تتجه الأنظار إلى زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين باعتبارها محطة مهمة في مسار الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية، وفرصة لتعزيز الشراكة مع واحدة من أكبر الاقتصادات والأسواق العالمية، بما يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات نوعية، وتوسيع الصادرات الأردنية، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وبناء شراكات إنتاجية قادرة على إحداث أثر مباشر في الصناعة والتشغيل والنمو الاقتصادي.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل ما يمتلكه الأردن من مقومات يمكن توظيفها لجذب الشركات الصينية، وفي مقدمتها الاستقرار والموقع الجغرافي الذي يتيح الوصول إلى أسواق المنطقة، وشبكة الاتفاقيات التجارية، إلى جانب التطورات والإصلاحات التي شهدتها البيئة الاستثمارية. ويبرز هنا توجه يمكن أن يجعل المملكة منصة للإنتاج والتصدير أمام الشركات الصينية، بدلاً من اقتصار العلاقة على استيراد المنتجات الصينية.
ويؤكد عضو مجلس إدارة غرفة صناعة عمان المهندس موسى الساكت أن زيارة جلالة الملك إلى الصين يجب أن تُقرأ باعتبارها فرصة اقتصادية واستثمارية، لافتاً إلى أن الحضور الملكي المباشر يفتح الأبواب أمام القطاع الخاص الأردني، ويوجه رسالة واضحة للمستثمر الصيني بأن الأردن ينظر إلى الصين كشريك استراتيجي في التنمية الصناعية والاستثمارية.
ويشير الساكت إلى أن الأردن قادر على جذب الشركات الصينية للاستثمار في صناعات تستهدف السوقين المحلي والإقليمي، خصوصاً في الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والأسمدة، إلى جانب التعدين والطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بسلاسل التوريد واللوجستيات والتكنولوجيا.
ويلفت إلى وجود نماذج عملية يمكن البناء عليها، ومنها شركة «جينشينج» الصينية التي افتتحت في القطرانة ستة مصانع ضمن مجمع صناعي، مع خطط للتوسع وخلق آلاف فرص العمل، معتبراً أن هذا النموذج يؤكد أن الاستثمار الصناعي الصيني في الأردن ليس فكرة نظرية، وإنما مسار قائم يمكن تطويره وتوسيعه.
ويرى الساكت أن المرحلة التي تلي الزيارة يجب أن تركز على الانتقال من التفاهمات إلى المشاريع، من خلال متابعة حكومية وقطاع خاص مشتركة، وتحديد مشاريع ذات أولوية وتقديمها للمستثمرين الصينيين بصورة واضحة ومتكاملة من حيث الأراضي والطاقة والحوافز والتمويل والأسواق المستهدفة.
وعلى صعيد التجارة، يرى الساكت أن الزيارة تمثل فرصة لمعالجة الاختلال في الميزان التجاري بين البلدين، مشيراً إلى أن صادرات الصين إلى الأردن تجاوزت 5.1 مليار دولار عام 2024، مقابل نحو 318 مليون دولار للصادرات الأردنية إلى الصين.
ويؤكد أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على جذب رأس المال الصيني، وإنما جذب رأس المال والتكنولوجيا والخبرات الصينية لإنتاج سلع في الأردن وإعادة تصديرها، باعتبار ذلك المعادلة التي تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
ويشير إلى أن ضخامة السوق الصينية تتيح فرصاً كبيرة أمام المنتجات الأردنية، وأن زيادة الصادرات إليها حتى بنسب محدودة يمكن أن تترك أثراً ملموساً على الصناعة الوطنية، إلا أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب استراتيجية واضحة وقدرة على تلبية المواصفات والمتطلبات الفنية والتنظيمية في السوق الصينية.
ويضع الساكت منتجات البوتاس والفوسفات والأسمدة والأدوية والمنتجات الغذائية وبعض المنتجات الكيماوية ضمن القطاعات التي يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لزيادة الصادرات الأردنية، بالتوازي مع تطوير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى من خلال الشراكات مع الشركات الصينية.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي سلامة الدرعاوي أن الزيارة الملكية تمثل فرصة لتحويل الاستقرار السياسي والمؤسسي الذي يتمتع به الأردن إلى قيمة اقتصادية واستثمارية فعلية، مؤكداً أن الاستقرار يشكل قاعدة يجب توظيفها في جذب الاستثمارات النوعية وإطلاق المشاريع وتوفير فرص العمل.
