اقتصاد

خبراء: زيادة الإنتاج المحلي ضرورة لتعزيز الأمن الغذائي

تنويع مصادر الغذاء يعزز صمود الأردن أمام الأزمات

في ظل استيراد الأردن نحو 97% من احتياجاته من القمح، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز 3–5%، يبرز الأمن الغذائي كأولوية تتطلب الموازنة بين الإنتاج المحلي والاستيراد. وبينما ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي في المملكة إلى 61.4% عام 2024، يرى خبراء أن رفع الإنتاج المحلي من القمح إلى 50–60% يمكن أن يعزز قدرة الأردن على مواجهة الأزمات وتقلبات الأسواق العالمية.

قال خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي إن هناك خلطاً شائعاً بين مفهوم الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، مبيناً أن نجاح الدول في تحقيق الأمن الغذائي لا يُقاس بقدرتها على إنتاج جميع ما تستهلكه من غذاء محلياً.

وأوضح أن الأمن الغذائي يعني حصول كل فرد، في كل وقت، على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ يلبي احتياجاته، سواء كان إنتاجه محلياً أو مستورداً، مشيراً إلى أن المعيار الأساسي يتمثل في توافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه والاستفادة منه.

وأشار الزعبي إلى أن دولاً مثل سنغافورة تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها الغذائية، ومع ذلك تعد من الدول الأكثر أمناً غذائياً، نتيجة اعتمادها على تنويع مصادر الغذاء، وبناء الشراكات، والتخزين الاستراتيجي، والاستقرار الاقتصادي.

وبيّن أن هذا التمييز مهم لفهم واقع الأردن، في ظل محدودية الموارد الطبيعية، إذ يعد نصيب الفرد من المياه المتجددة من الأدنى عالمياً، إلى جانب محدودية الأراضي الصالحة للزراعة واعتماد جزء كبير من الإنتاج الزراعي على مياه الأمطار.

ولفت إلى أن الموسم المطري 2024-2025 كان من أضعف المواسم منذ عقود، بعد سلسلة من المواسم دون المعدل، ما يجعل الإنتاج الزراعي أكثر عرضة لتقلبات المناخ.

وقال إن الأردن لا يملك ترف السعي إلى تحقيق اكتفاء ذاتي كامل من محاصيل مثل القمح، الذي لا يغطي الإنتاج المحلي منه سوى نحو 3% من الاستهلاك، فيما تستورد المملكة نحو 1.15 مليون طن سنوياً، إضافة إلى الشعير والأرز والسكر والزيوت النباتية، وهي سلع يصعب إنتاجها محلياً بكميات اقتصادية بسبب استهلاكها المرتفع للمياه.

وأشار الزعبي إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي الكلي في الأردن ارتفعت إلى 61.4% عام 2024، فيما حققت المملكة اكتفاءً ذاتياً كاملاً في الحليب الطازج وبيض المائدة، معتبراً أن ذلك يؤكد إمكانية تحقيق تقدم أكبر عند توجيه الموارد نحو السلع التي يمتلك الأردن فيها ميزة نسبية حقيقية.

وأضاف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في الترابط بين أمن الطاقة وأمن الغذاء، موضحاً أن ضخ المياه الجوفية وتحليتها وتشغيل شبكات الري وتبريد سلاسل التوريد كلها عمليات تحتاج إلى الطاقة، ما يجعل ارتفاع أسعار النفط أو الغاز عالمياً ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الغذاء ونقله وتوزيعه.

ولفت إلى أن الموقع الجغرافي للأردن يمثل تحدياً إضافياً، في ظل اعتماد المملكة على ممرات إقليمية لاستيراد الغذاء والطاقة، تمر بمناطق تشهد اضطرابات متكررة، مشيراً إلى أن أي اضطراب في هذه الممرات قد يهدد استمرارية الإمدادات وليس الأسعار فقط.

وأكد أهمية التخزين الاستراتيجي وتنويع مصادر الاستيراد، مشيراً إلى أن الأردن يحتفظ بمخزون استراتيجي من القمح يغطي نحو ثمانية أشهر من الاستهلاك، وهو مستوى معقول يحتاج إلى تطوير مستمر في آليات إدارته وتجديده.

ورأى الزعبي أن الوصول إلى أمن غذائي حقيقي لا يتطلب محاولة زراعة كل شيء محلياً، وإنما إدارة الفجوة بذكاء، من خلال تنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار في الزراعة عالية القيمة والكفؤة مائياً، كالزراعة المحمية وإعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في التخزين والنقل والخدمات اللوجستية.

