وثق مثقفون ومعنيون بالشأن التراثي والسياحي في محافظة الكرك، في ندوة ثقافية نظمها ملتقى (ذاكرة المكان في الأدب الأردني) ،ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون، وبالتعاون بين رابطة الكتاب الأردنيين ومديرية ثقافة الكرك، تاريخ الكرك العريق وتراثها المعماري وارثها الثقافي المادي وغير المادي .
واستحضر المتحدثون في الندوة التي أقيمت في مركز الحسن الثقافي بحضور مساعد أمين عام وزارة الثقافة لشؤون المحافظات ، مديرة ثقافة الكرك عروبة الشمايلة وجمع من المثقفين والمهتمين بالشأن التراثي والسياحي وأدارها أكرم المعاسفة ،ذاكرة مدينة الكرك بإبعادها المكانية والإنسانية والوجدانية ،ومواقعها الأثرية وما تحمله من رموز حية تعكس الهوية والانتماء والذاكرة الجمعية ،كما استرجعوا العديد من القصص التاريخية والحكايا الشعبية .
وأكدوا أهمية الكتابة عن المكان وتوثيق ذاكرته وحماية موروثه، باعتبار الأدب والثقافة أدوات أساسية في حفظ الذاكرة الوطنية وإيصالها إلى الأجيال القادمة ، داعين إلى تشكيل لجنة تضم في عضويتها كافة الجهات المعنية لكتابة التاريخ الاجتماعي للكرك وللأردن بشكل عام .
وقال الأديب والباحث ، نايف النوايسة، ان الحديث عن الثقافة لا يستقيم دون ربطها بجذرها الراسخ ،وهو التراث الذي يمثل الأوتاد الثابتة لكل بناء حضاري ويربطها بالمجتمعات الأخرى ،مؤكدا ان البحث في التراث يعد من أهم المرتكزات التي يعتمدها الباحثون في سبيل الحافظ على الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء للوطن وتوثيق عرى الصلات بين الماضي والحاضر وحماية الإرث الإنساني ، فضلا عن دورها المهم في تنشيط السياحة كأحد الموارد الرئيسية لدعم الاقتصاد الوطني .
واستعرض النوايسه جوانب من الموروث الشعبي والثقافي الذي تناقلته الأجيال، وما يمثله من رصيد حيّ في الذاكرة المجتمعية والهوية الكركية، مشيرا إلى الجهود التي بذلت ولا زالت في الأردن في مجال جمع التراث وحفظه معرجا عليها منذ بداية تأسيس الدولة الأردنية إلى الوقت الحاضر، مبرزا دور بعض مؤسسة الدولة المعنية بهذا الأمر كالإذاعة الاردينة التلفزيون الاردني .
ونوة بالدور الكبير الذي اضطلعت به مديرية الثقافة والفنون التي كانت الركيزة الأولى لتأسيس وزارة الثقافة في البحث الميداني وجمع التراث وإنشاء مجلة الفنون الشعبية، لتـكمل الوزارة تاليا المسيرة بمنهج بحثي أكثر وضوحا ودقة من خلال أجراء المسوحات الميدانية وانجاز مشروع مكنز التراث الأردني وتأسيس مديرة خاصة للتراث وتسجيل بعض العناصر التراثية في قائمة التراث الإنساني وإنشاء اللجنة الوطنية العليا للتراث ،فيما لم بحديثه دور أمانة عمان والبلديات والجامعات الأردنية في هذا المجال .
وعن الجهود التراثية في الكرك ، فبين النوايسه ان مديرية ثقافة المحافظة وبالتعاون مع الهيئات الثقافية التابعة لها بذلت جهودا كبيرة في هذا المضمار من خلال إقامة الندوات والملتقيات الثقافية وجمع التراث،إلى جانب دور بعض البلديات بترميم البيوت القديمة وتحويلها الى مواقع تراثية وانشاء مدونات ثقافية ،علاوة على مبادرات الإفراد المهتمين بالتراث ومؤسسات المجتمع المدني وجامعة مؤته .
من جانبه، قال الباحث في الآثار حمزة الجراجرة ، ان الكرك ليست مجرد قلعة تاريخيه بل تشكل سجلا أثريًا وحضاريًا متكاملًا، يدلل علية تنوعها الزماني والمكاني والفترات الحضارية التي مرت عليها بدا من العصور البرونزية والحديدية والمؤابيه، مرورًا بالفترات النبطية والرومانية والبيزنطية، وصولًا إلى الفترات الإسلامية مؤكدا أن آثار الكرك لا ينبغي أن تُدرس كمواقع منفصلة، وإنما كشبكة مترابطة من الطرق والمراكز العسكرية والمدن والمستوطنات والمنشآت الدينية والمائية.
