لا يتعلق الأمر بما نأكله فقط، بل بموعد تناول الطعام أيضًا؛ فدراسات حديثة تشير إلى أن توقيت الوجبات يتفاعل مع الساعة البيولوجية للجسم، وقد ينعكس على الوزن، ومستويات سكر الدم، وصحة القلب.
ويُعرف هذا المجال باسم «التغذية الزمنية»، وهو يبحث في العلاقة بين مواعيد تناول الطعام والإيقاع اليومي للجسم. وتشير الأدلة إلى أن تناول الوجبة الأكبر في وقت مبكر من اليوم قد يكون أكثر انسجامًا مع طريقة عمل الجسم مقارنة بتأخير الوجبات إلى المساء.
الغداء المبكر قد يدعم فقدان الوزن
لفتت الباحثة الإسبانية مارتا جاراوليت، من جامعة مورسيا، الانتباه إلى أهمية توقيت الطعام بعد ملاحظتها اختلافًا في نتائج فقدان الوزن بين شخصين يتبعان النظام الغذائي نفسه، لكن أحدهما كان يتناول الغداء في وقت مبكر والآخر يؤخره.
وفي دراسة شملت 420 بالغًا شاركوا في برنامج لإنقاص الوزن لمدة 20 أسبوعًا، تبين أن من تناولوا الغداء مبكرًا فقدوا وزنًا أكبر وبوتيرة أسرع مقارنة بمن تناولوه في وقت متأخر.
كما أظهرت تجربة أخرى شملت 32 امرأة سليمة أن تأخير الغداء ارتبط بضعف التحكم في مستويات سكر الدم وانخفاض قدرة الجسم على حرق الكربوهيدرات.
لماذا لا يتعامل الجسم مع الطعام بالطريقة نفسها ليلًا؟
يربط العلماء هذه النتائج بالساعة البيولوجية التي تنظم عددًا من وظائف الجسم، من بينها عملية التمثيل الغذائي.
وأظهرت دراسة أجريت عام 2022 وشملت أكثر من 800 شخص، أن الجسم تعامل مع الجلوكوز بكفاءة أقل عندما تم تناوله قبل النوم بساعة، مقارنة بتناوله قبل النوم بأربع ساعات. كما سجل المشاركون الذين تناولوا الجلوكوز قرب موعد النوم ارتفاعًا أكبر في سكر الدم وانخفاضًا في إنتاج الإنسولين.
ويرجح الباحثون أن هرمون الميلاتونين، الذي ترتفع مستوياته مع استعداد الجسم للنوم، قد يكون أحد العوامل المؤثرة في هذه الاستجابة. وقد يكون التأثير أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يحملون نسخة معينة من جين MTNR1B المرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
الوجبات المتأخرة قد تزيد الجوع وتخزين الدهون
لا يتوقف تأثير توقيت الطعام عند مستويات السكر، إذ تشير أبحاث إلى أن تناول الطعام في وقت متأخر قد يزيد الشعور بالجوع في اليوم التالي، من خلال التأثير في الهرمونات المنظمة للشهية والشبع.
ويرتبط تناول الطعام ليلًا بانخفاض مستويات اللبتين، وهو الهرمون الذي يرسل إشارات إلى الدماغ بالشعور بالشبع. كما قد يميل الجسم في هذه الفترة إلى تخزين الدهون بدلًا من حرقها.
وأظهرت دراسة شملت نحو 1200 شخص أن تناول الطعام في وقت متأخر ارتبط بارتفاع مؤشر كتلة الجسم لدى الأشخاص الأكثر عرضة وراثيًا للسمنة، في حين ارتبط تناول الطعام في أوقات مبكرة بتراجع هذا الارتباط.
الإفطار المبكر قد يكون أفضل لصحة القلب
وفي دراسة فرنسية شملت أكثر من 100 ألف شخص، ارتبط تأخير وجبة الإفطار بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
كما أشارت النتائج إلى أن إطالة فترة الصيام خلال الليل، من خلال تناول العشاء في وقت مبكر بدلًا من تأخير الإفطار، قد تكون مرتبطة بفوائد أفضل لصحة القلب.
وقد تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لدى العاملين بنظام الورديات، الذين يواجهون اضطرابات في الساعة البيولوجية، مع التأكيد على أن تجنب تناول الطعام ليلًا قد لا يكون مناسبًا لجميع الأشخاص.
هل أنت من الأشخاص الصباحيين أم الليليين؟
تلعب طبيعة النمط الزمني للشخص دورًا في عاداته الغذائية أيضًا. فالأشخاص الذين يميلون إلى الاستيقاظ مبكرًا غالبًا ما يتناولون وجباتهم في أوقات أبكر ويتبعون أنماطًا غذائية أكثر صحة، بينما يميل محبو السهر إلى تأخير الوجبات واختيار أطعمة أعلى في السعرات الحرارية خلال ساعات الليل.
كما يمكن أن يؤثر الحرمان من النوم في الشهية، إذ قد يزيد الميل إلى الإفراط في تناول الطعام واختيار الأطعمة الغنية بالسعرات.
ما أفضل طريقة لتنظيم مواعيد الطعام؟
لا توجد ساعة واحدة تناسب الجميع لتناول الوجبات، لكن الأدلة المتاحة تدعم الحفاظ على مواعيد منتظمة للطعام، وجعل الوجبة الأكبر في وقت مبكر من اليوم قدر الإمكان.
وينصح الخبراء بإدراج الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الحبوب الكاملة والبقوليات والفواكه، ضمن وجبات اليوم، بينما يمكن أن تكون وجبة المساء أخف وغنية بمصادر البروتين، مثل الدجاج والسلمون والتونة، إلى جانب المكسرات والبذور.
وبوجه عام، تشير الأبحاث إلى أن تناول العشاء قبل النوم بنحو ثلاث ساعات على الأقل قد يكون خيارًا أفضل من تناول وجبة كبيرة في وقت متأخر من الليل.
فالساعة التي نأكل فيها قد تكون، إلى جانب نوعية الطعام وكميته، عاملًا مهمًا في تحديد الطريقة التي يستجيب بها الجسم لما نتناوله.