أظهر البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام خلال النصف الأول من عام 2026 تقدماً لافتاً في مسار الإصلاح الإداري، مع إنجاز 92 بالمئة من المستهدفات المقررة لهذه الفترة، في مؤشر يعكس قدرة البرنامج على الانتقال من مرحلة التخطيط وبناء المنظومات إلى مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في تشغيل هذه الممكنات وتوسيع أثرها على أداء المؤسسات وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وبينما تكشف نتائج النصف الأول عن حجم ما تم إنجازه، فإن القيمة الأبرز في المرحلة الحالية تتمثل في طبيعة الأدوات التي يجري تطويرها لتأسيس قطاع عام أكثر كفاءة وقدرة على التطوير المستمر، بما يجعل عملية التحديث مساراً مؤسسياً مستداماً وليس مجموعة من المشاريع المنفصلة.
وترى خبيرة الاتصال الاستراتيجي والتطوير المؤسسي يسر حسان أن تقرير تقدم البرنامج يعكس تقدماً واضحاً في مسارات متعددة، إلا أن الأهم برأيها هو نوعية الممكنات التي يجري بناؤها لضمان استدامة التحديث وتعزيز قدرة القطاع العام على مواصلة عملية التطوير. وتشير حسان إلى أن منظومة الكفايات الحكومية تمثل تحولاً مهماً في طريقة إدارة وتطوير رأس المال البشري في القطاع العام، كونها تنقل التركيز من المؤهلات والخبرات وحدها إلى ما يمتلكه الفرد فعلياً من معارف ومهارات وسلوكيات تمكنه من أداء دوره بكفاءة. وتوضح أن أهمية هذه المنظومة تتجاوز احتياجات المؤسسة الحكومية لتقدم قيمة مباشرة للموظف ولمن يرغب في الالتحاق بالقطاع العام، إذ إن وضوح الكفايات المطلوبة للوظائف الحكومية يساعد المتقدم على الانتقال من التخمين إلى الاستعداد الواعي، من خلال معرفة متطلبات الوظيفة ومقارنتها بما يمتلكه من قدرات وتحديد الجوانب التي يحتاج إلى تطويرها قبل التقدم إليها.
أما الموظف الحالي، فتتحول الكفايات، بحسب حسان، إلى مرجع يساعده على فهم متطلبات دوره والتطور فيه والاستعداد لمساره المهني المقبل، فيما تتيح للمؤسسات بناء علاقة أكثر تكاملاً بين الاستقطاب والتعيين والتطوير والتدريب والتقييم وإعداد القيادات، بما يعزز التوجه نحو قطاع عام يقوم بدرجة أكبر على الجدارة والكفاءة.
وتلفت حسان إلى أن الاهتمام ببناء القدرات تزامن مع اهتمام بإدارة التغيير داخل المؤسسات، معتبرة أن ذلك يمثل عنصراً مهماً في استدامة عملية التحديث، لأن تحديث القطاع العام لا يتمثل في مجموعة مشاريع تنفذ بصورة منفصلة، وإنما في عملية تغيير تطال طريقة العمل والأدوار والإجراءات والثقافة المؤسسية.
وترى أن إدارة التغيير تعكس إدراكاً بأن نجاح الإصلاح يحتاج إلى مشاركة الموظفين والقيادات وفهمهم لأهدافه وأدوارهم فيه، إلى جانب امتلاك المؤسسات القدرة على تبني طرق العمل الجديدة وترسيخها في الممارسة اليومية، وهو ما يمنح عملية التحديث بعداً مؤسسياً يتجاوز مرحلة تنفيذ المشاريع إلى ترسيخها واستدامتها.
وتبرز حسان كذلك أهمية التواصل مع المواطنين والاستماع إليهم، باعتبارهما جزءاً من عملية التحديث نفسها، وليس مجرد وسيلة لإخبار الناس بما أنجزته الحكومة. وتوضح أن توضيح ما تغير ولماذا، وتقديم المعلومات بصورة أكثر وضوحاً، إلى جانب تطوير منظومة للاستماع إلى تجربة المواطن وملاحظاته واحتياجاته، من شأنه أن يجعل العلاقة مع المواطن أكثر تفاعلاً ومنهجية.
وتؤكد أن تحويل ملاحظات المواطنين وتجاربهم إلى معلومات يمكن تحليلها والاستفادة منها يتيح تحسين الخدمات والقرارات، ويعزز قدرة المؤسسات على الاستجابة بصورة أفضل لاحتياجات المجتمع.
وبالنظر إلى هذه المسارات مجتمعة، ترى حسان أن الكفايات تبني قدرة الأشخاص، وإدارة التغيير تعزز قدرة المؤسسات على تبني التحديث، فيما يعزز التواصل والاستماع العلاقة مع المواطنين، الذين يمثل تحسين تجربتهم الغاية النهائية من عملية تحديث القطاع العام.
من جانبه، يرى المتخصص في التحول الرقمي وتطوير القطاع العام سامر قبعين أن تحقيق 92 بالمئة من مستهدفات النصف الأول يمثل مؤشراً مهماً على انتقال برنامج تحديث القطاع العام من مرحلة التخطيط وبناء الممكنات إلى مرحلة إنتاج نتائج ملموسة على كفاءة الأداء وجودة الخدمات.
