لم يعد الاعتذار العلني مجرد تعبير عن الندم أو اعتراف بالخطأ، بل أصبح جزءا من مشهد تتداخل فيه المسؤولية الأخلاقية مع الضغط الجماهيري، والقانون مع الرأي العام، فيما تؤدي منصات التواصل الاجتماعي دورا متزايدا في تشكيل الأحكام تجاه الأشخاص قبل اكتمال الوقائع.
وبينما يرى مختصون أن الاعتذار الصادق يمكن أن يعيد للمتضرر اعتباره ويسهم في إصلاح الضرر، يحذرون من تحوله إلى وسيلة لتلميع الصورة أو تخفيف الغضب الجماهيري، أو إلى بداية لمحاكمة اجتماعية جديدة لا تنتهي حتى بعد الاعتذار.
وفي حالة افتراضية، نشر أحد المؤثرين مقطع فيديو تحدث فيه عن زميل له، ووجه إليه اتهامات تتعلق بسلوكه المهني، ليتحول المقطع خلال ساعات إلى حديث واسع، وتتوالى المطالبات بمحاسبته والاعتذار للمتضرر.
ومع تصاعد الانتقادات، نشر المؤثر اعتذارا علنيا أكد فيه أنه أخطأ في طريقة طرح الموضوع، وقدم اعتذاره لزميله. إلا أن الاعتذار لم ينه الأزمة، إذ اعتبره البعض غير واضح، وطالب آخرون باعتذار «صريح وكامل»، فيما رأى فريق ثالث أنه جاء نتيجة الضغط الجماهيري.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ بدأت مقاطع قديمة للمؤثر بالانتشار، بعضها لا علاقة له بالقضية الأصلية، لتنتقل المسألة من خطأ محدد واعتذار عنه إلى محاكمة إلكترونية شاملة للشخص.
وتطرح هذه الحالة سؤالا حول حدود الاعتذار العلني: متى يكون تحملا حقيقيا للمسؤولية، ومتى يتحول إلى جزء من محاكمة اجتماعية لا تنتهي؟
ويرى أخصائي علم النفس الإكلينيكي الدكتور جميل أبو طربوش أن الاعتذار العلني يمكن أن يكون وسيلة صحية لتحمل المسؤولية والاعتراف بالخطأ، شريطة أن يكون صادقا ومتناسبا مع حجم الخطأ، وأن يترافق مع تغيير حقيقي في السلوك.
وأوضح أن الاعتذار يكون أكثر ارتباطا بتحمل المسؤولية عندما يقع الخطأ بصورة علنية، إذ يسهم في إعادة الاعتبار إلى المتضرر في المساحة نفسها التي تعرض فيها للإساءة.
وحذر من أن يتحول الاعتذار إلى وسيلة لتخفيف شعور المخطئ بالذنب أو تلميع صورته دون تغيير حقيقي، مبينا أن الاعتذار الصادق قد يساعد المتضرر على التشافي واستعادة كرامته، خصوصا إذا تعرض للإساءة أمام الآخرين.
وفي المقابل، قد يؤدي الاعتذار المظهري، الذي يركز على تبرير سلوك المخطئ واستعطاف الجمهور، إلى نتيجة عكسية، لأنه قد يعيد الصدمة إلى المتضرر ويجعله يشعر بأن مشاعره استغلت مرة أخرى.
وفرق أبو طربوش بين تحمل المسؤولية والجلد الاجتماعي، موضحا أن الأول يركز على تصحيح الخطأ وإعادة الحقوق، بينما يستهدف الثاني شخصية المخطئ وتشويهها، وقد يقود إلى العزلة أو العدائية وتدمير تقدير الذات.
ومن الناحية القانونية، يوضح الخبير القانوني الدكتور صخر خصاونة أن الاعتذار من القيم الحميدة ومظاهر الفضيلة، إلا أن أثره القانوني يختلف عن أثره الأخلاقي والاجتماعي.
وأكد أن الاعتذار لا يسقط العقوبة الجزائية أو المدنية، ولا يمكن اعتباره دليلا ثابتا بمفرده على وقوع الفعل، إذ ينظر القاضي إلى مجمل وقائع القضية والأدلة المتوافرة.
وفيما يتعلق بنشر الاتهامات أو إصدار الأحكام بحق شخص قبل التحقق من الوقائع، أوضح أن ذلك قد يرتب مسؤولية قانونية وفق التشريعات النافذة، وتختلف المسؤولية بحسب طبيعة المحتوى المنشور، بما في ذلك الأخبار الكاذبة والذم والقدح والإساءة إلى الشخصية وخطاب الكراهية أو الاعتداء على الحياة الخاصة.
ويرى خبير التحول الرقمي والاستراتيجيات التكنولوجية الدكتور رامي شاهين أن منصات التواصل أصبحت منظومة تتداخل فيها الخوارزميات وعلم النفس الاجتماعي واقتصاد الانتباه وسلوك الحشود.
وأشار إلى أن السؤال لم يعد دائما: «ماذا حدث فعلا؟»، بل: أي رواية ستنتصر أولا، وأي مشاعر ستنجح الخوارزمية في تضخيمها؟ ففي المحكمة التقليدية تسبق الأدلة الحكم، بينما قد يحدث العكس رقميا: حكم، ثم غضب، ثم انتشار، ثم البحث عن أدلة تؤيده.
وحذر من أن المستخدم قد يواجه مقطعا قصيرا أو صورة مقتطعة وعنوانا مثيرا، قبل أن يطلع على السياق الكامل، ما يسهم في تشكيل موقفه سريعا.
وأكد شاهين أن الاعتذار الصادق والمسؤول مهم عند وقوع الخطأ، لكنه قد يتحول في أزمات التواصل الاجتماعي إلى جزء من إدارة الغضب الجماهيري، بحيث يصبح مادة جديدة للمحاكمة بدلا من إنهائها.
وشدد على ضرورة التفريق بين الاستجابة السريعة للأزمة والاعتذار الفوري، موضحا أن سرعة التواصل لا تعني الاعتراف بشيء لم يتم التحقق منه. ودعا المؤسسات إلى اعتماد بروتوكول للاستجابة السريعة يقوم على التحقق والتصحيح، لا على الاعتذار تحت ضغط «الترند».
وخلص إلى أن الوعي الرقمي لا يقتصر على سؤال ما إذا كان الخبر صحيحا أو كاذبا، بل يتطلب التساؤل: من اختار هذا الجزء من القصة؟ ولماذا وصلني الآن؟ وما الذي لم أشاهده؟ ومن يستفيد من غضبي؟ مؤكدا أن أخطر ما يمكن أن تفعله المنصات ليس فقط معرفة ما نحبه، وإنما معرفة ما يغضبنا وإعادتنا إليه مرارا.
الاعتذار في عصر «الترند».. هل يصلح الخطأ أم يفتح باباً لمحاكمة جديدة؟
12:21 17-8-2026
آخر تعديل :
الاثنين