عربي ودولي

"صدمنا من الدمار".. عائدون من الضفة إلى غزة يختلط عليهم الفرح والحزن

في مشهد يعكس ألم الفراق وسعادة العودة معا، استقبل مئات الفلسطينيين في ساحة مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، عشرات الأشخاص العائدين من رحلة علاج بالضفة الغربية المحتلة وإسرائيل.

أولئك العائدون حرموا على مدار نحو 3 سنوات من الرجوع إلى القطاع رغم انتهاء رحلة علاجهم، بسبب الإبادة الإسرائيلية، وإغلاق المعابر، والحصار الذي تفرضه تل أبيب على الفلسطينيين هناك.

وصول 74 شخصا

ووصل قطاع غزة مساء الاثنين 74 عالقا، عادوا من رحلة علاج في الضفة وإسرائيل، حيث استقبلهم مئات الفلسطينيين في ساحة مجمع ناصر الطبي، بدموع الفرح.

وتجمع الأهالي حول الحافلات التي أقلت العائدين من معبر كرم أبو سالم، برفقة طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وسط مشاهد مؤثرة اختلطت فيها فرحة استعادة الأحبة بألم الفراق وصدمة رؤية ما خلفته الإبادة الإسرائيلية من دمار واسع.

وكان العائدون قد غادروا قطاع غزة قبل بدء الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في رحلات علاجية إلى مستشفيات الضفة الغربية وداخل إسرائيل، إلا أنهم وجدوا أنفسهم عالقين خارج القطاع مع اندلاع الحرب وإغلاق المعابر وتشديد إسرائيل القيود على حركة الفلسطينيين.

وقبل الإبادة، كانت حركة التنقل لمرضى غزة متاحة إلى الضفة وإسرائيل عبر معبر بيت حانون بالشمال، حيث يخرجون بتحويلات طبية في ظل تهالك المنظومة الطبية ونقص الإمكانات بفعل الحصار الذي تفرضه تل أبيب منذ 2006.

ومع اندلاع الإبادة في أكتوبر 2023، فرضت إسرائيل حصاراً مشدداً على قطاع غزة وأغلقت المعابر بشكل كامل، ومنعت تنقل الأفراد من وإلى القطاع، ما تسبب بأزمة إنسانية للمرضى العالقين في مستشفيات الضفة وإسرائيل.

ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، سمحت إسرائيل بعودة قسم من العالقين، وسط قيود مشددة وإجراءات صارمة.

لقاء أم بطفلها

بدورها، تقول المتحدثة باسم الصليب الأحمر، أماني الناعوق، إن اللجنة 'سهّلت عملية نقل طوعي لأفراد داخل قطاع غزة، بعدما انفصلوا عن عائلاتهم'.

وأضافت الناعوق للأناضول: 'عملت طواقمنا على نقل 74 فردا بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من معبر كرم أبو سالم إلى مجمع ناصر الطبي'.

وبيّنت أن اللجنة قامت بهذا الدور 'بصفتها وسيطا محايدا، وبموافقة كاملة ومسبقة من الأفراد المعنيين'.

كما جرى، وفق الناعوق، التحقق مما إذا كان العائدون بحاجة إلى خدمات طبية معينة.

وبمجرد نزولها من الحافلة، اندفعت نسرين الفقعاوي (42 عاما) نحو طفلها، واحتضنته بقوة، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها وهي تردد: '3 سنوات وأنت بعيد عني يا حبيب قلبي'.

ووسط هذا المشهد، تقول الفقعاوي للأناضول: 'لا كلمات تصف شعوري وأنا عائدة إلى عائلتي وأبنائي بعد 3 سنوات من الحرمان والقلق على مصيرهم'.

وتضيف: 'تغيرت ملامح أولادي، وبالكاد تعرفت عليهم، فالحرب (الإسرائيلية) نالت منا ما نالت من التدمير والخوف والفراق، ولكن في النهاية أحمد الله أنني التقيت بهم بعد طول فراق'.

ولم تكن لحظة اللقاء بالنسبة للفقعاوي مجرد عودة إلى المنزل، بل كانت مواجهة مؤلمة مع واقع غزة التي غادرتها قبل سنوات.

إذ تقول في هذا السياق: 'أصابنا الألم والقهر على حال غزة وما حل بها من نكبة وتدمير، فلم تعد غزة تلك التي أعرفها قبل 3 سنوات'.

وتتابع: 'ما كنا نراه على الشاشات من دمار لا يساوي شيئا مما شاهدته وصدمت به على أرض الواقع'.

لقاء أب بابنه

وفي ركن آخر بمستشفى ناصر، كان والد الطفل المريض وسيم أسامة عبد الرؤوف يعيش لحظة مختلفة من الفرح والألم في آن واحد.

فما إن رأى طفله حتى افترش الأرض باكيا، واحتضنه بشدة، بعد سنوات من الانتظار والفراق.

ويقول للأناضول، إن طفله غادر غزة في رحلة علاج من مرض السرطان في الدماغ، وبقي وحيداً في مستشفيات إسرائيل طوال السنوات الأربع الماضية.

ويضيف: 'طفلي قضى السنوات الأربع السابقة وحيداً بعيداً عني ودون مرافق، وعانى الأمرين بألم الفراق والمرض'.

ويتابع: 'أحمد الله كثيراً أن جمع شملي بطفلي وتمكنت من رؤيته بعد ما مررنا به من قتل وتشريد في غزة خلال الحرب'.

ويختم بكلمات تختصر سنوات الانتظار: 'لا أريد شيئاً من الدنيا سوى احتضان طفلي بعد سنوات الغياب'.

أما سعيد حلس (52 عاماً)، فاستقبل عودته إلى غزة بمزيج من الامتنان والصدمة، بعدما وجد نفسه وجهاً لوجه مع مشاهد الدمار التي ظل يسمع عنها طوال سنوات غيابه.

يقول حلس: 'أحمد الله أن أعادني إلى أهلي ومدينتي في غزة، هذا فضل كبير'.

ويضيف: 'عدنا لنعيش مع أهلنا على السراء والضراء، وفي ظل الظروف المعيشية الكارثية بسبب الحرب، ولكن كل شيء يهون في سبيل جمع الشمل بالأهل والأحبة'.

وبينما كان يتأمل محيط مدينة خان يونس، يقول: 'لأول مرة أرى على الطبيعة هذه المشاهد التي تدمي القلب، بسبب كمية الدمار الهائل التي تسببت به الحرب، شيء يفوق الوصف'.

وبدعم أمريكي، بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 إبادة جماعية في غزة، خلّفت أكثر من 73 ألف قتيل فلسطيني، وما يزيد على 174 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا واسعا بلغ 90 بالمئة من البنى التحتية للقطاع.