اقتصاد

الذكاء الاصطناعي يعزز القدرات.. لكنه لا يعفي من التفكير

مع اتساع استخدامه في التعليم والعمل

يستطيع الذكاء الاصطناعي في ثوانٍ قليلة أن يقدم للطالب إجابة، ويقترح للباحث فكرة، ويكتب للموظف نصًا، ويختصر للقارئ معلومات كان الوصول إليها يحتاج وقتًا طويلًا من البحث والقراءة.
غير أن هذه السرعة، التي تبدو مكسبًا واضحًا، تفتح في المقابل سؤالًا أكثر عمقًا حول ما يحدث للمهارات التي كان الإنسان يكتسبها خلال رحلة البحث عن الإجابة؛ إذ لم يكن التعلم يومًا قائمًا على النتيجة وحدها، بل على المحاولة والخطأ والبحث والمقارنة وطرح الأسئلة وإعادة التفكير.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل العملية التعليمية والمهنية، أصبح التحدي لا يتعلق بمدى قدرة هذه الأدوات على إنجاز المهام، بقدر ما يرتبط بكيفية الاستفادة منها دون أن تتحول سهولة الوصول إلى المعرفة إلى بديل عن التفكير نفسه.
يجمع خبراء في الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات والتربية والتحول الرقمي على أن المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها.
ويؤكد الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون «مضاعفًا للقدرات البشرية» ومساعدًا على توسيع الأفكار واستكشاف البدائل، وفي الوقت ذاته حذروا من أن الاعتماد المفرط عليه للحصول على الإجابات والحلول الجاهزة قد يختصر مراحل أساسية من التفكير والتعلم والإبداع.
وفي تقرير أعدته $ يرى الخبراء أن الفاصل يبقى في يد المستخدم؛ فكلما بقي الإنسان صاحب السؤال والفكرة والاختيار والتحقق والقرار، ظل الذكاء الاصطناعي أداة توسع قدراته، أما حين يتنازل له عن هذه الأدوار، فقد تتحول سهولة الحصول على الإجابة إلى خسارة تدريجية للمهارات.
يقول الطالب الجامعي زيد النهار إنه يستخدم الذكاء الاصطناعي لترتيب الأفكار وتبسيط المعلومات والحصول على مقترحات أولية، خصوصًا عندما يجد صعوبة في تحديد نقطة البداية.
لكنه يقر بأنه لجأ أحيانًا إلى الأداة بدلًا من محاولة التفكير في الحل بنفسه، خاصة عندما يكون مستعجلًا أو أمام مهمة صعبة.
ويرى النهار أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مفيدًا للإبداع عندما يتعامل الطالب مع الأفكار التي يقدمها باعتبارها نقطة بداية ثم يطورها بنفسه، لكنه يتحول إلى مصدر للأفكار الجاهزة عندما يصبح المستخدم منتظرًا منه الفكرة والحل والنص النهائي.
يرى الأكاديمي والمستشار والخبير في أمن المعلومات والذكاء الاصطناعي الدكتور عمران سالم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون «مضاعفًا للقدرات البشرية» عندما يستخدم لتوسيع الأفكار واستكشاف البدائل ومراجعة العمل، لكنه قد يتحول إلى بديل عن التفكير عندما يتولى المهمة كاملة ويكتفي المستخدم بالنتيجة.
ويتفق معه خبير المعلومات والمتخصص في الذكاء الاصطناعي الدكتور إبراهيم جراح، الذي يرى أن القضية ليست في قدرة التكنولوجيا على القيام بالمهمة، وإنما في تحديد ما الذي ينبغي تفويضه إليها، وما الذي يجب أن يبقى مسؤولية بشرية.
وبدوره، يحذر الخبير التربوي محمد محمود صافي من أن اختصار الطريق إلى الإجابة قد يختصر معه مراحل أساسية في التعلم، لأن الطالب يبني مهاراته من خلال البحث والتجربة والتساؤل وحل المشكلات.
