أسطورة أن الفقر شرطٌ للإبداع
منذ عقود، يتردد في الثقافة العربية والعالمية قول يكاد يُعامل وكأنه حقيقة مطلقة: 'المعاناة تصنع الإبداع'. وتحوّل هذا القول مع مرور الزمن إلى اعتقاد آخر أكثر تطرفًا، وهو أن الفقر شرط أساسي للعبقرية، وأن الثراء أو الانتماء إلى عائلة مرموقة أو امتلاك النفوذ يجعل أي نجاح موضع شك، وكأن الإنسان لا يجوز أن يجتمع له أكثر من نعمة واحدة.
غير أن التاريخ والواقع وعلم النفس يقدمون صورة مختلفة تمامًا؛ فالإبداع ليس ابن الفقر وحده، كما أنه ليس وليد الثراء وحده، وإنما هو قدرة إنسانية معقدة تتشكل من الموهبة، والذكاء، والخيال، والتعليم، والبيئة، والعمل الدؤوب، ثم تأتي الظروف الاقتصادية لتؤثر في طريقة ظهور هذا الإبداع، لا في وجوده.
جذور الفكرة: تمجيد 'المثقف الفقير'
لقد أسهمت بعض التيارات الفكرية، وخصوصًا في القرن العشرين، في تمجيد صورة 'المثقف الفقير' بوصفه النموذج الوحيد للمبدع الحقيقي، وربطت بين الثروة وبين الاستغلال أو الفراغ أو غياب الموهبة. ومن الناحية التاريخية، فإن بعض الأنظمة ذات التوجهات الشيوعية أولت مكانة خاصة لفكرة 'المثقف المنتمي إلى الطبقة الكادحة'، وهو ما ترك أثرًا في بعض البيئات الثقافية. لكن من غير الدقيق تعميم ذلك والقول إن هذا وحده يفسر النظرة الاجتماعية الحالية، فالأسباب متعددة، وتشمل أيضًا الثقافة الشعبية، والتحيزات الاجتماعية، وآليات المقارنة بين الناس والجهل أو الحسد أو الأنانية أو جنون العظمة التي لا تقبل وجود اي شخص معها قبلها او بعدها.
مظاهر الأحكام المسبقة في واقعنا
ولهذا نرى اليوم مظاهر متكررة من الأحكام المسبقة. فإذا ألقت أميرة خطابًا بليغًا، سارع البعض إلى القول إنها لم تكتبه بنفسها. وإذا حصلت سفيرة أو سيدة من عائلة معروفة على شهادة علمية مرموقة، قيل إنها نالتها مجاملة. وإذا نشر رجل أعمال كتابًا، أو فاز ابن أسرة ثرية بجائزة أدبية، بدأت الشائعات تتحدث عن 'شراء النجاح'، وكأن المجتمع يجد صعوبة في تقبل اجتماع المال مع الثقافة، أو الجمال مع الذكاء، أو المكانة الاجتماعية مع الاجتهاد.
التشكيك في النعم الفطرية: حين يمتد الحسد للجمال والأناقة والنظافة وبشاشة الوجه واللطف والذوق والاتيكيت.
ومن أكثر صور الأحكام المسبقة انتشارًا أن المجتمع لا يكتفي أحيانًا بالتشكيك في نجاح الإنسان، بل يشكك حتى في النعم الفطرية التي وهبها الله له. فالمرأة الجميلة قد تسمع من يقول إن جمالها ليس طبيعيًا، وإن سر ملامحها مجرد أحمر شفاه أو مساحيق تجميل أو عمليات تجميل، وكأن البعض يعجز عن تقبل أن يمنح الله إنسانًا جمالًا طبيعيًا إلى جانب العلم أو الثقافة أو النجاح. وكذلك الرجل الأنيق قد يُتهم بأن حضوره سببه المال فقط، لا شخصيته أو ثقافته أو أخلاقه. إنها محاولة لا شعورية لانتزاع الفضل من صاحبه، حتى يشعر الآخرون بارتياح أكبر تجاه أنفسهم.
والأمر لا يقف عند الجمال، بل يمتد إلى كل نعمة. فإذا كان الإنسان ثريًا قيل إن نجاحه اشتراه بماله، وإذا كان مشهورًا قيل إن الشهرة صنعت موهبته، وإذا كان من عائلة عريقة قيل إن اسمه هو الذي فتح له الأبواب. وكأن بعض الناس يجد صعوبة في الإيمان بأن الله قد يجمع لإنسان واحد أكثر من نعمة، مع أن التاريخ مليء بأشخاص جمعوا بين العلم والمال، وبين المكانة الاجتماعية والإبداع، وبين الجمال والثقافة، وبين القيادة والعبقرية.
