انسحاب مؤجل من القطاع.. ومدة مفتوحة لنزع السلاح
ملادينوف: تدمير أنفاق غزة قد يستغرق أكثر من عقد
في تطور يعكس تعقيدات المشهد السياسي الإسرائيلي، كشفت تقارير إسرائيلية وأمريكية عن فجوة واسعة بين تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرافضة لخطة «مجلس السلام»، وبين ما يجري فعليًا على الأرض من خطوات تتقاطع مع بنود الخطة، في وقت يبدو فيه أن الموقف الإسرائيلي المعلن تحكمه بدرجة كبيرة الحسابات السياسية والانتخابية الداخلية.
ففي حين أعلن نتنياهو رفضه العلني لوثيقة «النقاط الـ15» التي طرحها «مجلس السلام»، تشير معطيات أوردتها القناة 12 الإسرائيلية وموقع «أكسيوس» الأميركي إلى أن إسرائيل تنفذ عمليًا بعض بنودها، بما في ذلك انسحابات محدودة من مناطق في رفح، والالتزام بوقف الاغتيالات، واحترام وقف إطلاق النار.
ويُعد «مجلس السلام» هيئة تقودها الولايات المتحدة برئاسة الرئيس دونالد ترامب، وتضم ممثلين عن دول عربية وإقليمية، فيما عُيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي شغل سابقًا منصب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، مديرًا عامًا للمجلس وممثلًا خاصًا لغزة.
ووضع المجلس خريطة طريق للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، تتضمن 15 بندًا، من أبرزها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من القطاع، وانتشار قوة أمنية دولية، وتشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة، والبدء بمشاريع الإغاثة وإعادة الإعمار.
وقال ملادينوف، في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، إن «مساهمة تركيا وقطر كانت حاسمة» في إقناع حماس بالموافقة على خريطة الطريق، مضيفًا أنه لولا مصر والوسطاء الآخرين «لما وصلنا إلى موافقة حماس».
وقال مسؤولون في المجلس للقناة 12: «نشأ وضع عبثي: فعليًا، إسرائيل تنفذ الوثيقة، لكنها ترفضها علنًا».
وكشفت القناة أن نتنياهو عقد، الأسبوع الماضي، مداولات بشأن إمكانية الانسحاب من ثلاث مناطق قرب رفح، في إطار ترتيبات جرى بحثها مع الجانب الأميركي.
وتناولت المداولات إطلاق «مجلس السلام» نموذجًا تجريبيًا في هذه المناطق، بحيث تحل قوة متعددة الجنسيات محل قوات الجيش الإسرائيلي.
ونقلت القناة عن مسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قولهم إن موقف نتنياهو الرافض للخطة فاجأهم، وإن التغيير في موقفه ظهر خلال الساعات الأخيرة فقط، مضيفين: «علمنا بذلك اليوم من وسائل الإعلام.
وفي المداولات التي عُقدت حتى الآن، أعطى رئيس الحكومة بنفسه موافقته على هذه الخطة وعلى الانسحاب من النقاط في رفح».
لكن مكتب نتنياهو نفى هذه الرواية بشدة، وقال: «ننفي التقرير، رئيس الحكومة لم يوافق على أي انسحاب في غزة».
وفي واشنطن، يبدو أن الإدارة الأميركية تتعامل مع التباين بين الموقف المعلن لنتنياهو والخطوات التي تُتخذ على الأرض باعتباره جزءًا من الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية.
ونقل «أكسيوس» عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن البيت الأبيض «غير منزعج» من تصريحات نتنياهو الرافضة للخطة، ويتعامل معها باعتبارها مرتبطة بالمعركة الانتخابية في إسرائيل.
وقال المسؤول: «نتفهم احتياجات نتنياهو السياسية. ليست لدينا مشكلة في ذلك طالما أنه يواصل فعل ما نطلبه، وخصوصًا في ما يتعلق بكبح الهجمات في غزة».
وبحسب المسؤول نفسه، تحدث نتنياهو مع مبعوث الرئيس ترامب وتعهد بـ«إعطاء خطة النقاط الـ15 فرصة»، رغم تحفظاته عليها.
