ماضي: الزيارة تعزز تنويع العلاقات وتفتح آفاقاً للحلول الإقليمية
الدعجة: فرصة لربط الشراكة الاقتصادية بحوار سياسي أعمق
تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتداخل فيه الحرب والتوترات الإقليمية والقضية الفلسطينية وأمن المنطقة، بالتزامن مع تحولات كبرى في موازين القوى والتحالفات الدولية. ويرى خبراء أن الزيارة، إلى جانب أهميتها في تعزيز العلاقات الثنائية، ولا سيما الاقتصادية منها، تتيح للأردن توسيع خياراته الدولية وتوظيف علاقته مع بكين في الدفع نحو مواقف أكثر فاعلية تجاه أزمات المنطقة، دون أن تعني ابتعاد المملكة عن شركائها التقليديين أو الدخول في محاور جديدة.
ويؤكد الخبراء أن أهمية الزيارة تنبع من المكانة التي تتمتع بها الصين كقوة دولية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، وما تمتلكه من علاقات مع مختلف الأطراف الإقليمية، مقابل الرصيد السياسي والدبلوماسي الذي يمتلكه الأردن، بما يفتح المجال أمام شراكة يمكن أن تتجاوز التعاون الاقتصادي إلى حوار سياسي أوسع بشأن مستقبل المنطقة.
يرى وزير الدولة لشؤون الإعلام سابقاً المهندس صخر دودين أن زيارة جلالة الملك إلى الصين تأتي بالتزامن مع مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل سياسي واستراتيجي عميقة، تتداخل فيها الحرب والتوترات الإقليمية والقضية الفلسطينية وأمن المنطقة ومستقبل منظومة العلاقات الدولية.
ويؤكد دودين أن الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية، بل أصبحت قوة دولية كبرى وعضواً دائماً في مجلس الأمن، ولها علاقات وتأثير مع مختلف الأطراف، الأمر الذي يجعل الحوار الأردني الصيني على مستوى القمة فرصة لطرح الرؤية الأردنية تجاه أزمات المنطقة، وبحث سبل وقف التصعيد وحماية الأمن الإقليمي وإحياء المسار السياسي للقضية الفلسطينية.
ويشير إلى أن الأردن لا يتعامل مع التحولات الجارية من موقع الانتظار، وإنما من موقع المشاركة في صياغة بيئة إقليمية أكثر استقراراً، مستفيداً من رصيده السياسي والدبلوماسي، إلى جانب الوزن الدولي الذي تتمتع به الصين.
ويشدد دودين على أن المطلوب ليس أن تكون الصين بديلاً عن أي طرف دولي آخر، وإنما أن تكون جزءاً من جهد دولي أوسع لإنتاج مواقف أكثر توازناً وفاعلية، خصوصاً تجاه القضية الفلسطينية، ووقف التصعيد وحماية المدنيين والتمسك بحل الدولتين والقانون الدولي.
ويلفت إلى أن الأردن يستطيع توظيف علاقته الاستراتيجية مع بكين ضمن شبكة علاقاته الدولية الأوسع، بما ينقل الدبلوماسية الأردنية من مجرد نقل المواقف إلى المساهمة في بناء التوافقات حولها، مشيراً إلى أن أمن الأردن واستقراره يرتبطان بصورة وثيقة بمستقبل الإقليم وكيفية معالجة القضية الفلسطينية والأزمات المحيطة به.
ويرى دودين أن الأردن بحاجة إلى الذهاب أبعد من مفهوم خفض التصعيد، نحو بناء تفاهمات حول شكل المنطقة بعد المرحلة المضطربة الحالية، في ظل تحولات كبرى قد تعيد خلال السنوات المقبلة تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات وممرات التجارة والطاقة ومراكز القوة.
ويؤكد أن زيارة جلالة الملك إلى الصين تمثل نقلة نوعية في التموضع الأردني، لا تعني الابتعاد عن الشركاء التقليديين أو الدخول في محاور جديدة، وإنما توسيع خيارات الدولة الأردنية وتعظيم قدرتها على الحركة والتأثير في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
ويخلص دودين إلى أن الأردن، بحكم موقعه ودوره وعلاقاته، يستطيع أن يكون جسراً بين القوى الدولية المختلفة، وأن يوسع شبكة علاقاته بما يحمي مصالحه الوطنية ويعزز أمنه واستقراره ويمنحه قدرة أكبر على التأثير في مستقبل الإقليم.
