تمثّل مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 مسارا مغايرا للقضية الفلسطينية، فالأحداث التي تمخّضت منها غيرت مواقف دول وشخصيات عالمية، وحجم المجازر التي حدثت مأساوي، وأبرز ماهية الاحتلال وأحقية القضية الفلسطينية.
كل هذا سيتابعه أيضا نتاج أدبي يحاول تفكيك هذه المرحلة وصياغة سؤال جوهري عن قيمة الإنسانية. هكذا في رواية «رئيس دير بيت لحم» الصادرة عام 2026 عن منشورات فلاماريون بفرنسا ومنشورات القصبة بالجزائر، يكتبُ ياسمينة خضرا برمزية السرد حول القضية الفلسطينية، وفي محاولة التعريف بها، ليس كحادثة عرضية نتجت ما بعد السابع من أكتوبر، بل كسؤال إنساني ضروري لفهم ما نعيشه اليوم.
الرواية تسلك منحى سرديا غير خطي، تجريبي من حيث صياغة ثلاث قصص تتحاور من خلال العمق التاريخي والروحي الذي ستمثله قصة الرجل العجوز في الأردن، والواقع الثقافي والإعلامي العالمي المخزي وسكوته الممنهج حول المجازر التي تُرتكب، وأيضا قصة كفاح وليد وعائلته في الأراضي الفلسطينية.
تبرز حادثة خطف مدير دار النشر «ألكسندر ياكوفليفوي» من طرف «وحيد»، محرّكا رئيسيا للأحداث، فيبني خضرا واجهة الصراع المستمر في فلسطين، ويجعلُ من السرد المعيار لفهم القضية، فعندما يُقْدم على إعطاء صوت السرد لـ «وحيد»، يجعل «ألكسندر» يسمع قصة هذه الأرض رغما عنه، وهي في الحقيقة محاولة لإسماع هذا الصوت لكل قارئي الرواية في العالم، رمزية الخطف تزداد قوّة عندما يكون هذا مسالما بحيث يريد الخاطف أن يسرد فقط؟ هذا التصريح يؤدي إلى نوع من التعاطف في خضم العزل المفروض على قضية فلسطين والاحتلال الاسرائيلي لها والذي يستمد قوته أيضا من سكوت العالم ومن تهيئة مجال خصب للمحتلّ استنادا للخطاب الإعلامي والوسط الثقافي والسياسي الذي يشرعن احتلالا قسريّا بغير وجه حق.
يمارس الخاطف على رهينته سلطة تاريخية يجتاح بها فكر القارئ وجهده، من حيث أنّنا أمام معمار سردي يضع القارئ أمام قصة بداية هذه المأساة وكيف أنّها شكل غير إنساني من الوجود، هنا يكون الخطف ليس مجرد جريمة سيُدان عليها صاحبها، بل محاولة للبوح في زمن صار مجرد الحديث فيه جريمة يدان عليها صاحبها، لأنّ الإشكالية الحقيقية تبدو بعدم معرفة العالم بالقضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني الذي باركته كبريات الدول ووسائل الإعلام العالمية.
لقد جاء رفض «ألكسندر» نشرَ مخطوط «وحيد» كعلامة أخرى على التضييق الذي يعيشه كل ما له علاقة بفلسطين في فرنسا، فدور النشر أيضا تمنع صدور كتب حول هذه القضية، لذلك تأتي دار النشر «السين» المملوكة من طرف «ألكسندر» كصورة عن واقع أليم تتخبط فيه ديمقراطية فرنسا والغرب.
من أهم المحطات في العمل هي الحسرة والحيرة التي سيقف فيها «وحيد» عندما يرى صورة صديقه القديم «أدرييل» على شاشة التلفاز وهو «يكذب على العالم بأسره بشأن مخبأ أسلحة في الطابق التحتي لمستشفى تحوّل رمادا، بعد أن اقتحمه جنوده في غزّة»، لم يكن يعتقد أن «أدرييل» السابق سيرتكب كل هذه الفظاعات وهو الذي كان يتحدث عن السلام والابتعاد عن هذه الحرب القذرة، ولكن فيما بعد سيصير أحد أوجه هذا الإجرام، في حين سيتأكد «وحيد» أنّ الاحتلال الصهيوني يبتلع كل شيء.
في الحوار الأخير، يُسائل «وحيد» إنسانية العالم من خلال الخطاب الذي يوجهه لـ «ألكسندر» حينما يجعله يمثل أمام جرائمه، فكيف لرجل فرنسي من أجداد أوروبيين أن يترك كل شيء ويذهب لفلسطين كي يقتل الأبرياء باسم الصهيونية؟ يحتار «وحيد» من كل هذا، ونحتار معه أيضا لكل المآسي التي تستمر.
في هذا العمل يحافظ ياسمينة خضرا على البعد الإنساني لشخوصه، فهو يعتقد دائما أنّ السذاجة التي يزرعها في شخوصه ما هي إلا النقاء الذي يجب أن تكون عليه الإنسانية لبناء عالم أفضل، في حين يبدو أنّ هناك من لا يرى في هذا الخيار شكلا مميزا من الكتابة الأدبية التي يجب أن تشتغل بعمق أكثر دون السقوط في تكرار شخصيات تؤمن بالإنسانية والنقاء بإفراط وسط كل هذا الخراب.