وتوقف في حديثة عند أبرز المواقع والمعالم الأثرية التي تقف شاهداً على العمق التاريخي والحضاري للكرك ومنها قلعة الكرك التي تعد رمزا للمدينة ،وموقع باب الذراع في الأغوار الجنوبية والذي يؤرخ للعصر البرونزي المبكر، ويضم بقايا مستوطنة محصنة ومعبدًا ومجموعة متنوعة من المقابر،وخربة البالوع الأثرية شمال الكرك ومسلتها المشهور بكتاباتها الهيروغليفية المصرية وحصن خربة المضيبيع في بلدة ام حماط العائد للعصر العصر الحديدي الأول والثاني .
ومن الاثار ايضا بحسب الجراجرة اثار الربة والقصر وذات راس وشقيرا وموقع اللجون وقصر بشير ضمن المنظومة العسكرية الرومانية،وموقع نخل والذي يوثق استيطان يمتد من الفترات الحديدية إلى النبطية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، مع منشآت دفاعية وآبار وخزانات مياه.
وتحدث الباحث والناشط الاجتماعي نصر الحباشنة، مستعرضاً محطات تاريخية بارزة في مسيرة مدينة الكرك وما تختزنه من أحداث وذاكرة جمعية أسهمت في تشكيل هويتها ومكانتها التاريخية، مشيرا الى تاريخ المدينة يعود للعام 1200 قبل الميلاد ،تعاقبت عليها العديد من الحضارات ،كان لها تاريخ حافل مع القائد صلاح الدين الايوبي الذي حارب آرناط .
وافرد الحباشنة مساحة واسعة من حديثه عن فترة حكم مملكة مؤاب في الكرك التي امتدت من الساحل الشرقي للبحر الميت شمال مدينة الكرك واستمرت قرابة (40) عاما موضحا ان مسله ميشع الذبياني الوجودة في متحف اللوفر في فرنسا والتي نقش عليها ب(24) سطرا باللغة المؤابية تروي تفاصيل الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في المملكة المؤابية وانتصارات الملك ميشع .
وأكد ان الكرك فيها حكايات غرست معاني الشرف والرجولة والفداء ،وهي رمز المحبة والإخوة والتسامح ،معرجا على العديد من ابيات الشعر والنصوص الأدبية التي قيلت في الكرك من قبل الشعراء والأدباء تمجيدا وتخليدا لتاريخها ولبطولاتها أهلها ، مثمنا الحراك الثقافي الذي تتبناه مديرية الثقافة بتشاركية فاعله مع المثقفين والباحثين والهيئات الثقافية والمجتمعية مما أسهم في إثراء المشهد الثقافي وتعميمه .
بدوره، قال الباحث وسام الجعفري ُيعدّ التراث المعماري لمدينة الكرك من أبرز الشواهد الحضارية في الأردن، فقد أسهم الموقع الجغرافي المتميز للكرك على هضبة مرتفعة في تشكيل طابعها العمراني، فامتازت مبانيها بالحصانة والقدرة على التكيف مع طبيعة المكان.
وأضاف تتجلى قيمة التراث المعماري في قلعة الكرك التي تُعد من أهم القلاع الصليبية في المشرق، وشهدت توسعات وإضافات في العهدين الأيوبي والمملوكي والعثماني، لتصبح رمزًا تاريخيًا وعمرانيًا للمدينة. كما تضم الكرك العديد من المباني التراثية التي شُيدت بالحجر الجيري المحلي، واستخدمت فيها الأقواس والعقود الحجرية والأسقف المقببة، مما منحها طابعًا معماريًا مميزًا يجمع بين الوظيفة والجمال.
واشار إلى ان الأحياء القديمة في الكرك تتميز بأزقتها الضيقة وساحاتها الداخلية وبيوتها المتلاصقة، التي كانت تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المدينة، إضافة إلى الأسواق التاريخية والمساجد والكنائس والمقامات والمباني الحكومية التي تعود إلى أواخر العهد العثماني وبدايات عهد الإمارة.
وأوضح الجعفري ان التراث المعماري يعد سجلًا حيًا لذاكرة الكرك، لما يحمله من دلالات تاريخية وثقافية ووطنية، الأمر الذي يستدعي المحافظة عليه وترميمه وتوثيقه وفق المعايير العلمية، ليبقى شاهدًا على هوية المدينة وإرثها الحضاري، وموردًا مهمًا للسياحة الثقافية والتنمية المستدامة.