بدوره، يرى الدكتور بدر ماضي، أستاذ علم الاجتماع السياسي والتنمية الدولية، أن زيارة جلالة الملك إلى الصين تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات الأردنية الدولية، خصوصاً في ظل توجه الأردن نحو تنويع علاقاته الدولية، دون أن يعني ذلك إزاحة أو تراجعاً عن علاقاته التاريخية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وبريطانيا.
ويشير ماضي إلى أن الصين باتت تمثل قوة سياسية واقتصادية متنامية، ما يجعلها شريكاً مهماً يمكن أن يسهم في إيجاد حلول للقضايا التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتوترات الإقليمية.
ويؤكد أن الأردن يمتلك قدرة على توظيف علاقاته الدولية، مستفيداً من المكانة التي يحظى بها جلالة الملك واحترام مختلف الأطراف له، الأمر الذي يعزز فرص الاستماع إلى الرؤية الأردنية والحكمة التي تتبناها المملكة في التعامل مع قضايا المنطقة.
ويلفت ماضي إلى أن الزيارة يمكن أن تشكل فرصة لصياغة وجهات نظر مشتركة بين الأردن والصين، وربطها بمواقف الدول العربية، بما يسهم في إيجاد أفق مشترك للتعامل مع القضايا العالقة، إلى جانب تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.
ويضيف أن أهمية الزيارة لا تقتصر على الجانب الثنائي، بل تمتد إلى المستوى الإقليمي والعربي، لافتاً إلى أن الصين تنظر باهتمام إلى السياسة الأردنية المتزنة، وتولي أهمية للاستماع إلى رؤية جلالة الملك تجاه التطورات التي تشهدها المنطقة.
من جهته، يرى البروفيسور حسن عبدالله الدعجة، مستشار معهد الحزام والطريق بجامعة بكين وعضو المجلس العالمي للدراسات الصينية، أن زيارة جلالة الملك إلى الصين تشكل فرصة مهمة لبحث أزمات المنطقة، إلى جانب الارتقاء بالعلاقات الثنائية، ولا سيما في المجالين الاقتصادي والتنموي.
ويؤكد الدعجة أن اللقاءات المرتقبة بين جلالة الملك والرئيس الصيني شي جين بينغ وكبار المسؤولين في بكين تتيح للأردن طرح رؤيته تجاه أزمات المنطقة أمام دولة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك علاقات مع مختلف الأطراف الإقليمية، مشيراً إلى أن الظرف الإقليمي الحالي يجعل الفصل بين الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية أمراً صعباً.
ويشير إلى أن القضية الفلسطينية ستكون في مقدمة الملفات التي يمكن للأردن الدفع بها خلال الزيارة، من خلال تعزيز حضور الموقف الأردني لدى صانع القرار الصيني، خصوصاً فيما يتعلق بوقف التصعيد وحماية المدنيين وإدخال المساعدات الإنسانية ورفض التهجير والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني في القدس، إلى جانب دعم حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ويرى الدعجة أن الأردن يستطيع تشجيع بكين على تحويل موقفها السياسي من القضية الفلسطينية إلى تحرك دبلوماسي أكثر فاعلية في مجلس الأمن والمحافل الدولية، إضافة إلى دعم جهود إعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار.
ويلفت إلى إمكانية توسيع الحوار الأردني الصيني ليشمل أمن الخليج والعلاقات العربية الإيرانية، مستفيداً من علاقات الصين الاقتصادية والنفطية الواسعة مع الدول العربية، وفي الوقت نفسه علاقاتها مع إيران، معتبراً أن هذا التوازن يمنح بكين مساحة لتشجيع الحوار وخفض التصعيد.
ويؤكد أن استقرار مضيقي هرمز وباب المندب يمثل مصلحة مشتركة للصين والمنطقة والعالم، نظراً لأهميتهما في حركة الطاقة والتجارة الدولية، داعياً إلى دور صيني أكثر نشاطاً في دعم حرية الملاحة وخفض التوتر، والاستفادة من قنوات بكين مع مختلف الأطراف الإقليمية.
كما يشير إلى أن الدور الصيني يمكن أن يمتد إلى ملف اليمن والبحر الأحمر، من خلال تشجيع التهدئة ودعم المسارات السياسية، مقترحاً إمكانية بناء إطار تشاوري عربي صيني يتعامل مع أمن الممرات البحرية باعتباره مصلحة مشتركة.
