في ذكرى رحيل محمود درويش، لا نستعيد شاعراً غاب بقدر ما نستعيد صوتاً ما زال حاضراً في ذاكرة العربية الحديثة. حمل الهم الفلسطيني من غير أن يحبس القصيدة داخل حدود القضية، وحمل القصيدة إلى فلسطين من غير أن يحولها إلى خطاب أو شعار. بدأ شاعراً للأرض والمنفى والهوية، ثم اتسعت تجربته لتجعل من الحب والموت والزمن والغياب وأسئلة الوجود امتداداً لذلك الجرح الأول لا خروجاً عليه، وكان إلى جانب مكانته الشعرية مجدداً، لا يطمئن طويلاً إلى ما أنجز، ولا يسمح لنجاحه بأن يتحول إلى صيغة يعيد إنتاجها.
لذلك بقي درويش أكبر من صورة «شاعر القضية» وحدها، شاعراً جعل من القضية شعراً، ومن الشعر سؤالاً مفتوحاً على الإنسان والعالم، حيث تقوم رؤية محمود درويش للشعر على أن القصيدة ليست كلاماً جميلاً، ولا تعبيراً مباشراً عن المشاعر، ولا شكلاً لغوياً يمكن تعلمه ثم تكراره، بل محاولة دائمة لاكتشاف إمكانية جديدة داخل اللغة. فالقصيدة الحقيقية لا تضيف نصاً آخر إلى ما كُتب فحسب، وإنما تضيف نبرة أو رؤية أو طريقة في التعبير لم تكن موجودة بالصورة نفسها من قبل. ومن هنا يصبح الشعر بحثاً متواصلاً عن الخصوصية في فضاء مزدحم بأصوات القدماء والمحدثين وبذاكرة شعرية لا يستطيع شاعر أن يبدأ خارجها.
• في الشعر واللغة
الشعر عند درويش كائن لغوي يتمتع باستقلاله الجمالي، وليس مجرد وسيلة لنقل موضوع أو فكرة. قد يبدأ النص من تجربة أو حادثة أو شعور، لكن قيمته لا تتحدد بأهمية موضوعه، وإنما بالطريقة التي يتحول بها ذلك الموضوع إلى لغة وصورة وإيقاع وبناء، فليس كل موضوع إنساني أو مؤثر شعراً، كما أن جسامة التجربة لا تجعل منه شعراً بالضرورة، فالشعرية تبدأ حين يستطيع النص أن يخلق عالمه الخاص وأن يحرر التجربة من المباشرة والتقرير.
ومن هنا تنتمي القصيدة إلى الواقع من غير أن تكون نسخة عنه. إنها تعيد بناءه باللغة وتمنحه وجوداً آخر، فتظل متصلة بمصدرها الإنساني من دون أن تخضع له خضوعاً حرفياً. وربما تكشف هذه الفكرة جانباً أساسياً من تجربة درويش نفسه، فقد كان مطالباً بحكم التاريخ والهوية ومكانته الرمزية، بأن يحمل موضوعاً بالغ الثقل، لكنه ظل يبحث عن المسافة التي تنقذ القصيدة من أن تصبح مجرد شاهد سياسي على ذلك الموضوع.
فالشعر، في تصوره، عدول عن المألوف. نقل للغة من استعمالاتها الجاهزة إلى علاقات جديدة بين الكلمات والصور والأصوات. ولذلك يصبح التكرار واحداً من أخطر ما يواجه القصيدة؛ فما كان اكتشافاً في لحظته الأولى يمكن بكثرة الاستعمال، أن يتحول إلى عبارة مستهلكة. بل إن الابتكار نفسه يشيخ متى أصبح وصفة جاهزة، لهذا تحتل اللغة عند درويش مكاناً يتجاوز كونها أداة للتعبير. فحين يربط ذاته باللغة تصبح اللغة جزءاً من تعريفه لنفسه ومن وجوده الشعري. وهو يصف مشروعه بأنه مشروع «باللغة وفي اللغة». أي إنه لا يستخدم اللغة لنقل معنى مكتمل سلفاً، بل يكتشف المعنى أثناء عمله داخلها واختباره علاقاتها وإمكاناتها وأصواتها وصورها، ولا يعني هذا البحث المستمر أن التجديد يتحقق بهدم اللغة أو بالتساهل في معرفتها. على العكس، فالشاعر لا يستطيع أن يتمرد على نظام يجهله. لذلك تظل معرفة اللغة وإتقانها شرطاً للحرية داخلها، فلا يصبح الخطأ النحوي أو الصرفي تجديداً مثلما لا يصبح العجز عن الوزن تحرراً من الوزن.