وفي المقابل، أثارت تصريحات ملادينوف في مقابلة مطولة مع القناة 12 الإسرائيلية جدلًا واسعًا، إذ بدت في أجزاء رئيسية منها متطابقة بدرجة كبيرة مع الموقف الإسرائيلي، ولا سيما في ما يتعلق بترتيبات نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي، الأمر الذي دفع منتقديه إلى وصفه بأنه «فتى نتنياهو المدلل».
وقال ملادينوف إن أي انسحاب للجيش الإسرائيلي من غزة سيكون مرهونًا بـ«نزع السلاح الكامل والمتحقق منه»، مؤكدًا أن الخطة تضمن لإسرائيل الاحتفاظ بـ«حق» الرد العسكري المباشر على «أي تهديد» وشيك.
وحدد ملادينوف ثلاثة عناصر أساسية للمخطط، تتمثل في نزع السلاح الكامل من قطاع غزة، بما يشمل «جميع الأسلحة؛ تلك بحوزة الشرطة، والتي بحوزة الفصائل المسلحة، والميليشيات، والأسلحة الثقيلة، ومنشآت الإنتاج، جميعها»، بما في ذلك البنادق الشخصية، ونقل المسؤولية الإدارية في القطاع إلى «مجلس السلام» عبر اللجنة الوطنية لإدارة غزة، إلى جانب دخول قوة أمنية دولية إلى أراضي القطاع لضمان سير العملية.
وعندما سُئل عما إذا كانت إسرائيل ستُطالب بالانسحاب قبل نزع سلاح حماس، أجاب ملادينوف: «لا أحد مُلزم بفعل أي شيء. بالتأكيد ليس إسرائيل، قبل اتخاذ خطوات ملموسة على الأرض».
وفي تصريح لافت، قال ملادينوف إن تدمير جميع الأنفاق في قطاع غزة سيستغرق «أكثر من عقد من الزمان»، مشيرًا إلى أن هذا التقدير يستند إلى «الوتيرة الحالية»، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن المدى الزمني الفعلي لأي انسحاب إسرائيلي من القطاع، ويعني عمليًا، وفق منتقدين، إمكانية بقاء القوات الإسرائيلية في غزة لفترة طويلة.
كما أكد ملادينوف أن الخطة لا تمنع إسرائيل من مواصلة العمل العسكري في مواجهة ما تعتبره تهديدًا مباشرًا، وقال إنه «لا يوجد في الخطة ما يحد من خيارات إسرائيل في الرد على أي تهديد، إذا كان وشيكًا، ويُعرّض قواتها للخطر فعلاً». وتتطابق هذه المقاربة، إلى حد كبير، مع الموقف الذي يعلنه نتنياهو، والذي يصر على أن أي ترتيبات مستقبلية في غزة يجب ألا تقيد قدرة إسرائيل على استخدام القوة متى اعتبرت أن أمنها مهدد.
وفي تحليل نشرته صحيفة «هآرتس» بقلم يونتان ليس، اعتبر الكاتب أن نتنياهو يواجه «مهمة شبه مستحيلة» تتمثل في المناورة بين طرفين متناقضين؛ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يضغط من أجل اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة إعمار غزة، وشركائه من اليمين وحملة الليكود المتعثرة الذين يحثونه على عدم التراجع أو تقديم أي تنازل.
وكتب ليس: «مشكوك فيه أن يكون أحد تفاجأ من قرار رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، افتتاح جلسة مجلس الوزراء ببيان قوي ضد خارطة الطريق... قبل شهرين ونصف على إجراء الانتخابات يجد نتنياهو نفسه مضطرًا إلى المناورة». وبحسب التحليل ذاته، قال الوزير بتسلئيل سموتريتش والوزيرة ستروك للجمهور إن «الحكومة تم تضليلها عندما طلب منها الموافقة على دخول قوة الاستقرار إلى قطاع غزة قبل أسبوعين»، وإن القرار اتخذ بناءً على «معلومات غير صحيحة».
