وقد جاءت المبادرة الملكية التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني من موقع المغطس، ثم الاجتماع الأول للجنة العليا للتحضير لهذه المناسبة، برئاسة دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، لتضع هذا المشروع الوطني الكبير على طريق التنفيذ. ومن المفرح أن الخطوات العملية أخذت تتسارع، حيث تم تأسيس اللجنة العليا للتحضيرات، كما تم توقيع عدد من الإتفاقيات لتطوير الأراضي المجاورة لموقع المعمودية، تمهيدًا لاستقبال الحجاج، بما يشمل إنشاء قرية سياحية متكاملة للزوار والحجاج، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء متحف كبير، إضافة إلى «الممر الأخضر» الذي سيشكل إضافة نوعية وجمالية وبيئية للمكان المقدس.
لكن اللافت كذلك أن الاهتمام بهذه التحضيرات لم يبقَ محليًا، بل انتقل سريعًا إلى المستوى الدولي. وكان من أبرز مظاهره الاهتمام الكبير من إعلام الكرسي الرسولي، حيث نشرت وسائل إعلام الفاتيكان الرسمية، وبمختلف اللغات، خبر بدء الأردن استعداداته لعام 2030، كما نشرت صحيفة «أوسرفاتوري رومانو» اليومية حول هذه المناسبة، وهو مؤشر مهم إلى أن العالم المسيحي بدأ منذ الآن يوجه أنظاره نحو الأردن.
وجاء تصريح الإعلامي الفاتيكاني أندريا تورنييللي، المدير التحريري لدائرة الاتصالات في الكرسي الرسولي، لوكالة الأنباء الأردنية "بترا"، مشجعًا حين قال: إن "الأردن أرض مقدسة، وفيه جمال استثنائي، ليس فقط لأنه احتضن الحدث الأساسي، أي معمودية السيد المسيح على ضفاف نهر الأردن، وإنما لأن أحداثًا أخرى يرويها الإنجيل جرت على هذه الأرض". وأكد أهمية استعداد الأردن لهذا الحدث والاحتفال به بما يليق بمكانته الدينية والروحية وأهميته لجميع المسيحيين في العالم.
ومن هنا أرى أن أكبر مشروع، بالتوازي مع البناء والتطوير، هو الترويج. فعلينا منذ الآن أن نوصل قصة الأردن إلى الكنائس والأبرشيات ومؤسسات الحج والسياحة الدينية في العالم، وأن نترجم "سرديتنا الأردنية" إلى مختلف اللغات. فطموحنا يجب ألا يبقى في إطار مئات الآلاف، وإنما الاستعداد لاستقبال الملايين من الحجاج.
وهؤلاء لا يأتون إلى المغطس وحده، بل إلى أرض مقدسة تمتد من نهر الأردن إلى جبل نيبو ومادبا ومكاور ومار إلياس وسيدة الجبل وغيرها من المواقع التاريخية والدينية الهامة، وإلى وطن يتمتع بالأمن والاستقرار والعيش المشترك الإسلامي المسيحي، ويحمل رسالة هاشمية تاريخية في الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
ويبقى البعد الروحي هو الأساس. فالحاج لا يأتي لالتقاط الصور، بل للصلاة والتوبة وطلب البركة، ولذلك ينبغي ألا تجعلنا الفنادق والمرافق والأرقام ننسى روح المناسبة ومعناها.
إن 2030 ليس مشروعًا سياحيًا فقط، بل مشروع وطني وروحي واقتصادي وإعلامي ودبلوماسي متكامل، وفرصة قد لا تتكرّر في عمر جيل. والعالم بدأ يسمع عن الأردن 2030، وعلينا أن نحسن رواية القصة والاستعداد للموعد. وهنا أرى من الواجب الترحم على روح السفير الأردني مالك الطوال، الذي رحل قبل أيام وهو على رأس عمله في مدريد كسفير لجامعة الدول العربية، وكان من أبرز اهتماماته، وبالأخص لدى خدمته كسفير للأردن في البرازيل تشجيع الحج المسيحي إلى الأردن المقدّس أرضا ونهرا.
2030 يبدأ اليوم... والأردن على موعد مع العالم في أرض المعمودية.