أما استشاري التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس بلال الحفناوي، فيرى أن الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز القدرات البشرية، لكن أثره يتحدد بدرجة كبيرة بطريقة استخدامه وسلوك المستخدم.
ويربط جراح هذا التحول بمفهوم «التفريغ المعرفي» (Cognitive Offloading)، أي اعتماد الإنسان على أدوات خارجية للقيام ببعض العمليات العقلية.
فالإنسان اعتاد استخدام الهواتف لحفظ المعلومات، ومحركات البحث للوصول إليها، والخرائط لمعرفة الطرق، لكن الذكاء الاصطناعي يضيف مستوى أكثر تعقيدًا؛ فهو لا يسترجع المعلومة فقط، بل يستطيع تفسيرها وتنظيمها وصياغة الحجج والاستنتاجات.
وهنا تكمن المشكلة في أن الطالب قد يحصل على إجابة صحيحة دون أن يمتلك الفهم الذي يمكنه من تفسيرها أو تطبيقها في موقف جديد.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح أمام الإنسان مساحات جديدة للتفكير، من خلال اقتراح أفكار وبدائل وزوايا مختلفة قد لا تخطر له مباشرة.
ويرى سالم أن الكاتب أو الباحث يستطيع استخدام الأداة لتوليد أسئلة وأفكار أولية أو استكشاف احتمالات مختلفة، ثم يتولى بنفسه عملية الاختيار وإعادة البناء والتحقق.
كما يرى جراح أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تظهر عندما يستخدمه الإنسان لتوسيع الاحتمالات لا لإغلاقها؛ فالأداة يمكن أن تعرض بدائل وتكشف نقاط ضعف فكرة، لكنها لا ينبغي أن تحسم وحدها أي اتجاه يجب اختياره.
في المقابل، يحذر الحفناوي من أن الاعتماد المفرط على الحلول الجاهزة قد يؤثر في القدرة على إنتاج الأفكار أصلًا، مشيرًا إلى مفهوم «الضمور المعرفي» (Cognitive Atrophy).
ويوضح أن الإبداع والابتكار لا ينتجان من النتيجة النهائية وحدها، وإنما من رحلة التعلم والتجربة والخطأ والبحث ومحاولة الوصول إلى الحل. فالطالب الذي يواجه مشكلة ويحاول حلها بنفسه لا يكتسب الإجابة فقط، وإنما يطور أدوات تفكير تساعده في التعامل مع مشكلات أخرى مستقبلًا.
ويرى صافي أن الطالب يتعلم من خلال البحث والاستكشاف والتجريب والتساؤل والمثابرة، وليس من خلال تلقي المعلومات فقط.
فالخطأ وإعادة المحاولة وفهم سبب عدم نجاح الحل كلها أجزاء من عملية التعلم؛ ولذلك فإن حصول الطالب على إجابة جاهزة قد يساعده على إنجاز المهمة، لكنه لا يعني بالضرورة أنه اكتسب المهارة.
وبدوره يقول الحفناوي أن المشكلة تظهر عندما يستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي لتجاوز مراحل التفكير الأولية، فيتحول من «شريك فكري » إلى وسيلة لإنجاز المهمة بأقل جهد ممكن.
وينبه سالم في حالات تقديم الطالب «حلًا ممتازًا » ولكن لا يستطيع شرح كيفية الوصول إليه، ويرى أنه في هذه الحالة حصل على الإجابة، لكنه لم يحصل بالضرورة على التعلم.
وتدعم دراسات حديثة هذا القلق، إذ أشارت أبحاث إلى وجود علاقة بين الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي وتراجع ممارسة بعض مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، مع التأكيد على أهمية تحقيق توازن بين الاستفادة من التقنية والحفاظ على المهارات الأكاديمية الأساسية.
ويرى سالم أن الصياغة الواثقة والمنظمة لا تعني بالضرورة أن المعلومات صحيحة، ولذلك تبقى مسؤولية التحقق على المستخدم.
