15.7 بالمئة من مراجعي الصيدليات قصدوها بسبب حالات مرضية بسيطة
90.4% نسبة قبول المرضى للتدخلات الصيدلانية
كشف أستاذ ومستشار العلاج الدوائي السريري في جامعة البترا الدكتور ضرار حسن بلعاوي أن صيدليات المجتمع في الأردن تتعامل يوميا مع عبء واسع من الحالات المرضية التي يمكن إدارتها ضمن الرعاية الأولية.
وأكد في تصريح إلى "الرأي" ضرورة تطوير وتوسيع نطاق الممارسة السريرية للدكتور الصيدلي والانتقال بها إلى الرعاية الصيدلانية الموجهة والمركزة، بما يعزز اكتشاف علامات الخطر مبكرا، ويضمن الاستخدام الآمن للأدوية، ويسهم في تخفيف الضغط عن مرافق الرعاية الصحية.
جاء ذلك في ضوء نتائج دراسة أردنية بعنوان "معالجة الحالات المرضية البسيطة في صيدليات المجتمع: دراسة رصدية من الأردن"، قادها بلعاوي ونشرت في مجلة Natural Resources for Human Health (NRFHH)، ورصدت بصورة مباشرة طبيعة الحالات التي تصل إلى صيدليات المجتمع، وشدتها، والتدخلات التي يقدمها الدكاترة الصيادلة.
وأجريت الدراسة بين أيار وتموز 2025 في 12 صيدلية مجتمع مختلفة الحجم والموقع في أنحاء الأردن، منها ثماني صيدليات مستقلة وأربع تابعة لسلاسل صيدلانية، بمشاركة 29 دكتورا صيدليا.
وخلال فترة الدراسة، وثقت الصيدليات 30,870 زيارة وتواصلا مع المرضى، كان من بينها 4,841 مريضا، أي 15.7% راجعوا الصيدلية بسبب حالة مرضية بسيطة واحدة على الأقل، فيما سجلت لدى هذه الفئة 13,186 حالة منفصلة، بمعدل يقارب 2.7 حالة لكل مريض.
وتصدرت الآلام البسيطة إلى المتوسطة الحالات المسجلة بنسبة 17.9%، تلتها أعراض الرشح والإنفلونزا بنسبة 15.4%، ثم الصداع بنسبة 9.7%، إلى جانب مشكلات الجهاز الهضمي والحساسية والأمراض الجلدية والحروق ولدغات الحشرات والغثيان والقيء.
وأشار بلعاوي إلى أن هذه الأرقام تكشف عن مسار للرعاية يحدث فعليا وبشكل يومي داخل الصيدليات الأردنية، مشددا على أن وصف الحالة بأنها بسيطة لا يعني بالضرورة أنها خالية من الدلالات الطبية أو المخاطر، إذ يتطلب تحديد مدى أمان الرعاية الذاتية معرفة واستقصاء دقيقا وحكما مهنيا سليما.
وأظهرت الدراسة أن 70.6% من الحالات صنفت بسيطة، و25.2% متوسطة، فيما صنفت 560 حالة، أي 4.2%، على أنها شديدة، حيث سجلت أعلى نسب الحالات الشديدة ضمن شكاوى التهاب الملتحمة بنسبة 19.7%، والأرق أو صعوبة النوم بنسبة 19%.
ووثقت الدراسة حالة رجل يبلغ 58 عاما راجع الصيدلية بسبب صداع مستمر وغير مألوف ترافق مع دوخة وضيق نفس متقطع ونزف أنفي، وكان يعاني ارتفاع ضغط الدم ولا يلتزم جيدا بعلاجه، فامتنع الدكتور الصيدلي عن صرف مسكن ونصحه بالتوجه إلى الطوارئ.
وقال بلعاوي "قد يكون أثمن تدخل يقدمه الدكتور الصيدلي هو الدواء الذي يمتنع عن صرفه"، لافتا إلى أن التعرف المبكر إلى علامات الخطر وإحالة المريض إلى مستوى الرعاية المناسب قد يمنع تدهور حالته.
وسجلت الدراسة 17,396 تدخلا صيدلانيا، بمعدل يقارب 3.6 تدخل لكل مريض، شملت التوصية بأدوية متاحة من دون وصفة وشرح جرعاتها، والتثقيف بشأن الاستخدام الصحيح للدواء وآثاره الجانبية وتداخلاته، إضافة إلى النصائح غير الدوائية والرعاية الذاتية والعناية بالجروح والمشكلات الهضمية والدعم النفسي.
وبلغت نسبة قبول المرضى للتدخلات الصيدلانية 90.4%، وارتفعت إلى 98.4% في التثقيف الدوائي و98.9% في النصائح غير الدوائية.
في المقابل، كشفت الدراسة تحديا في الإحالة، إذ أوصى الدكاترة الصيادلة بمراجعة الطبيب في 196 حالة، إلا أن المرضى وافقوا على 96 إحالة فقط، بنسبة 49%، بينما قبلت 15 من أصل 21 إحالة إلى أقسام الطوارئ، بنسبة 71.4%.
وأكد بلعاوي أن الدور السريري للدكتور الصيدلي لا يعني الاستعاضة عن الطبيب أو التشخيص الاعتباطي، بل يقوم على تقييم الأعراض والتاريخ المرضي والأدوية المستخدمة وعلامات الإنذار، وتحديد مدى ملاءمة الرعاية الذاتية، وتقديم العلاج المناسب ضمن نطاق الممارسة، ثم الإحالة عند الحاجة.
ولفت إلى أن تطوير هذا الدور يتطلب بروتوكولات موحدة للحالات البسيطة، وتحديدا واضحا لنطاق الممارسة، وتوثيقا آمنا، ومسارات إحالة فعالة، وتدريبا مستمرا، ومؤشرات لقياس الجودة، إلى جانب إيجاد اليات لتعويض الصيادلة عن الاستشارات السريرية بدل ربط الحوافز ببيع المنتجات فقط.
واعتبر أن تنظيم هذه الممارسة يمكن أن يتيح لأطباء الأسرة والمراكز الصحية وقتا أكبر للتعامل مع الحالات المعقدة والأمراض المزمنة والوقاية، مع التشديد على أن الدراسة لم تقس حجم الوفر المالي أو عدد الزيارات الطبية التي يمكن تجنبها، وهي جوانب تحتاج إلى دراسات لاحقة.
وشدد بلعاوي إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من ممارسات متفاوتة إلى خدمة صيدلانية سريرية متكاملة وقائمة على الدليل، قائلا "ينبغي الاعتراف بصيدلية المجتمع بوصفها بوابة إلى الرعاية، تدار فيها الحالات البسيطة بمسؤولية، وتكتشف الحالات الخطرة مبكرا، ويغادرها كل مريض وفي يده خطة واضحة".