دعا مشاركون في حوارية ثقافية نظمها منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي إلى تعزيز حضور الكتاب في حياة الأطفال، وتكثيف دور الأسرة والمدرسة في ترسيخ عادة القراءة، في ظل تنامي استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ومنصات المحتوى الرقمي.
وأكد المشاركون في الحوارية، التي حملت عنوان «تحديات القراءة للأطفال في زمن الشاشات»، أهمية حماية السنوات الأولى من عمر الطفل من التعرض المفرط للتكنولوجيا، والتركيز على الوسائط الملموسة والقراءة الورقية والتفاعل المباشر، باعتبارها عناصر أساسية في بناء قدراته اللغوية والعقلية والانفعالية.
وشارك في الحوارية الكاتب المصري عبده الزراع، والأكاديمية الأردنية الدكتورة أسيل شوارب، فيما أدار الحوار مع الجمهور الدكتور محمود الرجبي، بحضور عدد من الأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي والتربوي.
وقال الزراع إن انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والأجهزة اللوحية جعل القراءة أمام تحديات متزايدة، مبيناً أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتوفير الكتاب للطفل، وإنما بكيفية استعادة الكتاب مكانته في حياته اليومية، وجعله جزءاً من عاداته واهتماماته.
وأضاف أن اعتياد الأطفال على المحتوى القصير والسريع يمكن أن ينعكس على قدرتهم على التركيز ومواصلة القراءة لفترات طويلة، في وقت تستحوذ فيه الشاشات والمحتوى الرقمي على جزء كبير من وقتهم، الأمر الذي يتطلب تدخلاً واعياً من الأسرة والمدرسة لإعادة التوازن بين العالم الرقمي والقراءة.
وشدد على أهمية جودة كتب الأطفال من حيث المحتوى والطباعة والألوان والإخراج، إلى جانب توفير بيئة مشجعة على القراءة داخل المنزل والمدرسة، لافتاً إلى أن الكتاب لم يعد ينافس التكنولوجيا بمجرد شكله التقليدي، وإنما يحتاج إلى تطوير أدوات تقديمه بما يجعله أكثر قدرة على جذب الطفل.
وأشار الزراع إلى ضرورة إيجاد نوع من التكامل بين الكتاب والتكنولوجيا، بدلاً من وضعهما في حالة تنافس، خصوصاً مع تنامي اعتماد الأطفال على الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات بصورة سريعة، ما أسهم في تراجع الإقبال على القراءة المتأنية من الكتب.
من جهتها، أكدت الدكتورة أسيل شوارب أن السنوات الأولى من حياة الطفل تمثل مرحلة شديدة الحساسية في تطور الدماغ، إذ تتشكل خلالها الأسس البيولوجية والنفسية التي ترتبط بالقدرات العقلية والانفعالية في مراحل لاحقة من العمر.
وقالت إن الدراسات والمتابعات العلمية تشير إلى آثار سلبية محتملة للتعرض المفرط للشاشات في السنوات المبكرة، ولا سيما لدى الأطفال دون سن الثانية، مشيرة إلى ارتباط ذلك بتغيرات في شبكات الدماغ المسؤولة عن المعالجة البصرية والتحكم الذاتي، وما قد يترتب عليها لاحقاً من صعوبات في اتخاذ القرار وارتفاع مستويات القلق والتوتر.
وأوضحت شوارب أن الاستخدام الكثيف والمتواصل لمنصات الفيديوهات القصيرة قد يؤثر في مدى انتباه الأطفال وقدرتهم على التركيز العميق، الأمر الذي ينعكس على تحصيلهم الأكاديمي، في ظل اعتماد هذه المنصات على محتوى سريع ومتتابع قائم على التحفيز المستمر.
وأكدت أن القراءة الورقية بصوت عالٍ، بمشاركة الوالدين أو المعلمين، توفر بيئة لغوية وعاطفية أكثر ثراءً للطفل، من خلال الحوار وطرح الأسئلة المفتوحة والتفاعل مع أحداث القصة ولمس صفحات الكتاب، بما يعزز دور الطفل بوصفه قارئاً نشطاً لا مجرد متلقٍ للمعلومة.
وأشارت إلى أن بعض الكتب الإلكترونية قد تتضمن عناصر صوتية وبصرية متعددة يمكن أن تتحول إلى مصادر تشتيت، ما يستدعي اختيار المحتوى الرقمي بعناية ومراعاة عمر الطفل وطبيعة احتياجاته النمائية.
ودعت شوارب إلى توسيع برامج تدريب المعلمين والأهل على أساليب القراءة الحوارية، لما لها من أهمية في تعزيز اللغة والتواصل وبناء علاقة إيجابية بين الطفل والكتاب، مؤكدة أن مواجهة تحديات القراءة في عصر الشاشات لا تعني إقصاء التكنولوجيا، وإنما إيجاد توازن يجعل الكتاب حاضراً في العالم الرقمي والواقعي للطفل في آن واحد.
واتفق المشاركون على أن مستقبل القراءة لا يرتبط بمقاومة التكنولوجيا أو إبعاد الطفل عنها بصورة مطلقة، وإنما بإعادة اكتشاف القيمة التي يقدمها الكتاب، وابتكار طرق جديدة تجعل القراءة تجربة يومية ممتعة وقريبة من عالم الطفل واهتماماته.