ويتصل بذلك رفض درويش الفصل الحاد بين الشكل والمضمون، فليس ثمة معنى شعري مكتمل ينتظر أن يُصَبّ في قالب مناسب، ولا يستطيع شكل جميل أن يمنح فكرة عادية قيمتها الشعرية، ففي الشكل والمعنى يتكونان معاً داخل القصيدة بحيث يصبح فصل أحدهما عن الآخر إفقاراً للنص، فالقصيدة ليست فكرة يمكن تلخيصها ثم الاستغناء عن لغتها، وإنما تجربة لا توجد إلا في طريقة بنائها.
• الشاعر وسط أصوات الآخرين
إذا كانت اللغة تحمل ذاكرة من سبقوا، فإن الشاعر لا يواجه الورقة البيضاء حقاً إنها ورقة مثقلة بما كُتب قبلها بالصور والاستعارات والأوزان والأشكال والتجارب التي استقرت في الذاكرة الأدبية، ولذلك تصبح الكتابة في جانب منها مواجهة مع ما يعرفه الشاعر بقدر ما هي بحث عما لا يعرفه بعد.
هنا تتحدد وظيفة الشاعر عند درويش بعيداً من الصورة القديمة لـ"الشاعر النبي» أو صاحب الحقيقة المطلقة. فالشاعر الحديث لا يقدم أجوبة نهائية، وإنما يطرح الأسئلة ويقترح طرائق أخرى للنظر إلى الإنسان والعالم، وقيمته لا تأتي من ادعاء امتلاك الحقيقة، بل من قدرته على اكتشاف زاوية لم تُستهلك بعد، ولذلك لا تكمن الخصوصية في تعمد الغرابة ولا في رفع الصوت، بل في امتلاك نبرة يمكن التعرف إليها من داخل النص نفسه في بناء الجملة وتكوين الصورة وحركة الإيقاع، وطريقة رؤية الأشياء. وهذه الخصوصية لا يصنعها قرار مسبق، وإنما تنمو عبر القراءة والتجربة ونقد الذات والتخلص التدريجي من هيمنة الأصوات الأخرى.
ومن اللافت أن درويش، رغم المكانة التي بلغها، لم يتعامل مع الشعراء الجدد من موقع المعلم الذي يملك إجابات نهائية، فالتجارب الجديدة تستطيع أن تكشف للشاعر تحولات اللغة والحساسية والذائقة، ويظل الشاعر الحقيقي مهما اتسعت تجربته قارئاً للشعر وقابلاً لأن يتعلم منه، وهنا تصبح الشهرة نفسها امتحاناً: هل تتحول إلى سلطة تحمي الأسلوب المعروف أم يبقى صاحبها قادراً على الشك فيه؟
• الإيقاع والوزن وما بين الشعر والنثر
يحتل الإيقاع موقعاً مركزياً في تصور درويش للشعر. فالشعر لا يستطيع في نظره التخلي عن الإيقاع، سواء أكان ظاهراً أم خفياً، ناشئاً من الوزن أم متحققاً بوسائل أخرى. والإيقاع بهذا المعنى أوسع من البحور والتفعيلات؛ إنه حركة اللغة داخل النص، وعلاقة الصوت بالدلالة، وطول الجمل وقصرها والوقف والتنفس وتجاور الكلمات وتكرار الحروف، وانتقال النبرة بين الصعود والخفوت
ومن هنا يميز بين سلامة الوزن وجمال الإيقاع. فقد تكون القصيدة صحيحة عروضيا ولا تمتلك حياة موسيقية، لأن انتظام التفعيلات لا يكفي وحده لصنع الشعر. الإيقاع الحقيقي يُسمع في الطريقة التي تتحرك بها الجملة وفي العلاقة التي تنشأ بين أصوات الكلمات ومعانيها، ولهذا كانت الأذن جزءاً من الكتابة عند درويش، لا مجرد أداة للإلقاء بعد اكتمال القصيدة. كان يقرأ ما يكتب بصوت مرتفع، ويختبر مواضع التنفس والوقف واحتكاك الكلمات، ويسجل نصوصه في بعض المراحل ثم يستمع إليها ويعيد النظر فيها، قبل أن يستعيض أحياناً عن التسجيل بدندنة الأسطر واختبار موسيقاها.