وكان نتنياهو قد أعلن خلال جلسة مجلس الوزراء: «هم أرادوا الانسحاب، وأنا لا أوافق»، متعهدًا بعدم وقف الاغتيالات «إذا كانت تعرض حياتنا للخطر».
وفي غزة، اعتبر المكتب الإعلامي الحكومي أن رفض نتنياهو وثيقة «النقاط الـ15» يمثل «انقلابًا واضحًا» على مسار التفاوض، محذرًا من أن استمرار هذا الموقف يهدد مسار التهدئة ويبقي العمليات العسكرية الإسرائيلية متواصلة في القطاع.
وفي المقابلة نفسها، أثارت تصريحات ملادينوف بشأن ضحايا الحرب انتقادات، بعدما تحدث عن الإسرائيليين وسكان غزة في سياق واحد، قائلًا: «يشترك الإسرائيليون وسكان غزة في مصلحة مشتركة، وهي الخروج من دوامة العنف المروعة هذه التي حصدت أرواحًا كثيرة، وتسببت في دمار واسع النطاق».
ورأى منتقدون أن هذا الطرح يساوي بصورة مروعة بين أعداد القتلى الإسرائيليين وعشرات الآلاف من الشهداء والمصابين الفلسطينيين في غزة، في وقت يعاني فيه القطاع من دمار واسع وانهيار في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ولم يتطرق ملادينوف، خلال المقابلة، بصورة مفصلة إلى الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، أو إلى تداعيات الحرب على المدنيين، في ظل تدمير واسع للمنازل والمنشآت الحيوية، وتدهور الظروف المعيشية والإنسانية.
وعلى المستوى الميداني، أفادت هيئة البث الإسرائيلية العامة بأنه، رغم تصريحات نتنياهو، فإن المنظومة الأمنية الإسرائيلية «لم تتلق بعد أي أمر بتجميد المرحلة التالية في القطاع».
ونقلت الهيئة عن مصدر في المقر الأميركي في كريات غات أن أعمال إنشاء أول قاعدة للقوة متعددة الجنسيات في رفح من المقرر أن تبدأ بعد نحو أسبوعين ونصف، في 30 آب الحالي، ما يشير إلى استمرار الاستعدادات لتنفيذ المرحلة الثانية، رغم الخلافات السياسية المعلنة بشأنها.
ويكشف التباين بين تصريحات نتنياهو ومواقف الأطراف الإسرائيلية المختلفة، وبين التحركات الجارية على الأرض، عن مفارقة سياسية واضحة؛ فبينما يرفض رئيس الحكومة الإسرائيلية الخطة علنًا، يبدو أن جزءًا من ترتيباتها يجري التعامل معه ميدانيًا وأمنيًا، في حين يسعى نتنياهو إلى إبقاء مسافة سياسية عن الخطة خشية تداعياتها على وضعه الداخلي وعلى علاقته بشركائه في اليمين قبل الانتخابات.
وفي الوقت نفسه، تبدو تصريحات ملادينوف، خصوصًا في ما يتعلق بنزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي وحق إسرائيل في استخدام القوة، أقرب إلى توفير إطار سياسي وقانوني يمكن أن تستند إليه إسرائيل في تفسير التزاماتها، بدل أن تشكل ضمانة واضحة لانسحابها من القطاع وإنهاء الحرب.
وبينما تستمر التحركات المتعلقة بالمرحلة الثانية، يبقى مستقبل غزة معلقًا بين مسار سياسي تسعى واشنطن إلى دفعه قدمًا، وحسابات إسرائيلية داخلية تفرض على نتنياهو رفضه علنًا، وترتيبات ميدانية توحي في المقابل بأن أجزاء منه يجري تنفيذها بالفعل.
أما سكان غزة، فيبقون الطرف الأكثر تضررًا من هذا التجاذب، في ظل استمرار المعاناة الإنسانية والدمار والحصار، بينما يتحول مستقبل القطاع إلى ورقة في صراع سياسي وانتخابي إسرائيلي، وإلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الوسطاء والولايات المتحدة والمجتمع الدولي على تحويل الوعود والخطط إلى خطوات فعلية تنهي الحرب وتضمن الانسحاب وإعادة الإعمار.