صالحية: التحول الرقمي يرفع كفاءة سلاسل الإمداد
الخطيب: الأردن حافظ على تدفق المواد الغذائية رغم الضغوط الجيوسياسية
أبو عاقولة: المنظومة اللوجستية الأردنية تتمتع بدرجة جيدة من الجاهزية
حافظ الأردن على انسيابية تدفق المواد الغذائية إلى الأسواق المحلية دون انقطاع في السلع الأساسية، رغم الاضطرابات التي شهدتها ممرات بحرية حيوية، وإعادة توجيه عدد من خطوط الملاحة وارتفاع زمن الرحلات البحرية، في وقت فرضت فيه المخاطر المتزايدة ضغوطًا على أجور الشحن والتأمين وكلف التمويل والتخزين.
وساعدت مرونة القطاع اللوجستي، وتنوع مصادر الاستيراد، واستمرارية العمل في ميناء العقبة، إلى جانب وجود مخزونات استراتيجية وعقود توريد مسبقة والمنافسة بين الموردين، في الحد من انتقال الارتفاعات في الكلف إلى أسعار السلع الأساسية، ليبقى انعكاسها على المستهلك محدودًا نسبيًا.
وفي بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين جانب مهم من احتياجاته الغذائية، لم يعد الأمن الغذائي مرتبطًا بتوافر السلعة فقط، بل بقدرة منظومة النقل والتخزين والتخليص والموانئ على إيصالها بكفاءة وكلفة مستقرة، والحفاظ على جودتها وتقليل الفاقد حتى وصولها إلى المستهلك.
وفي تقرير اعدته «الرأي» أكد خبراء أن تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد ومرونتها يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الغذائي، لا سيما في ظل المتغيرات الإقليمية واضطرابات حركة التجارة العالمية.
وأكد الأستاذ الدكتور لؤي صالحية أن الأمن الغذائي، وفق مفهوم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، لا يقتصر على توافر الغذاء، بل يشمل قدرة الأفراد على الحصول عليه بصورة مستمرة وآمنة ومغذية.
وبيّن أن النقل والتخزين والتوزيع تمثل حلقة الوصل بين الإنتاج أو الاستيراد والمستهلك، فيما تسهم المستودعات الحديثة وسلاسل التبريد في الحفاظ على جودة المنتجات وتقليل الفاقد.
وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المخزون وتتبع الشحنات يمكن أن يحسن التنبؤ بالطلب، ويساعد على اكتشاف الاختناقات والاستجابة لها بسرعة.
قال صالحية أن الأمن الغذائي لا ينتهي بوصول الشحنة إلى العقبة، إذ يمثل النقل الداخلي والتخزين وسلاسل التبريد مراحل أساسية للحفاظ على جودة المنتجات وتقليل الفاقد.
وأشار إلى أن الاستثمار في المستودعات المبردة ووسائل النقل المجهزة للتحكم بدرجات الحرارة يحمي المنتجات الحساسة، مثل الخضار والفواكه والألبان واللحوم، من التلف ويحافظ على كميات أكبر من الغذاء داخل سلسلة الإمداد.
وبيّن أن كفاءة هذه المراحل تمثل امتدادًا مباشرًا للأمن الغذائي، لأن توافر الغذاء لا يكتمل إذا فقد جزء من قيمته أو كميته قبل وصوله إلى المستهلك.
ويرى صالحية أن التحول الرقمي يمكن أن يرفع كفاءة سلاسل الإمداد من خلال مراقبة المخزون والشحنات، وتحسين التنبؤ بالطلب، واكتشاف الاختناقات في وقت مبكر.
ويلفت صالحية إلى أن استخدام تقنيات الإنترنت والذكاء الاصطناعي وساعد في توفير بيانات أكثر دقة حول حركة الشحنات وظروف التخزين، بما يسمح باتخاذ قرارات أسرع عند ظهور أي خلل أو تغير في الطلب.
كما يمكن لرقمنة الإجراءات اللوجستية والجمركية أن تسهم في تقليل زمن بقاء المواد الغذائية في الموانئ والمعابر وخفض الكلف المرتبطة بالتأخير
يرى صالحية أن تعزيز الأمن الغذائي لا يتوقف على تأمين حركة الواردات، بل يتطلب دعم القطاعات والصناعات المرتبطة بسلسلة الإمداد الداخلية.
ووفقا لصالحية تشمل الأولويات صناعة الأعلاف والمدخلات الزراعية، ومرافق ما بعد الحصاد والتغليف، وصناعات التبريد والتجميد، والتصنيع الغذائي، إلى جانب التكنولوجيا الزراعية واللوجستية.
اذ تسهم هذه القطاعات في تقليل الفاقد، وإطالة العمر التخزيني للمنتجات، وتعزيز قدرة السوق المحلية على مواجهة اضطرابات الإمداد
بدوره، بيّن نائب أول رئيس غرفة تجارة عمّان نبيل الخطيب، أن ارتفاع المخاطر أدى إلى زيادة أجور الشحن ورسوم التأمين، إلى جانب عدم انتظام وصول بعض البواخر نتيجة تغير المسارات البحرية، وارتفاع كلف التمويل والتخزين.
