الرأي الثقافي

عزلةٌ فسيحة ورأسٌ واحد

«ع ز ل ة ف س ي ح ة»، تمتم لنفسه ببطء وهو يتأمل الفسحة من حوله، «عزلة فسيييييحة»، كرّر، وهو يهنئ ذاته على المساحة الواسعة التي انتقاها لقضاء ما تبقى من حياته. هنا يمكنه إجراء تجاربه التي حلم بها؛ دون أن يزعجه أحد بعد الآن. وقف، قاس المساحة بأقدامه، دار حول الجدران الأربعة، (4*4)، «مساحة فسيحة، فسيحة»، لا شيء غير هذه الفكرة التي تردد صداها في رأسه كان يمكن أن يسعده أكثر.

عاد إلى السرير، قطعة الأثاث الوحيدة في المكان، تمدّد، فرد ذراعيه وأقدامه، حركها حركات بهلوانية خرقاء، متحسساً كامل مساحة السرير بجسده. تذكر تلك الليالي، بالكاد كان يجد فسحة كافية لجسده الصغير، يجلس متكئاً على الحائط، يرفع ركبتيه إلى مستوى صدره، أحياناً يسند رأسه الهش إلى قدميه ويغفو، يميل رأسه أحياناً دون أن يشعر، فيصطدم برأس آخر، يحدث دوّي مؤلم، قد ينتهي بشجار، إذا لم يحالفه الحظ بجار طيب.

أحياناً أخر، يحدث أن يقلّ عدد الزبائن عن المعتاد، فيستمتع بوضع رأسه على الأرض متكئاً على ذراعيه، ينكمش باقي الجسد، يلتف حوله كجنين. غالباً ما امتلأ المكان الضيق بالأجساد، أجساد كبيرة، أجساد صغيرة، أجساد غير متناسقة. كانوا يتغيرون بسرعة، كأن السجان يخشى الحميمية بين زبائنه، فيعمد دوماً إلى تبديل الأماكن والزنازين، كي لا تنشأ بينهم أي علاقة، مهما كان شكلها. عداه هو، ظلّ ثابتاً في المكان، ربما حدس السجان نفوره من البشر، ورغبته الدائمة بترك شقّ يسير بينه وبين الأجساد الأخرى؛ فتركه وشأنه.

'عزلة فسيحة»، عاد يردد في نفسه، «ورأسٌ واحد»، أضاف بتجلٍّ. وقف ثانيةً، اتجه نحو النافذة الوحيدة في المكان، نظر من خلالها إلى الخارج، تابع البشر على مختلف ألوانهم، بشرة بيضاء، بشرة صفراء، بشرة بلون الطين. لم يفهم يوماً حاجتهم البائسة للتقارب، مقت تلك الألفة المتولدة من تلامس جسدين، لاحت له وهو يتأمل تجمعاتهم، صورة الديدان في الحقل الكبير، كانت تنبثق من العدم، ما أن تهطل أمطار الربيع، حتى تتجمع في بقع ضيقة، رغم المساحة الفسيحة من حولها، تتلوى فوق بعضها بعضاً، فيشمئز جسده ويقشعر جلده، يفر هارباً حتى لا يراها، لكنها بقيت معه دوماً، حتى في أحلامه.

راقب المكان المزدحم في الخارج، هنأ نفسه على اختياره المكان المناسب، خطط للأمر في آخر أيام إقامته في السجن، احتاج مكاناً منعزلاً، يراقب فيه البشر من بعيد، ويسجل ملاحظاته عنهم، دون أن يضطر لملامسة أي جسد. هنا، يمكن لرأسه أن يتمدّد كلّما ملأه بالمعلومات، لكن، ماذا لو انتفخ رأسه حتى لم يعد يتسع له المكان؟ بهت من الفكرة، غير أنه اطمأن حين فكر بأنه يمكنه عندها فتح النافذة، والسماح لرأسه أن يطير بعيداً، مثل بالون، ويحلّق نحو السماء، على أي حال، ما حاجة رأس مشنوقٍ لجسد!