علم النفس يفسر: بين التحيز المعرفي والمقارنة الاجتماعية
هذه الأحكام لا تستند في كثير من الأحيان إلى دليل، بل إلى افتراضات مسبقة. وهي صورة من صور الانحياز المعرفي الذي يجعل الإنسان يبحث عن تفسير ينسجم مع قناعاته المسبقة أكثر من بحثه عن الحقيقة....يتبع الجزء الثاني
منذ عقود، يتردد في الثقافة العربية والعالمية قول يكاد يُعامل وكأنه حقيقة مطلقة: 'المعاناة تصنع الإبداع'. وتحوّل هذا القول مع مرور الزمن إلى اعتقاد آخر أكثر تطرفًا، وهو أن الفقر شرط أساسي للعبقرية، وأن الثراء أو الانتماء إلى عائلة مرموقة أو امتلاك النفوذ يجعل أي نجاح موضع شك، وكأن الإنسان لا يجوز أن يجتمع له أكثر من نعمة واحدة.
غير أن التاريخ والواقع وعلم النفس يقدمون صورة مختلفة تمامًا؛ فالإبداع ليس ابن الفقر وحده، كما أنه ليس وليد الثراء وحده، وإنما هو قدرة إنسانية معقدة تتشكل من الموهبة، والذكاء، والخيال، والتعليم، والبيئة، والعمل الدؤوب، ثم تأتي الظروف الاقتصادية لتؤثر في طريقة ظهور هذا الإبداع، لا في وجوده.
جذور الفكرة: تمجيد 'المثقف الفقير'
لقد أسهمت بعض التيارات الفكرية، وخصوصًا في القرن العشرين، في تمجيد صورة 'المثقف الفقير' بوصفه النموذج الوحيد للمبدع الحقيقي، وربطت بين الثروة وبين الاستغلال أو الفراغ أو غياب الموهبة. ومن الناحية التاريخية، فإن بعض الأنظمة ذات التوجهات الشيوعية أولت مكانة خاصة لفكرة 'المثقف المنتمي إلى الطبقة الكادحة'، وهو ما ترك أثرًا في بعض البيئات الثقافية. لكن من غير الدقيق تعميم ذلك والقول إن هذا وحده يفسر النظرة الاجتماعية الحالية، فالأسباب متعددة، وتشمل أيضًا الثقافة الشعبية، والتحيزات الاجتماعية، وآليات المقارنة بين الناس والجهل أو الحسد أو الأنانية أو جنون العظمة التي لا تقبل وجود اي شخص معها قبلها او بعدها.
مظاهر الأحكام المسبقة في واقعنا
ولهذا نرى اليوم مظاهر متكررة من الأحكام المسبقة. فإذا ألقت أميرة خطابًا بليغًا، سارع البعض إلى القول إنها لم تكتبه بنفسها. وإذا حصلت سفيرة أو سيدة من عائلة معروفة على شهادة علمية مرموقة، قيل إنها نالتها مجاملة. وإذا نشر رجل أعمال كتابًا، أو فاز ابن أسرة ثرية بجائزة أدبية، بدأت الشائعات تتحدث عن 'شراء النجاح'، وكأن المجتمع يجد صعوبة في تقبل اجتماع المال مع الثقافة، أو الجمال مع الذكاء، أو المكانة الاجتماعية مع الاجتهاد.
التشكيك في النعم الفطرية: حين يمتد الحسد للجمال والأناقة والنظافة وبشاشة الوجه واللطف والذوق والاتيكيت.
ومن أكثر صور الأحكام المسبقة انتشارًا أن المجتمع لا يكتفي أحيانًا بالتشكيك في نجاح الإنسان، بل يشكك حتى في النعم الفطرية التي وهبها الله له. فالمرأة الجميلة قد تسمع من يقول إن جمالها ليس طبيعيًا، وإن سر ملامحها مجرد أحمر شفاه أو مساحيق تجميل أو عمليات تجميل، وكأن البعض يعجز عن تقبل أن يمنح الله إنسانًا جمالًا طبيعيًا إلى جانب العلم أو الثقافة أو النجاح. وكذلك الرجل الأنيق قد يُتهم بأن حضوره سببه المال فقط، لا شخصيته أو ثقافته أو أخلاقه. إنها محاولة لا شعورية لانتزاع الفضل من صاحبه، حتى يشعر الآخرون بارتياح أكبر تجاه أنفسهم.
والأمر لا يقف عند الجمال، بل يمتد إلى كل نعمة. فإذا كان الإنسان ثريًا قيل إن نجاحه اشتراه بماله، وإذا كان مشهورًا قيل إن الشهرة صنعت موهبته، وإذا كان من عائلة عريقة قيل إن اسمه هو الذي فتح له الأبواب. وكأن بعض الناس يجد صعوبة في الإيمان بأن الله قد يجمع لإنسان واحد أكثر من نعمة، مع أن التاريخ مليء بأشخاص جمعوا بين العلم والمال، وبين المكانة الاجتماعية والإبداع، وبين الجمال والثقافة، وبين القيادة والعبقرية.
علم النفس يفسر: بين التحيز المعرفي والمقارنة الاجتماعية
هذه الأحكام لا تستند في كثير من الأحيان إلى دليل، بل إلى افتراضات مسبقة. وهي صورة من صور الانحياز المعرفي الذي يجعل الإنسان يبحث عن تفسير ينسجم مع قناعاته المسبقة أكثر من بحثه عن الحقيقة....يتبع الجزء الثاني