ويشير الدرعاوي إلى أن الزيارة تمنح الأردن فرصة لعرض مشاريعه الكبرى بصورة مباشرة أمام الشركات والمؤسسات الصينية، ضمن رؤية تتجاوز جذب التمويل إلى بناء شراكات إنتاجية طويلة الأمد، موضحاً أن نجاح ذلك يتطلب تقديم مشاريع واضحة ومكتملة الدراسات، ومحددة الكلف ومراحل التنفيذ والعوائد المتوقعة.
ويؤكد أن نتائج الزيارة لا ينبغي أن تقاس بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وإنما بحجم المشاريع التي ستدخل مرحلة التنفيذ، ومدى مشاركة الشركات الأردنية فيها، ونسبة تشغيل العمالة المحلية، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وربط الاستثمارات الصينية بسلاسل التوريد الوطنية، باعتبار أن القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي تتمثل في ما يتركه داخل الاقتصاد من وظائف ومعرفة وقيمة مضافة وصادرات.
ويضع الدرعاوي مشاريع البنية التحتية في مقدمة القطاعات المرشحة للتعاون، ولا سيما الناقل الوطني للمياه والسكك الحديدية والموانئ والطاقة، مبيناً أن هذه المشاريع لا تلبي احتياجات خدمية فقط، وإنما تؤسس لاقتصاد أكثر تنافسية، وتحسن البيئة الاستثمارية، وتدعم الصناعة والتجارة والنقل، وتعزز موقع الأردن كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.
كما يبرز قطاع التعدين والصناعات التحويلية، خصوصاً الصناعات المرتبطة بالفوسفات والبوتاس والأسمدة المتخصصة، باعتباره مجالاً مهماً للتعاون، مع ضرورة الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصنيع منتجات ذات قيمة أعلى ضمن مجمعات صناعية متكاملة تربط الاستخراج بالتصنيع والتصدير، بما يرفع قيمة الصادرات ويوفر وظائف نوعية ويزيد إيرادات الخزينة وتدفقات العملات الأجنبية.
وفي قطاع الطاقة، يرى الدرعاوي فرصاً واسعة أمام التعاون الصيني في الطاقة المتجددة وكفاءة الاستخدام وتخزين الكهرباء وتطوير البنية التحتية، بما يسهم في خفض كلف الإنتاج وتعزيز تنافسية القطاعات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة.
ولا يغيب الاقتصاد الرقمي عن فرص التعاون، إذ يمكن أن تشمل الشراكة مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات والخدمات الرقمية والأمن السيبراني والتقنيات المتقدمة، مستفيداً من الكفاءات الأردنية والبنية الرقمية التي حققت تقدماً واضحاً، بما يتيح نقل التكنولوجيا وتدريب الشباب ودعم الشركات الناشئة واستقطاب استثمارات ذات قيمة معرفية مرتفعة.
وفي قطاع الصناعات الجلدية والمحيكات، يؤكد ممثل القطاع المهندس إيهاب القادري أن الزيارة الملكية تمثل فرصة مهمة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية وفتح آفاق جديدة أمام القطاع، خصوصاً أن الصين تعد من أكبر الأسواق والمراكز الصناعية والتجارية في العالم، وتمتلك شبكات واسعة في التجارة وسلاسل التوريد العالمية.
ويشير القادري إلى أن الفرصة أمام قطاع المحيكات لا تقتصر على زيادة الصادرات المباشرة إلى الصين، وإنما تشمل تعزيز ارتباط القطاع بسلاسل القيمة العالمية، وتوسيع العلاقات مع الشركات والمشترين والموردين الصينيين، والاستفادة من الخبرات الصينية في مدخلات الإنتاج والتكنولوجيا والتصنيع المتقدم.
ويبين أن القطاع يمتلك فرصاً تصديرية غير مستغلة في السوق الصينية تقدر بحوالي 17 مليون دولار، بما يعكس مجالاً قابلاً للنمو والتوسع، في وقت تتجاوز فيه صادرات قطاع الصناعات الجلدية والمحيكات 2.4 مليار دولار، ويصل إنتاجه إلى أكثر من 3 مليارات دولار، ويوفر نحو 96 ألف فرصة عمل، إضافة إلى نجاحه في بناء علاقات طويلة الأمد مع كبرى العلامات التجارية والمشترين العالميين.
