داعيًا إلى النظر في العلاقة بين المرويات الدينية والاستخدامات السياسية التي نشأت حولها في الأزمنة الحديثة،مع وضع كل منها في سياقها التاريخي.
وتناول الحوتري أسماء الأماكن من زاوية حركتها وتحولاتها عبر التاريخ،في ضوء الهجرات البشرية وتبدل خرائط الاستيطان،مستعرضًا نماذج من تجارب تاريخية مختلفة.
كما توقف عند إسهامات المفكر إدوارد سعيد في نقد الخطاب الاستشراقي والثقافة الاستعمارية ولا سيما في كتابه 'الاستشراق'، وما أثارته هذه المقاربات من مراجعات لعدد من المسلمات المرتبطة بقراءة التاريخ والجغرافيا والمرويات التوراتية.
من جهته رأى الرنتيسي أن النقاش حول 'الجغرافيا التوراتية'، لا ينفصل عن أسئلة سياسية وفكرية ما تزال حاضرة في النقاش المعاصر مشددًا على ضرورة توسيع البحث العربي في التاريخ والوثائق والمصادر وعدم الاكتفاء بالمراجع التي كُتبت من زاوية واحدة، إلى جانب بناء مقاربة معرفية ونقدية مستقلة.
وأكد الصالحي أهمية امتلاك خطاب عربي قادر على مخاطبة الآخر باللغة العلمية والمعرفية بعيدًا عن الانفعال أو التعامل مع القضايا التاريخية انطلاقًا من مواقف مسبقة مشيرًا إلى ضرورة توسيع دائرة البحث في المصادر والوثائق والدراسات التي تتصل بتاريخ المنطقة.
وتوقف توفيق عند مسألة الوثيقة ودورها في كتابة التاريخ داعيًا إلى تعزيز حضور البحث الوثائقي في الثقافة العربية وإخضاع المرويات القديمة لمناهج النقد والمقارنة والتحقق بدل التعامل معها بوصفها مصادر تاريخية مكتملة بذاتها.
كما تطرق إلى التاريخ الفلسطيني الحديث وما شهده القرن العشرون من تحولات وتهجير وعنف مؤكدًا أهمية الوثائق والشهادات والتاريخ الاجتماعي في قراءة هذه المرحلة وتوثيقها.
وفي ختام اللقاء طرح ياسين عددًا من الأسئلة حول إمكانات مواصلة البحث في هذا الموضوع ليتفق المشاركون على أهمية العودة إلى الوثائق والمصادر والمرويات المختلفة، ومواصلة فحصها بأدوات نقدية وتاريخية بما يفتح المجال أمام قراءة أكثر دقة لتاريخ المنطقة بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الرواية الأحادية.