كان مفلح العدوان في مخيلتي قبل الخوض في مجموعاته القصصية التي صدرت تباعًا منذ التسعينيات، ذلك الكاتب المسرحي المعروف أو الأديب الذي أخذ بيد القرى لتبوح بهواجسها وحكاياتها وما خفي من تاريخها القديم، وربما كان مرد ذلك أنّ الفترات الزمنية الفاصلة بين صدور المجموعات الأخيرة امتدّت لثماني أو تسع سنوات، فترة طويلة نسبيًا من الصيام القصصي مما يوحي بانشغاله بالمسرح -فيما أقدّر- الذي يأتي في المقام الأول، تليه القصة ثم المكانيّات أو أدب المكان.
في رصيده سبع مجموعات قصصية: «الرحى» (1994) وحازت على جائزة محمود تيمور، «الدوّاج» (1996)، «موت عزرائيل» (2000)، «موت لا أعرف شعائره» (2004)، «شجرة فوق رأس» (2009)، «هب لي عينًا ثالثة» (2018)، و'النباح الأخير» (2026).
على صعيد العناوين نلاحظ تصاعد مستوى الطاقة الإيحائيّة، ففي «الرحى» و'الدواج» -وهما مفردتان من الموروث الشعبي- نشم رائحة التراث، ونرى طفلًا في السابعة بجبهة سمراء في سبعينيات الزرقاء -المدينة حجمًا والقرية إيقاعًا- يمشي في أحد الحواري ويلتقط مفردات بيئته بنهم الأطفال وفضولهم. قصة «الرحى» نص مفتوح على الخوف والقلق والجوع، نرى المرأة ذات الوشم تلقّم الرحى ترابًا بيدين معروقتين، وهذه إشارة قابلة للتأويل: ربما تعني العدمية؛ فالتراب المطحون يبقى ترابًا، وربما تشير إلى الفقر والقهر في نسخة محدّثة من القصة المعروفة لتلك المرأة مع عمر بن الخطاب عندما رآها تطبخ الحجارة لأطفالها الجياع. وتعكس قصة «إنه الجوع يا معلم» أجواء مماثلة من الانحياز للقمة العيش على حساب الأفكار الكبيرة والثورية.
بينما في «موت عزرائيل» و«موت لا أعرف شعائره» نواجه صخب الأسئلة الكبرى، نقف مباشرة أمام المدفع الذي قد ينفجر في أيّ لحظة ويصدر دويًّا يصمّ الأذان، لكن في أي من مجموعات العدوان يجب أن نشير إلى أنّه لا يكتب قصة تسلّم نفسها للقارئ بكل وداعة وهدوء، فيبتسم باقتضاب أو يدخل في لحظة تأمل قصيرة ثم ينتقل الى القصة التالية. لا، هذا لن يحدث. القارئ شريك عضوي في العملية الإبداعية، عليه أن يبحث عن المعنى، أو عن المعنى الذي يناسبه على الأقل. المتعة المجانية أو السريعة ليستا من خصائص القصة التي يكتبها. في كل المجموعات وجدته يحمل معولًا كبيرًا ويجدّ في تكسير الحكايات والمنظومات والموروثات ليعيد بناءها من جديد بحس فني مختلف أكثر إثارة وأكثر رقة وربما أكثر معنى. لا أعرف كيف ظلّت هذه الصورة تتسلل إلى ذهني كلما تقدمت في القراءة: مفلح المهندس الكيميائي الذي عمل لفترة في مناجم الفوسفات الأردنية يحمل معولًا يهوي به على الصخر لتفتيته واستنطاقه وإعادة تشكيله.
يقول عبد الفتاح كيليطو: «دراسة نوع تكون في نفس الوقت دراسة للأنواع المجاورة». والمقصود هنا أن أي جنس أدبي لا يمكن فهمه بمعزل عن الأجناس الأدبية الأخرى؛ لأن الأجناس لا تعيش في عزلة، بل تؤثر في بعضها بعضًا وتتبادل الخصائص فيما بينها. فالقصة لا تكتفي بأدوات السرد، وإنما تنفتح على المسرح بما فيه من حوار ومشهدية وصراع، وعلى الشعر بلغته الإيحائية، وعلى التاريخ والأسطورة والموروث الشعبي، بل وعلى أدب المكان بوصفه عنصرًا بنائيًا في تشكيل الدلالة.
لنعد الآن إلى البدايات، إلى «الرحى» التي صدرت عام 1994، كانت الأسماء المكرّسة في القصة محدودة الى حد ما، وليس كما هي الحال اليوم، لكن المجموعة تخطف جائزة محمود تيمور وتلفت الانتباه إلى هذا الشاب ذي الثامنة والعشرين ربيعًا. من يقرأ المجموعة يدرك نوع الكتب والقراءات التي انشغل بها صاحب «الرحى': التوراة والإنجيل والقرآن والتراث الشعبي والأسطورة والتاريخ الميثولوجي. في «ميشع لا يسجد للحبشة» -وهي من قصص المجموعة الأولى- نرى ميشع في مواجهة أبرهة الأشرم صاحب الفيل في نص مركب من جزئيات كثيرة، ونرى استحضار الحكايات الدينية والتاريخيّة ضمن منظومة الهدم وإعادة بناء المعنى. وهذا ما يحدث أيضًا في قصة «لعازر الذي أقامه المسيح من الموت بعد أربعة أيام»، يدمج هذه الحادثة التي وردت في الإنجيل بقصة أهل الكهف التي وردت في القرآن، ويخرج بقصة لها أحداث ودلالات مختلفة.
