عربي ودولي

إسرائيل تفكك ((اتفاق أوسلو)) تدريجياً

الاحتلال يفرض ضماً فعلياً للضفة الغربية

الاستيطان يتعمق داخل المناطق الفلسطينية

استيلاء على الأراضي وتجميد لـ«أموال المقاصة»

نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالاً افتتاحياً للكاتب إيتمار آيخنر بعنوان «تفكيك أوسلو»، تناول تقريراً شاملاً أعدته حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، يوثق، بحسب الحركة، سياسة منهجية تتبعها الحكومة الإسرائيلية لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً وأمنياً، من خلال سلسلة من الإجراءات في المنطقتين (أ) و(ب) من الضفة الغربية، من دون إعلان رسمي أو تشريع صريح، بما تعتبره الحركة ضماً فعلياً للأراضي الفلسطينية وانتهاكاً لاتفاقيات أوسلو والقانون الدولي.

وتستند هذه الإجراءات إلى تغيير تدريجي في طبيعة السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، إذ قسمت اتفاقيات أوسلو الثانية، الموقعة في أيلول 1995، الضفة إلى ثلاث مناطق؛ تخضع المنطقة (أ) لسيطرة مدنية وأمنية فلسطينية كاملة، والمنطقة (ب) لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، فيما تخضع المنطقة (ج) لسيطرة إسرائيلية كاملة.

وكان يفترض أن يكون هذا الترتيب مؤقتاً إلى حين التوصل إلى اتفاق دائم في الأول من كانون الثاني 1999، إلا أن الترتيبات المؤقتة لا تزال قائمة.

ومنذ الانتفاضة الثانية، بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات داخل المنطقة (أ)، في مخالفة لروح الترتيبات التي نصت عليها الاتفاقيات، إلا أن تقرير «السلام الآن» يشير إلى أن العام الماضي شهد تعميقاً ملحوظاً لهذا المسار، لم يقتصر على الجانب الأمني، بل امتد إلى تولي سلطات مدنية فعلية في مناطق يفترض أن تكون خاضعة للولاية الفلسطينية.

وتبرز الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل، أو ما يعرف بأموال المقاصة، كإحدى أبرز الأدوات التي تقول الحركة إنها تستخدم لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً. فإسرائيل تجبي الضرائب المفروضة على الواردات والوقود والسجائر لصالح السلطة الفلسطينية عند المعابر الحدودية، بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع في إطار اتفاقيات أوسلو، وتبلغ قيمة هذه الأموال نحو 11 مليار شيقل سنوياً، أي ما كان يمثل تاريخياً أكثر من 60 بالمئة من موازنة السلطة الفلسطينية.

ووفق التقرير، لم تحول الحكومة الإسرائيلية الحالية سوى نحو نصف الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية خلال السنوات الثلاث التي سبقت 2025، فيما توقفت عن تحويل أي أموال منذ حزيران 2025، الأمر الذي أدى إلى تعميق الأزمة المالية التي تواجهها السلطة.

وفي موازاة الضغط الاقتصادي، يشير التقرير إلى نقل صلاحيات مدنية إسرائيلية إلى المنطقتين (أ) و(ب)، ففي شباط 2026، قرر المجلس الوزاري السياسي والأمني الإسرائيلي السماح للإدارة المدنية الإسرائيلية بإنفاذ ومراقبة قضايا تتعلق بالبيئة والمياه والآثار في هاتين المنطقتين، بذريعة منع المخاطر البيئية وحماية المواقع التراثية.

وترى «السلام الآن» أن هذه التعريفات قابلة لتفسيرات واسعة، إذ يمكن أن ينطبق مفهوم «الضرر البيئي» عملياً على أي مبنى أو منشأة تجارية فلسطينية، فيما تتيح وفرة المواقع الأثرية في الضفة الغربية مجالاً واسعاً للتدخل الإسرائيلي في أعمال البناء والتطوير الفلسطينية.

وقال يوناتان مزراحي، من فريق رصد الاستيطان في «السلام الآن»، إن «إسرائيل تنتهك مرة أخرى ليس فقط القانون الدولي، بل أيضاً اتفاقيات مثل اتفاقيات أوسلو»، مشيراً إلى أن الاتفاقية لم تكن شأناً إسرائيلياً فلسطينياً محضاً، وإنما ترتبط بالمجتمع الدولي، الذي أقر بأن أجزاء من الضفة الغربية يفترض أن تكون في أيدي الفلسطينيين.

بدوره، وصف الخبير القانوني البروفيسور غيرهارد كيمب، أستاذ القانون الجنائي في جامعة غرب إنجلترا، هذه الإجراءات بأنها انتهاك خطير للقانون الدولي، مشيراً إلى أن محكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن استمرار سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية ينتهك القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك اتفاقيات جنيف ولوائح لاهاي.