ويرى القادري أن الزخم الذي توفره الزيارة الملكية يمكن أن يساعد القطاع على بناء علاقات جديدة مع مجتمع الأعمال الصيني، ليس فقط للوصول إلى السوق الصينية والاستفادة من الفرص التصديرية غير المستغلة، وإنما أيضاً للاستفادة من الصين كشريك في تطوير القدرات الإنتاجية والتكنولوجية، بما يعزز تنافسية القطاع ويوسع حضوره في الأسواق العالمية.
ويؤكد أن قطاع الصناعات الجلدية والمحيكات يمتلك فرصة حقيقية لجذب استثمارات صينية موجهة للتصدير، مستفيداً من المزايا التي يتمتع بها الأردن في الوصول إلى الأسواق العالمية، وفي مقدمتها السوق الأميركية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من صادرات القطاع.
وتزداد أهمية هذه الفرصة في ضوء المعاملة التجارية التفضيلية التي تتمتع بها المنتجات الأردنية في السوق الأميركية، والإعفاءات التي تشمل مجموعة واسعة من منتجات القطاع المستوفية لقواعد المنشأ، الأمر الذي يمنح الاستثمار والإنتاج في الأردن ميزة تنافسية مهمة للوصول إلى واحدة من أكبر أسواق الألبسة عالمياً، ويمكن أن يشكل عاملاً جاذباً للشركات الصينية الراغبة في إقامة قواعد إنتاجية موجهة للتصدير.
ويتكامل ذلك مع التوجه نحو إنشاء مجمع صناعي متكامل للصناعات الجلدية والمحيكات والصناعات المغذية والمكملة، بما يشمل مدخلات الإنتاج والأقمشة والإكسسوارات وغيرها من الصناعات المرتبطة بالقطاع، وهو ما يمكن أن يوفر فرصة نوعية لاستقطاب الشركات الصينية المتخصصة في مختلف حلقات سلسلة القيمة لصناعة النسيج والألبسة.
ومن شأن هذه الاستثمارات تعميق سلسلة القيمة المحلية للقطاع، وزيادة نسبة مدخلات الإنتاج المصنعة محلياً، ونقل التكنولوجيا والخبرات، ورفع الإنتاجية والقيمة المضافة، وتعزيز قدرة الأردن على استقطاب المزيد من الاستثمارات التصديرية.
وتظهر أهمية الزيارة كذلك في قاعدة التجارة القائمة بين الأردن والصين، إذ بلغت الصادرات الوطنية الأردنية إلى الصين نحو 379 مليون دولار خلال عام 2025، بنمو بلغ 17 بالمئة، فيما تشير التقديرات إلى وجود فرص تصديرية أردنية غير مستغلة في السوق الصينية بنحو 362 مليون دولار، ما يعكس مساحة واسعة يمكن للقطاع الخاص الأردني البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.
ومن هذا المنطلق، تبدو زيارة جلالة الملك إلى الصين فرصة لتعزيز نموذج اقتصادي يقوم على التكامل بين رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصينية من جهة، والقاعدة الصناعية والمزايا الاستثمارية والتجارية الأردنية من جهة أخرى، بما يحول المملكة إلى منصة إنتاج وتصدير للأسواق الإقليمية والعالمية.
ولا تتوقف أهمية الزيارة عند جذب الاستثمارات، بل تمتد إلى فتح قنوات مباشرة بين الشركات الأردنية والصينية، وتحويل العلاقات السياسية القوية بين البلدين إلى علاقات أعمق بين مجتمعَي الأعمال، بما يتيح فرصاً جديدة للتعاون في الإنتاج والتصدير والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.
ويبقى النجاح الحقيقي لهذه الزيارة مرتبطاً بما ستنتجه من خطوات عملية خلال المرحلة المقبلة؛ من استثمارات صينية جديدة في مصانع أردنية، وشراكات إنتاجية بين الشركات، ونقل للتكنولوجيا والخبرات، وعقود تصدير للمنتجات الأردنية إلى الصين والأسواق العالمية. وعندها تتحول الزيارة من محطة مهمة في العلاقات الثنائية إلى نقطة انطلاق لشراكة اقتصادية وصناعية متكاملة، تعزز الإنتاج والتشغيل والصادرات وتفتح أمام الاقتصاد الأردني آفاقاً أوسع للنمو والاستثمار.
اقتصاديون: الزيارة الملكية للصين تعزز فرص جذب رأس المال والتكنولوجيا
11:52 16-8-2026
آخر تعديل :
الأحد