أما الوزن فهو واحد من مصادر الإيقاع، وليس الإيقاع كله، ولذلك لا يضمن الوزن الصحيح وجود الشعر مثلما لا يعني غياب الوزن بالضرورة غياب الشعرية، لكن من يختار الوزن مطالب بمعرفته وإتقانه، لأن كسره عن جهل لا يمثل تجديداً، والتحدي كما يظهر في تجربة درويش هو أن يصبح الوزن مرناً إلى درجة لا يشعر معها القارئ أنه قيدٌ مفروض على الجملة، بل طريقة طبيعية لتنفسها. وعند هذه النقطة تبرز علاقته بقصيدة النثر. لم يكن موقفه قائماً على رفضها لأنها بلا وزن، فالنثر الفني نفسه يمكن أن يمتلك إيقاعاً وكثافة عالية. والسؤال الأكثر جوهرية عنده ليس: هل النص موزون أم غير موزون؟ بل: ما الذي يجعل هذا النص شعراً؟
ذلك السؤال أهم من التصنيف نفسه. فإذا تخلى النص عن الوزن، ثم تخلى كذلك عن الإيقاع والكثافة والتوتر اللغوي والصورة والتحويل الشعري للغة، فبماذا يتميز من النثر العادي؟
وقد حاول درويش في جانب كبير من مشروعه أن يقيم مصالحة بين مرونة السرد وموسيقى الشعر.. أن يستخدم الحوار والتفاصيل والبناء السردي، وأن تبدو الجملة أحياناً قريبة من النثر، مع بقاء حركة داخلية تضبطها موسيقياً. أراد، بمعنى ما، أن يكتب الوزن كما لو كان يسرد، وأن يجعل الجملة التي تقترب من النثر قادرة على الغناء من الداخل، وهذه ليست مسألة تقنية فحسب، فهي تمثل أحد الأسئلة الكبرى في تجربته؛ كيف يستطيع الشاعر الاحتفاظ بميراث الموسيقى العربية من غير أن يصبح أسيراً له؟ وكيف يستفيد من حرية النثر من غير أن تتحول القصيدة إلى نثر مقطع؟
• الغنائية واتساع الأنا
لا تعني الغنائية عند درويش أن تكون القصيدة مكتوبة لكي تُغنّى، وإنما حضور صوت الفرد وعلاقة الأنا بوجودها وذاكرتها ومحيطها. وهي عنصر لم يشأ التخلي عنه حتى حين اتجه إلى النصوص الطويلة والمركبة وإلى السرد والحوار وتعدد الأصوات.
لكن الغنائية التي يبحث عنها ليست بوحاً مباشراً أو استعراضاً للذات، فالـ «أنا» الشعرية تستطيع أن تبدأ من التجربة الشخصية ثم تتجاوزها، حين تتحول إلى صياغة يجد الآخرون فيها شيئاً من تجاربهم هم، وهنا يتحول الخاص إلى عام، لا لأن الشاعر يتخلى عن فرديته، بل لأنه يمنحها شكلاً إنسانياً أوسع ولعل هذا من أكثر جوانب تجربة درويش اتصالاً بسيرته الشعرية نفسها. فقد حملت قصيدته أسماء الأمكنة والمنفى والهوية والتجربة الفلسطينية، لكنها استطاعت، في مراحل نضجها، أن تجعل الفقد والغياب والخوف والحب والموت أسئلة تتجاوز صاحبها ومكانها الأول. لم تختفِ فلسطين، بل تغير حضورها من موضوع يُسمّى مباشرة إلى ذاكرة عميقة تعمل داخل اللغة والصورة والذات.
• التجديد بوصفه نقداً دائماً للذات
ربما تتجمع أكثر أفكار درويش دلالة في موقفه من التجديد، فهو لا يراه تغييراً خارجياً في شكل القصيدة ولا تخلياً عن الوزن أو القافية لمجرد إعلان الحداثة، وإنما قدرة على اقتراح علاقة جديدة باللغة والصورة والإيقاع والبناء، والأخطر على الشاعر هنا ليس فشله بل نجاحه. فالأسلوب الناجح يمكن أن يتحول إلى سجن، والنبرة التي أحبها القراء قد تصبح إغراءً بإعادة إنتاج القصيدة نفسها، ولهذا يصبح على الشاعر أن يتمرد على منجزه الشخصي مثلما يتمرد على الموروث.
كان درويش يرى نفسه أول ناقد لشعره، ولا يتعامل مع قصيدته السابقة بوصفها نموذجاً ينبغي تكراره، بل باعتبارها مرحلة ينبغي تجاوزها. وكان يخشى أن يصبح أسير صوته المعروف، أو أن يكتب النص الذي يتوقع القارئ مسبقاً أن يكتبه محمود درويش، لهذا احتاج إلى مسافة بينه وبين ما كتب. يعود إلى النص بعد زمن ويحاول أن يقرأه كما لو كان لشاعر آخر، فإذا تعرف فيه بسهولة إلى عاداته السابقة صار ذلك مدعاة للشك والمراجعة، أما إذا أحس أمامه بشيء من الغرابة والدهشة فقد يكون قد اقترب من منطقة جديدة.