وقال كيمب إن «أي سياسات تهدف إلى جعل المستوطنات في فلسطين المحتلة أكثر سهولة، أي على حساب الفلسطينيين، يجب أن تُنظر إليها كتأكيد على أن محكمة العدل الدولية كانت محقة في وصف هذه الأنشطة بأنها غير قانونية».

وفي تطور اعتبره التقرير مؤشراً إضافياً على توسيع السيطرة الإسرائيلية، وقّع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بالوط، في تموز 2026، 15 أمر استيلاء على أراضٍ داخل المنطقة (أ)، بهدف إنشاء طريق يربط بين مستوطنتين جديدتين هما «عيمق دوتان»، المحاذية لبلدة عرابة الفلسطينية، و«نوا»، الواقعة شمال الضفة الغربية.

وبحسب التقرير، تمثل هذه الخطوة المرة الأولى منذ توقيع اتفاقيات أوسلو التي تستخدم فيها أوامر الاستيلاء العسكري داخل المنطقة (أ) لغرض استيطاني مدني واضح، وليس لاعتبارات أمنية مؤقتة.

وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة «إسرائيل هيوم» في تموز الماضي عن خطة استيطانية تهدف، بحسب ما أوردته، إلى السيطرة على نحو 100 نقطة داخل مناطق مصنفة ضمن المنطقة (أ)، التي يفترض أن تخضع للسيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية الكاملة بموجب اتفاق أوسلو 2.

كما وثقت تقارير ميدانية قيام مستوطنين برفع الأعلام الإسرائيلية بالقرب من منازل فلسطينية في قرية بيت امرين شمال غربي نابلس، الواقعة ضمن المنطقة (أ)، في محاولة لإنشاء بؤرة استيطانية جديدة.

ولا يقتصر التوسع الاستيطاني، وفق تقرير «السلام الآن»، على المنطقة (أ)، إذ تشير الحركة إلى إنشاء ما لا يقل عن 23 بؤرة استيطانية في المنطقة (ب) خلال العامين والنصف الماضيين، من بينها سبع بؤر جديدة بنهاية 2024، في سابقة تقول الحركة إنها الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو.

وتشير تقديرات التقرير إلى أن عدد البؤر الاستيطانية التي أُنشئت في الضفة الغربية منذ كانون الأول 2022 بلغ 185 بؤرة، بينها نحو 130 بؤرة زراعية، تسيطر على أكثر من مليون دونم، أي ما يعادل نحو 18 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.

وتقول «السلام الآن» إن البؤر الاستيطانية لا تختفي بالضرورة حتى عندما تقوم الإدارة المدنية بإخلائها، إذ يعاد إنشاؤها وتوسيعها وتحويلها إلى منشآت دائمة، بما في ذلك مبانٍ من الخرسانة ومعابد يهودية وعربات لبيع القهوة، ويترافق ذلك، بحسب الحركة، مع شق الطرق والاستيلاء على مصادر المياه وتشريد الرعاة الفلسطينيين.

وفي تقرير منفصل نشرته الحركة في تموز 2026، أشارت إلى استمرار نمو البؤر الاستيطانية وترسيخها في المنطقة (ب)، موضحة أن 5 بؤر جديدة على الأقل أقيمت شرق وجنوب بيت لحم، وهي المنطقة التي تقول الحركة إنها أصبحت محوراً لجهود الحكومة والمستوطنين لتهجير الوجود الفلسطيني، إلى جانب بؤر أخرى في مناطق رام الله وجنوب الخليل ونابلس وشرق بيت لحم والخليل.

وقالت «السلام الآن» إن «إقامة بؤر استيطانية في عمق المنطقة (ب) يُظهر أجندة الضم التي تنتهجها الحكومة وجهودها لإضعاف السلطة الفلسطينية، إلى جانب الاستيلاء الهائل على المنطقة (ج)، تسمح الحكومة للمستوطنين بتمديد سيطرتهم إلى مناطق نُقلت إلى الولاية المدنية الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو».

وأضافت أن «حقيقة أن هذه البؤر تواصل التوسع حتى بعد أن أعلن رئيس الوزراء علناً أنه ينبغي إخلاؤها، تُظهر أن الدولة، عملياً، تنتهك الاتفاقيات التي وقعتها وتخلق توترات غير مسبوقة مع السكان الفلسطينيين».

ويربط التقرير بين التوسع الاستيطاني وبين عمليات تهجير التجمعات الفلسطينية وعنف المستوطنين، موثقاً عشرات الحالات التي هُجرت فيها تجمعات سكانية فلسطينية نتيجة عنف المستوطنين والضغوط المتواصلة في المنطقتين (ب) و(ج)، مع انتقال بعض المستوطنين إلى المنازل التي أخلاها أصحابها الفلسطينيون.