وعندما قرأت قصة «الدواج» من مجموعته الثانية أدركت أن مفلح العدوان مثل من أحَبّ ابنة الجيران لعشرين عامًا، ولم يدرك ماهية هذا الحب إلّا عندما سمع في الحارة أنّ أحدهم تقدّم لخطبتها. ما أريد قوله هنا إنّ مرحلة اكتشاف الذات تستمر مع تجربة المبدع ولا تتوقف عند حد معين، في داخل مفلح مسرحي متجبّر، لذلك جاءت قصته وحبكتها ولغتها وثيماتها المركبة والمتشابكة وربما الجدليّة على النمط أو الأسلوب الذي نعرفه، فهو يختار موضوعاته بعناية ويقاربها بأسلوب يدفعك للشعور بأن القصة يمكن أن تتحول إلى المسرح بسهولة ويسر كما في «موت عزرائيل» على سبيل المثال، فهناك الصوت السماوي، وهناك «ميكا إيل» و'إسراف إيل» والحوار الذي يكشف نزعة الحياة ومعنى الموت. في «موت عزرائيل» جرأة في الطرح والمقاربة وانعتاق الخيال من أي تابوهات ممكنة. شرط الإبداع الأساسي والأول الحرية ولا شيء غير الحرية.
لكن طوال الوقت أثناء قراءة المجموعة الثانية وفصول أوبرا «الدوّاج» تتصاعد في مخيّلتي. كل العناصر حاضرة ومتحفّزة للانطلاق؛ الشخصيات: الدواج الوطني المقاوم، الآخر الواشي، العنود الحبيبة، أصحاب الأحذية الثقيلة المعتدون، العجوز الصوت الذي يدعو للحذر والتعقّل. وهناك الرمزيّة أيضًا: القرى أي الوطن، والفجر وهو الحريّة، البقجة التي يحملها وهي السلاح الذي يهرّبه ويوزعه على أهل القرى. الخط الدرامي واضح ومتصاعد وصولًا إلى مشهد الأسر والتعذيب. اللغة تشتمل على طاقة شعورية عالية وصور تلامس قصيدة النثر في مناسبات كثيرة، لكن الحوار بطبيعة الحال بحاجة لمعالجة مختلفة لتناسب الشكل الجديد للمادة الإبداعيّة. في المستقبل القريب عندما يصبح لدينا دار الأوبرا الأردنيّة كمؤسسة وطنية ثقافية فنيّة لنأمل بأن يلتفتوا لهكذا أعمال تنطلق من الموروث الشعبي لتعبّر عن الشخصية الجمعيّة والكينونة الثقافية.
في «موت لا أعرف شعائره» توجه للتجريب الجاد والبحث عن مساحات غير مأهولة، وقصص المجموعة كلها بالمناسبة مذيّلة بـ «فرنسا-شامبين» (2001)، وهي القصص التي كتبها في جائزة التفرغ الإبداعي التي تمنحها منظمة اليونيسكو. دائمًا ما يشدّني تقاطع الأفكار والهواجس عند المبدعين؛ في «موت لا أعرف شعائره» الصادرة عام 2004 يتحدّث العدوان عن قبر إلكتروني بأسلوب سوريالي بحت ولغة إيحائية ساطعة، وفي «طشّاري» لأنعام كجه جي الصادرة عام 2013 هناك مقبرة إلكترونية أيضًا لكن بطرح واقعي ولغة متساوقة مع واقعيتها، وتبقى سورياليّة الفكرة قائمة بطبيعة الحال في العملين.
ولو أردنا الإسهاب في الحديث عن السوريالية لخضنا في قصة «هب لي عيناً ثالثة»، لكننا سنكتفي بهذا الحد ونتوجه مباشرة إلى «مشنقة على رقبة دون كيخوته»، وهي قصة من قصص المجموعة السادسة التي أشرنا إليها في مفتتح الحديث. يشعر ثيربانتس أن النهاية التي وضعها لدون كيخوتة في الرواية غير منصفة، ويثقل عليه الشعور بالندم، ويقرّر أن يعدّل النهاية في اللحظة الأخيرة. في المقابل نرى هذه النهاية المبتغاة تتجسد من خلال المسار الثاني للقصة. كيخوته يقطع الصحراء على بعير البدوي في رحلة التطهر نحو الشرق؛ نحو نهر الأردن. يصل أخيرًا إلى الموضع على النهر حيث رمى النبي إيليا رداءه ثم صعد إلى السماء بمركبة تجرها خيول النار. ينتظر كيخوته المركبة والخيول ويظل منتظرًا هناك النهاية الجديدة التي أرادها له ثيربانتس.