ولا يعني التطور، في هذا التصور، أن تكون كل قصيدة أطول أو أعقد من سابقتها. قد يحدث التجديد في البساطة وفي الاقتصاد اللغوي وفي تخفيف البلاغة وفي تركيب الجملة أو العلاقة بين الغناء والسرد، أو حتى في العودة إلى قصيدة قصيرة بعد تجربة طويلة ومركبة. المعيار ليس حجم التغيير، بل مقدار ما يفتحه من إمكان لم يكن مطروقاً بالطريقة نفسها.
وتنسجم طقوس الكتابة لديه مع هذا القلق. فالقصيدة قد تبدأ من جملة أو صورة أو إيقاع أو إحساس غير واضح، لكن الشرارة لا تكفي، بعدها تأتي المراجعة والإنصات والحذف وإعادة البناء. ومنذ أوائل الثمانينيات أخذ يتعامل مع الديوان بوصفه «كتاباً شعرياً» له موضوعه وبنيته الكلية، لا مجموعة نصوص متفرقة جُمعت بعد كتابتها.
ومع ذلك لم تتحول الكتابة إلى خطة مغلقة. فالقصيدة، بالنسبة إليه، ينبغي أن تحتفظ بقدرتها على مفاجأة شاعرها. يبدأ منها وهو يعرف شيئاً، ثم يسمح للغة والذاكرة والوعي واللاوعي بأن تقوده إلى ما لم يكن قد حدده سلفاً قبل أن يعود ليختبر البناء ويضبطه، وهنا ربما نصل إلى المفارقة الأعمق في تجربته. كان الانضباط شرطاً لكي تحدث المفاجأة، وكانت المعرفة شرطاً لكي يصبح التمرد ممكناً.
• ما يبقى من درويش
إذا جمعنا هذه الرؤية في خيط واحد بدا الشعر عند محمود درويش بحثاً دائماً عن لغة لم تُستهلك، وعن إيقاع لا يتحول إلى قالب، وعن صوت يستطيع أن يحتفظ بخصوصيته وسط كثرة الأصوات. ليس الشعر عنده موضوعاً مهماً مصوغاً في كلمات جميلة، بل علاقة عضوية بين اللغة والمعنى والصورة والإيقاع والبناء
ولم تكن هذه الأفكار تنظيراً منفصلاً تماماً عن تجربته. فمن يتابع تحولات شعر درويش يستطيع أن يرى ذلك القلق من الاستقرار ينتقل من مرحلة إلى أخرى؛ من وضوح القصيدة الأولى إلى تركيب أكثر تعقيداً، ومن حضور الموضوع الوطني المباشر إلى اتساع السؤال الإنساني، ومن الغنائية الصافية إلى مصالحتها مع السرد والتأمل والحوار، ومن الموسيقى الظاهرة إلى إيقاع أكثر خفاء ومرونة.
ولذلك ربما لا تكون أهم وصية شعرية يمكن استخلاصها من تجربته مرتبطة بالوزن أو النثر، ولا بالشكل أو الموضوع، بل برفض الاطمئنان إلى المنجز. فما إن تصبح الطريقة مألوفة حتى يبدأ البحث عما وراءها، وما إن يتحول الاكتشاف إلى عادة حتى يفقد شيئاً من ضرورته.
بعد سنوات على غيابه، لا يزال محمود درويش حاضراً، لأن شعره لم يبق أسير اللحظة التي أنتجته، مثلما لم تبق فلسطين في قصيدته مجرد عنوان سياسي. تحولت الأرض إلى ذاكرة، والمنفى إلى سؤال في الوجود، والهوية إلى بحث عن الذات والآخر، والموت إلى امتحان للغة نفسها. وربما لهذا لم يكن مشروعه بحثاً عن القصيدة النهائية، بل عن بداية جديدة في كل مرة؛ وكأن الشعر، عنده، لا يبقى حياً إلا حين يظل ممكناً.
• المراجع
1. محمود درويش، «حوار مع محمود درويش عن السياسة والشعر وتجربة الموت»، حاورته جيزيل خوري، برنامج «حوار العمر»، المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBC) لبنان، 15 تموز 2001.
2. محمود درويش، «حوار مع محمود درويش»، حاوره سامر أبو هواش، مجلة نزوى، مسقط، العدد 29، كانون الثاني 2002.
3. محمود درويش، حوار حول الشعر واللغة وطقوس الكتابة، حاوره حسن نجمي، أُجري في الرباط – المغرب، ونشر في «الدستور» الأردنية، 28 شباط 2004، نقلاً عن حوار منشور في صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» المغربية.