وأكد الخطيب أن الأردن حافظ حتى الآن على انسيابية تدفق المواد الغذائية دون انقطاع في السلع الأساسية، رغم الضغوط التي فرضتها التوترات الجيوسياسية على سلاسل التزويد العالمية.
وأشار إلى أن ارتفاع المخاطر في الممرات المائية، ومنها باب المندب ومضيق هرمز، يفرض الحاجة إلى منظومة لوجستية أكثر مرونة واستباقية.
ويرى الخطيب أن الأردن يمتلك الخبرة اللازمة في إدارة سلاسل التوريد، لكنه يحتاج إلى مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، وفي مقدمتها رفع كفاءة ميناء العقبة وزيادة طاقته التشغيلية، وتحديث المعابر الحدودية بما يتناسب مع حجم حركة البضائع.
ودعا إلى التوسع في مستودعات التخزين، بما فيها المستودعات المبردة، لتقليل الكلف وحماية المواد الغذائية الحساسة.
ووصف الخطيب توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني بتعزيز المخزون الاستراتيجي للغذاء بأنها «رؤية استراتيجية بعيدة المدى»، مؤكدًا أن الأمن الغذائي لم يعد قضية تجارية فحسب، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني.
وقال إن المخزون الاستراتيجي يمنح الدولة هامشًا زمنيًا للتعامل مع أي اضطرابات مؤقتة في سلاسل التزويد، ويسهم في الحفاظ على استقرار الأسعار وتوافر السلع الأساسية.
دعا الخطيب إلى تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على أسواق محددة.
وفيما يتعلق مواجهة المتغيرات الإقليمية، يرى الخطيب أن الأردن بحاجة إلى الانتقال من الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد المسبق لها.
ودعا إلى إنشاء منظومة وطنية لإدارة المخاطر اللوجستية ومركز للإنذار المبكر، يرصد المخاطر المحتملة على سلاسل الإمداد، ويوفر مؤشرات تساعد الجهات المعنية على اتخاذ إجراءات استباقية قبل انعكاسها على الأسواق.
حيث تكتسب هذه المنظومة أهمية في ظل تعدد الأطراف المرتبطة بحركة الغذاء، من الموانئ والجمارك والنقل إلى شركات التخليص والمستوردين، بما يجعل سرعة تبادل المعلومات عنصرًا أساسيًا في إدارة أي اضطراب.
من جانبه، قال نقيب أصحاب شركات ومكاتب التخليص ونقل البضائع ضيف الله أبو عاقولة، إن الاضطرابات في البحر الأحمر أدت إلى إعادة توجيه عدد من خطوط الملاحة وارتفاع زمن الرحلات البحرية، إلا أن مرونة القطاع اللوجستي وتنوع مصادر الاستيراد واستمرارية العمل في ميناء العقبة ساعدت على استمرار تدفق السلع إلى الأسواق المحلية.
وبحسب أبو عاقولة، شهدت كلف الشحن والتأمين ارتفاعات متفاوتة تبعًا لطبيعة خطوط الملاحة ومستوى المخاطر، إلا أن انعكاسها على أسعار السلع الأساسية بقي محدودًا نسبيًا، نتيجة وجود مخزونات استراتيجية، واعتماد المستوردين على عقود توريد مسبقة، والمنافسة بين الموردين، إلى جانب الإجراءات التي ساعدت في الحد من انتقال الزيادات إلى المستهلك.
وأكد أبو عاقولة أن المنظومة اللوجستية الأردنية تتمتع بدرجة جيدة من الجاهزية، بفضل كفاءة ميناء العقبة، وتطور منظومة التخليص الجمركي، وخبرة قطاعات النقل والشحن والتخليص في إدارة الأزمات.
ولفت أبو عاقولة أن مخزون الغذاء والطاقة يوفر مرونة أكبر في إدارة الأزمات، ويتيح التعامل مع التأخير أو الانقطاع المؤقت في الإمدادات العالمية دون حدوث اختناقات في السوق المحلية.
وأشار أبو عاقولة إلى أهمية استخدام خطوط ملاحية وموانئ بديلة عند الحاجة، وتفعيل النقل متعدد الوسائط الذي يجمع بين النقل البحري والبري، وتعزيز التعاون مع دول الجوار.
وتمنح هذه البدائل سلسلة الإمداد قدرة أكبر على الاستمرار عند تعرض أحد الممرات البحرية أو الخطوط الملاحية للاضطراب، وتقلل الاعتماد على مسار واحد.
وأظهرت التوترات الإقليمية قدرة الأردن على الحفاظ على تدفق المواد الغذائية، لكنها كشفت في الوقت نفسه الحاجة إلى بناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات.
وتتطلب المرحلة المقبلة رفع كفاءة ميناء العقبة والمعابر، وتطوير مرافق التخزين والتبريد، وتسريع إجراءات التخليص، وتنويع مصادر ومسارات الاستيراد، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتوظيف التكنولوجيا في إدارة المخاطر.
فالأمن الغذائي لا يقاس فقط بحجم المخزون، بل بقدرة الدولة على إبقاء الغذاء متاحًا وآمنًا ومستقر الكلفة، من لحظة وصوله إلى الميناء وحتى وصوله إلى المواطن.