ويحذر الحفناوي من أن الاستخدام يفقد توازنه عندما يتعامل المستخدم مع المخرجات باعتبارها حقائق نهائية دون تدقيق أو مقارنة، أو عندما يستبدل مهارة حل المشكلات بمهارة نسخ الحلول.
أما جراح، فيرى أن الفارق بين استخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد واستخدامه كبديل يرتبط بمن يملك الفكرة والقرار.
فعندما يحدد الإنسان المشكلة والهدف والسياق، ثم يستخدم الأداة لتقديم البدائل أو النقد أو الأسئلة، تبقى في موقع المساعدة. أما إذا حصل المستخدم على المحتوى الجاهز ونسخه دون فهم أو مراجعة، فقد نقل إلى الآلة جزءًا من المهمة الفكرية التي كان يفترض أن يقوم بها.
ويرى صافي أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية لا ينبغي أن يقوم على المنع، وإنما على تطوير أساليب التدريس نفسها.
ويؤكد أهمية توفير مساحة أكبر للبحث والتجريب والعمل الجماعي وحل المشكلات، بدلًا من التركيز على الحفظ واسترجاع المعلومات.
وفي هذا النموذج، يمكن للطالب استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات أو مراجع أو مقارنات، لكن يبقى عليه أن يشارك في بناء الحل وفهمه ومناقشته.
كما يمكن للمعلم أن يتحول بصورة أكبر إلى إدارة الحوار وطرح الأسئلة وتوجيه الطلاب، بدلًا من الاقتصار على تقديم الإجابات.
ويقترح الحفناوي منهجية «المساعد الفكري» (Co-pilot Approach)، التي تقوم على ثلاث مراحل، تبدأ بالجهد البشري، إذ يضع الطالب أفكاره ورؤيته وتحليله قبل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
ثم يستخدم الأداة باعتبارها «مناظرًا فكريًا» (Sounding Board)، يطلب منها كشف الثغرات، وطرح وجهات نظر مخالفة، واقتراح زوايا جديدة، وإجراء مقارنات مع بحوث ودراسات مشابهة.
أما المرحلة الأخيرة فتتمثل في إعادة تركيب المخرج النهائي بصوت الطالب وأسلوبه، بعد مراجعة ما قدمته الأداة وغربلته والتحقق منه.
ويضع جراح معيارًا لتحديد حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وهو حجم الأثر المترتب على القرار.
فكلما ارتبط القرار بحقوق الإنسان أو سلامته أو فرصه أو سمعته أو أمواله أو بياناته الشخصية، ازدادت الحاجة إلى الرقابة البشرية، بما في ذلك القرارات المتعلقة بالتوظيف والقبول والتقييم، فضلًا عن المجالات الطبية والقانونية والمالية.
ولا تعني الرقابة البشرية مجرد الموافقة على ما تنتجه الآلة، وإنما فهم النتيجة ومراجعتها والقدرة على رفضها وتحمل المسؤولية عنها.
ويؤكد الحفناوي أن هناك مهارات ينبغي أن تبقى في صميم الدور الإنساني، وفي مقدمتها التفكير النقدي والحس الأخلاقي والذكاء العاطفي والتعاطف واتخاذ القرار وصنع المعنى والإبداع الإنساني الأصيل.
ويقترح جراح قاعدة مختصرة لتجنب تحول الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن التفكير: «فكّر، ناقش، تحقق».
في البداية، يحاول الإنسان تحديد المشكلة وبناء تصور أولي، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة الفكرة وكشف الافتراضات وتقديم البدائل.
وفي النهاية، يعود إلى المصادر الأصلية ويتحقق من المعلومات والمراجع قبل اعتماد النتيجة.
وينصح كذلك بعدم إدخال البيانات الحساسة أو المعلومات الشخصية في أدوات الذكاء الاصطناعي العامة.