كما يشير التقرير إلى ظاهرة أخرى تتمثل في مصادرة شاحنات جمع النفايات الفلسطينية العاملة في المنطقة (ب)، بحجة نقلها النفايات إلى مواقع غير مرخصة.

وبحسب تقرير مشترك لـ'السلام الآن» ومنظمة «كيرم نافوت»، أدت هذه السياسات إلى تهجير 118 تجمعاً رعوياً فلسطينياً بين عامي 2023 و2025، ووصفت المنظمتان هذه الممارسات بأنها «تطهير عرقي» بمساعدة قوات عسكرية إسرائيلية نظامية ووحدات شبه عسكرية منتشرة في الضفة الغربية.

وفي خطوة أخرى، قرر المجلس الأعلى للتخطيط في الإدارة المدنية الإسرائيلية، في حزيران 2026، سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل الفلسطينية بصورة كاملة فيما يتعلق بالمستوطنات وعدد من المواقع المقدسة في قلب المدينة.

وتشمل الخطوة، وفق تقارير إضافية، نقل صلاحيات التخطيط والبناء في المسجد الإبراهيمي ومحيطه، إلى جانب مواقع دينية أخرى، من بلدية الخليل إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، في إجراء تعتبره المصادر مخالفاً للترتيبات المنصوص عليها في بروتوكول الخليل 1997 الموقع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وفي شباط 2026، وافق المجلس الوزاري السياسي والأمني الإسرائيلي كذلك على سلسلة من القرارات الرامية إلى تغيير إجراءات تسجيل الأراضي وشراء العقارات في الضفة الغربية بصورة جذرية، بحسب ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن وزير الحرب يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش.

وتضمنت القرارات فتح سجلات الأراضي أمام الجمهور، بما يسمح للمشترين المحتملين بتحديد مالكي الأراضي والتفاوض معهم مباشرة، بعد أن كانت هذه السجلات مصنفة، إضافة إلى إلغاء شرط الحصول على تصريح لإتمام المعاملات، وهو شرط كان يهدف إلى الحد من التزوير وكبح عمليات شراء الأراضي من قبل المستوطنين التي تتعارض مع السياسة الرسمية.

وخلص تقرير «السلام الآن» إلى أن «حكومة نتنياهو، تنتهك التزاماتها الدولية، وتعرض أمن إسرائيل للخطر، كل ذلك من أجل السيطرة على المزيد من الأراضي في الضفة الغربية».

وأضاف التقرير أن «تصرفات الحكومة في المنطقتين (أ) و(ب) ليست حوادث معزولة، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف في نهاية المطاف إلى إسقاط السلطة الفلسطينية وايجاد فوضى تمكنها من توسيع المستوطنات في المدن والقرى الواقعة في عمق الضفة».

وأكدت «السلام الآن»، في بيان عقب قرارات المجلس الوزاري في شباط 2026، أن «نتنياهو وعد بإسقاط حماس في غزة، لكنه عملياً اختار إسقاط السلطة الفلسطينية، وإلغاء الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل، وفرض ضم فعلي علينا–ضد إرادة الجمهور تماماً، وضد مصالح إسرائيل، وضد الموقف الواضح للرئيس ترامب»، ووصفت الحكومة بأنها «متطرفة وغير مسؤولة وتجرنا نحو الكارثة».

في المقابل، رفض سموتريتش، توصيف «السلام الآن» لهذه الإجراءات، واعتبرها دليلاً على ما وصفه بإنجازات الحكومة الإسرائيلية.

وفي تموز 2026، تفاخر سموتريتش، بتسريع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، معلناً أن حكومته أنشأت 160 بؤرة استيطانية رعوية ووافقت على أكثر من 100 مستوطنة جديدة وصفها التقرير بأنها غير قانونية.

ويضع تقرير «السلام الآن» هذه الإجراءات في سياق قانوني ودولي أوسع، مشيراً إلى رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في تموز 2024، الذي أكد، بحسب التقرير، عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ودعا إلى إخلاء المستوطنات في الضفة والقدس الشرقية، كما شدد على أن استمرار سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية يتعارض مع القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك اتفاقيات جنيف ولوائح لاهاي.

وبحسب التقرير، فإن الحكومة الإسرائيلية لا تعلن رسمياً إلغاء اتفاقيات أوسلو، كما لا تسعى إلى سن تشريعات صريحة لضم السلطة الفلسطينية أو تفكيكها، إلا أن نقل صلاحيات الإنفاذ والإشراف إلى الإدارة المدنية، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والحفريات وإنشاء عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة، يشكل، وفق «السلام الآن»، عملية ضم غير معلنة للضفة الغربية وتغييراً تدريجياً في واقع السيطرة على الأرض.