وفي المقابل، يوضح الدعجة أن قدرة الصين على التأثير ليست مطلقة، فهي لا تتحكم في قرارات إيران أو الحوثيين، كما أن نجاح أي وساطة يتطلب إرادة إقليمية وتعاوناً دولياً.
ويؤكد أن الصين قادرة على لعب دور أكبر في معالجة أزمات الشرق الأوسط، لكنها لن تكون بالضرورة بديلاً كاملاً عن القوى الدولية الأخرى، موضحاً أن فاعلية الدور الصيني ترتبط بقدرة بكين على تحويل نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي إلى مبادرات سياسية مستمرة، وبمدى قبول الأطراف الإقليمية بهذا الدور.
ويشير إلى أن امتلاك الصين لعضوية مجلس الأمن وشبكة واسعة من الشراكات التجارية والاستثمارية، إلى جانب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من المنطقة، يمنحها أدوات مؤثرة في الدفع نحو الاستقرار، ويمكنها توظيف قوتها الاقتصادية في دعم إعادة الإعمار وربط الاستثمارات بالتقدم في التسويات السياسية.
ويضيف أن ميزة الصين الدبلوماسية تتمثل في قدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة، ما يتيح لها استضافة مفاوضات غير معلنة وتبادل الرسائل بين الخصوم والعمل إلى جانب الأمم المتحدة والقوى الإقليمية لإعداد تسويات تدريجية.
إلا أن الدعجة يرى أن الدور الصيني يواجه قيوداً، من بينها حذر بكين من الانخراط العميق في النزاعات المعقدة، واحتمال تحول علاقاتها المتوازنة مع الأطراف المتنافسة إلى نقطة ضعف، فضلاً عن عدم قدرتها على فرض حلول على أطراف ترفض التسوية.
ويعتبر أن الدور الأنسب للصين يتمثل في قيادة دبلوماسية هادئة ومتخصصة في ملفات محددة، مثل وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإيصال المساعدات وإعادة الإعمار ودعم مؤسسات الدول المتضررة، والعمل ضمن شراكات دولية وإقليمية.
وعلى المستوى الأردني، يرى الدعجة أن المملكة تستطيع توظيف علاقاتها مع الصين عبر الانتقال من التشاور السياسي إلى بناء شراكة دبلوماسية تستهدف التأثير في مواقف المجتمع الدولي، مستفيدة من الخبرة الأردنية في قضايا المنطقة والثقل الدولي الذي تتمتع به الصين.
ويقترح إنشاء آلية تشاور سياسي أردنية صينية دائمة تضم دبلوماسيين وخبراء في القانون الدولي والشؤون الإنسانية والأمنية، تتولى إعداد مبادرات محددة بأهداف وجداول زمنية وآليات متابعة، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات العامة.
كما يرى إمكانية الاستفادة من الحضور الصيني في الأمم المتحدة لحشد التأييد لمواقف وقرارات تعالج أسباب الأزمات، إلى جانب توظيف منتدى التعاون الصيني العربي وجامعة الدول العربية ومنظمات الجنوب العالمي لبناء تحالفات دبلوماسية تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
ويشير الدعجة إلى أهمية البعد الإنساني في تعزيز هذا التعاون، مقترحاً إمكانية إنشاء مركز إقليمي في عمّان لتنسيق الاستجابة للأزمات وتدريب فرق الإغاثة وجمع البيانات وتقدير احتياجات المناطق المتضررة، إلى جانب تنظيم مؤتمر دولي في عمّان بمشاركة الصين والدول المانحة والمؤسسات المالية لبحث خطط التعافي وإعادة الإعمار.
ويخلص الدعجة إلى أن نجاح هذا التوجه يتطلب تحديد أولويات أردنية واضحة وتشكيل فريق متابعة يقيس نتائج اللقاءات والمبادرات، مع الحفاظ على توازن علاقات الأردن الدولية، بحيث يشكل التعاون مع الصين وسيلة لتوسيع دائرة التأثير الأردني لا انتقالاً إلى محور سياسي جديد، وبما يعزز قدرة المملكة على الربط بين الموقف العربي ومراكز القرار الدولية ودفعها نحو تحركات عملية تجاه أزمات المنطقة.
خبراء: زيارة الملك إلى الصين توسع خيارات الأردن وتعزز حضوره الإقليمي
12:16 17-8-2026
آخر تعديل :
الاثنين