ويشير قبعين إلى أن مؤشرات التحول الرقمي تعكس توسعاً واضحاً في استخدام الخدمات الإلكترونية، إذ ارتفع عدد الخدمات الحكومية الرقمية إلى 2060 خدمة، بما يشكل 85.8 بالمئة من الخدمات القابلة للرقمنة، فيما بلغ عدد الهويات الرقمية المفعلة عبر تطبيق «سند» وقنوات التفعيل المختلفة 2.8 مليون هوية.
ويرى قبعين أن إطلاق الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، وتطوير 12 إطاراً للكفايات الوظيفية، وتطوير مؤشرات وطنية لتحديث القطاع العام، تؤكد أن عملية الإصلاح بدأت تنتج أدوات وممكنات وطنية يجري استخدامها فعلياً، بما يعزز الانتقال من التأسيس إلى التنفيذ.
ويؤكد أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لتعظيم أثر هذه الإنجازات، من خلال التركيز على قياس ما أحدثته المشاريع من تغيير في تجربة المواطن، بحيث تصبح الخدمات أسهل وأسرع وأقل كلفة وأكثر شفافية وكفاءة.
ويشير في هذا السياق إلى أهمية مؤشرات استخدام الخدمات الحكومية، وتفعيل الهويات الرقمية، وتوسع الخدمات الرقمية، وتحسن تجربة المواطن، وانتشار مراكز الخدمات الحكومية الشاملة، وتبسيط الإجراءات، والتحول نحو الحكومة اللاورقية، إلى جانب تعزيز الثقة بالحكومة.
ويلفت قبعين إلى أن نسبة رضا المواطنين عن جودة الخدمات بلغت نحو 61 بالمئة، فيما وصلت نسبة توصية المواطنين باستخدام الخدمة إلى 83 بالمئة، معتبراً أن هذه المؤشرات تشكل قاعدة إيجابية يمكن البناء عليها وتحسينها خلال المرحلة المقبلة.
اقتصادياً، يذهب أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية الدكتور رعد محمود التل إلى أن تحديث القطاع العام ينبغي أن ينظر إليه باعتباره إصلاحاً اقتصادياً إلى جانب كونه إصلاحاً إدارياً، لما يمكن أن يحققه من رفع لكفاءة الإنفاق وتحسين إنتاجية الجهاز الحكومي.
ويوضح التل أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنفاق الحكومي، وإنما على العائد المتحقق منه والقطاعات التي يولد فيها الإنفاق قيمة مضافة أكبر، مبيناً أن إعادة هيكلة المؤسسات وربط الموازنة بالأهداف والنتائج يمكن أن يساهما في تقليل هدر الموارد وتحسين الإنتاجية وخفض الكلف التشغيلية.
ويؤكد أن تحسين كفاءة القطاع العام ينعكس مباشرة على بيئة الأعمال، إذ إن القرارات الأسرع والإجراءات الأفضل والأكثر استقراراً تشكل عوامل جاذبة للمستثمرين، خصوصاً في مجالات الترخيص ودفع الرسوم وإنجاز المعاملات، بما يخفف الوقت والكلفة ويرفع جاذبية البيئة الاستثمارية.
كما يشير التل إلى أن التحول الرقمي يخفض كلف التعامل مع الحكومة بالنسبة للمواطنين والشركات والمستثمرين، من خلال تقليل مراحل الإجراءات وتسهيل متابعتها، مؤكداً أن الاعتماد على المنصات الرقمية وتبسيط الإجراءات يمكن أن يعزز تنافسية الأردن في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وتأتي هذه النتائج في وقت يركز فيه البرنامج خلال النصف الثاني من العام على توسيع أثر المشاريع التي جرى تطويرها، واستكمال رقمنة الخدمات ذات الأولوية وهندسة إجراءاتها، وتشغيل منظومة «سماع صوت المواطن» على المستوى الوطني، ومواصلة التحول نحو الحكومة اللاورقية، وتوسيع تطبيق منظومة الكفايات، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية المستهدفة.
ومع إنجاز 92 بالمئة من مستهدفات النصف الأول، تبدو عملية تحديث القطاع العام أمام مرحلة أكثر نضجاً، عنوانها الانتقال من قياس حجم الإنجاز إلى تعظيم أثره. فالمؤشرات المتحققة في الموارد البشرية والتحول الرقمي وكفاءة الأداء وتطوير الخدمات لا تمثل نتائج منفصلة، وإنما لبنات في بناء قطاع عام أكثر مرونة وكفاءة وقدرة على الاستجابة.
وبهذا المعنى، فإن نجاح التحديث لا يقاس فقط بعدد المشاريع التي تم تنفيذها، بل بمدى قدرة هذه المشاريع على تحسين تجربة المواطن، وخفض كلف الإجراءات، ورفع إنتاجية المؤسسات، وتحسين بيئة الأعمال. وهي نتائج، إذا ما استمر البناء عليها، يمكن أن تجعل تحديث القطاع العام رافعة للإصلاح الاقتصادي والإداري معاً، وتدفع نحو حكومة أكثر كفاءة وخدمات أكثر سهولة وبيئة استثمارية أكثر تنافسية.