برأيي أن هذا العمل يشتمل على أركان العمل المسرحي وأهمها الفكرة الفانتازية القابلة للتأويل والتّلقي، الصراع الداخلي عند ثيربانتس، الرحلة الملحميّة إلى نهر الأردن، الشرق والغرب، الروائي والراوي، الندم والتطهر، الوهم والحقيقة، الخيال والتخيّل.
في «النباح الأخير» نجد عملًا يبحث في شخصية المكان وحكاياته وتاريخه وثقافته، ويحتفي بأبعاده المحسوسة وغير المحسوسة، ويقدّم معرفة وتأصيلًا للبعد المكاني باعتباره الثابت وما تبقى من بشر وزمن وحدث هم المتغير، من وادي رم إلى جبل بني عوف وأم الرصاص وعفرا ومؤتة والزرقاء وخربة قمران.
في قصة «النباح الأخير» يأخذنا العدوان إلى قرية الرجيب شرق عمان وقصة أهل الكهف التي يعيد إنتاجها بطريقة تناسب وعيه الثقافي والإبداعي، وفي «العثماني» نعود إلى الفدين وحسبان وزيزياء، وفي «عربات لعسكر مصر» نرى طبقة فحل والعربات التي كانت تصنعها المدينة لبطالمة الإسكندرية، وفي «المجوس يحرقون البازلت» نحن في حضرة ذيبان وفي سبيل الحوريات في فيلادلفيا عمان، وفي «الموءودة الغريقة» نصل إلى أيلة العقبة.
وفي قصة «عرس ابنة الخوري» نجد أنفسنا في القرن السابع عشر في الفحيص ونرى إشارات إلى حكايات شعبية وأساطير مثل طائر السيمرغ كما ظهر في كتاب «منطق الطير» لفريد العطار، ونرى البلدانيات كما في «بوح القرى» عندما أشار السرد إلى سبب تسمية الفحيص بهذا الاسم، ونرى التراث كما في قصة الطعام غير المملَّح، ونرى التاريخ أيضًا، فقصة ابنة خوري الفحيص مع الأمير جودة المهداوي حادثة تاريخية معروفة، وقد أشار الكاتب إلى القبيلة المنقذة التي هبّت لمساعدة الخوري دون ذكر اسمها، ومن المعروف أن عشائر البلقاء وعلى رأسهم العدوان اتحدوا لإنهاء إمارة المهداوي بعد هذه الحادثة. وهناك رواية جميلة لقاسم توفيق بعنوان «ماري روز تعبر مدينة الشمس» تتحدث في أحد مساراتها عن قصة ابنة خوري الفحيص.
وعن تداخل الأجناس لننظر في هذا المقطع القصير من القصة مدار الحديث: «كانوا أربعين/ ولم يكن بينهم سارق ولا قاطع طريق/ وكانت خيولهم تسير بهم، كأنها تسابق الريح، وهم فرسان جنّدوا أرواحهم في سبيل مريم/ تجاوزا النهر، وكانوا قبل حين وراءه/ جازوا الجبال وكانوا دوما حماتها». سرد بسيط مكثف لكن فيه حس شعري لطيف. وخلاصة الخلاصة هنا أنّ قصة قصيرة من سبع صفحات اشتملت على تداخل واضح بين السردي والشعري والمكاني والتاريخي والأسطوري والتراثي.
وفي قصة «سبيل الحوريات» نرى هذا النص بعنوان حيرة: «ذات صمت، تراءت لي حورية السبيل../ كنت متخمًا بالانتظار، بينما عربات الوقت تمضي، وأنا السائل، فمن ذا الذي يقرض الحائر لحظة إياب/ قالت: كل الجهات غطاها الغياب/ قلت: أينكِ، يا راعية الأجنحة الرياحين/ قالت: فرس الروح مشرئبة رغبةً بالقدوم/ قلت: ما زال متسع للقرب، عاليًا حيث لا ظلمة الإسفلت، ولا اختناق السيل». مجموعات مفلح العدوان تزخر بالمقاطع الشعرية على شاكلة هذا النص.
وخلاصة ما سبق: ينبثق إبداع مفلح العدوان في ثلاثة أقانيم متداخلة غير منفصلة: المسرح والقصة والنص المكاني المشحون بحس شعري هادئ والمعجون ببعد تاريخي ثقافي أسطوري تراثي معرفي صاخب. هناك قصص كثيرة بنفس مسرحي، والسبب وراء ذلك هو الطبيعة الملحمية للصراع واللغة الإيحائيّة، بالإضافة للبناء النفسي المركّب للشخصيات. ويبقى السؤال الأهم: هل كان هذا التداخل دائماً في مصلحة النص؟ هل طغى المسرحي على القصصي؟ هذا يحتاج إلى دراسة أكاديميّة متخصصة وليس مداخلة انطباعية سريعة. لكن ما أستطيع قوله إنّ هذا التداخل صنع شخصيّة مختلفة لقصص العدوان، صنع له بصمة سردية واضحة ضمن مشروع إبداعي متسق المعالم.