كما دعا إلى تعزيز الحوكمة المؤسسية لملف الأمن الغذائي، مشيراً إلى إنشاء المجلس الأعلى للأمن الغذائي في حزيران 2025 برئاسة رئيس الوزراء، مع ضرورة أن يتحول من إطار تنسيقي إلى جهة قرار فاعلة قادرة على تحديد الأولويات بين الجهات المعنية.

وفي المقابل، قال مؤسس وشريك «قمح البركة» ربيع زريقات إن الأردن يستورد نحو 97% من احتياجاته من القمح، فيما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 3–5%، معتبراً أن الوصول إلى اكتفاء ذاتي كامل قد يكون صعباً، إلا أن رفع الإنتاج المحلي إلى 50–60% من الاحتياجات يعد هدفاً ممكناً وطموحاً.

وأوضح زريقات أن تحقيق هذه النسبة، مع استمرار استيراد الكميات المتبقية، سيعزز الأمن الغذائي ويقلل المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية والأزمات، دون فرض أعباء غير قابلة للتحمل على الموارد المائية.

وأكد أن الهدف لا يتمثل في إنتاج كل ما يستهلكه الأردن، وإنما بناء منظومة غذائية أكثر مرونة واستدامة، يكون فيها الإنتاج المحلي ركيزة أساسية إلى جانب الاستيراد.

وأشار إلى أن الأردن حقق تقدماً مهماً في تعزيز الأمن الغذائي، خصوصاً في بناء مخزون استراتيجي من القمح والشعير، لكنه شدد على أن الأمن الغذائي لا يقتصر على التخزين، بل يبدأ من الإنتاج.

ودعا إلى وضع استراتيجية طويلة الأمد تعزز الإنتاج المحلي وتدعم المزارعين وتطور سلاسل القيمة الغذائية، بما يزيد قدرة الأردن على مواجهة الأزمات العالمية بأقل قدر ممكن من الاعتماد على الخارج.

وبيّن أن ذلك يتطلب دعم زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، والاستثمار في أصناف محلية تتحمل الجفاف وتستهلك كميات أقل من المياه، إلى جانب الحد من الفاقد والهدر الغذائي وتطوير الصناعات الغذائية وسلاسل القيمة المحلية.

وشدد زريقات على أهمية تشجيع المستهلك على شراء المنتج الوطني، موضحاً أن زيادة الطلب على المنتجات المحلية تمنح المزارع قدرة أكبر على الاستمرار والاستثمار في الإنتاج، بما يعزز الأمن الغذائي على المدى الطويل.

من جهته، أكد مدير عام الاتحاد العام للمزارعين الأردنيين، المهندس محمود العوران، أن الأمن الغذائي يشكل ركيزة أساسية لمختلف أشكال الأمن، سواء السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، مشدداً على أهمية تعزيز القطاع الزراعي باعتباره أحد العناوين الرئيسية في مسيرة تحديث الدولة.

وقال العوران إن توجيهات جلالة الملك للحكومة بشأن منظومة الأمن الغذائي والمائي تمثل رؤية استباقية للحفاظ على مخزون استراتيجي وبناء منظومة غذائية ومائية قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية، مؤكداً ضرورة تنفيذ هذه الرؤية وتعزيز الشراكة المستدامة بين القطاعين العام والخاص.

وأضاف أن الظروف الجيوسياسية والصراعات الدائرة أظهرت أهمية الغذاء، بعدما أصبح يستخدم في بعض الحروب كأداة أو وسيلة ضغط، الأمر الذي يستدعي تعزيز قدرة الأردن على تأمين احتياجاته الغذائية وعدم الاكتفاء بالاعتماد على الأسواق الخارجية.

وأشار إلى أن القطاع الزراعي يواجه عدداً من التحديات التي تنعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي، من أبرزها التغيرات المناخية والتحديات التي تواجه المزارعين، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الزراعة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وأوضح العوران أن أهمية القطاع الزراعي لا تقتصر على توفير الغذاء، وإنما تمتد إلى دوره في حماية البيئة ودعم الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، داعياً إلى التعامل مع الزراعة باعتبارها قطاعاً استراتيجياً وليس نشاطاً اقتصادياً فقط.

ولفت إلى أن انخفاض أسعار الخضروات في بعض المواسم والخسائر التي يتعرض لها المزارعون تعكس وجود تحديات تتطلب البحث عن حلول عملية ومستدامة، بما يضمن استمرارية الإنتاج ويحافظ على قدرة المزارع الأردني على الاستثمار في أرضه.

وأكد أن تعزيز الأمن الغذائي يتطلب العمل بروح الفريق بين مختلف الجهات، إلى جانب بناء شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، مشدداً على أن الأمن الغذائي لا يمكن فصله عن الأمن المائي، وأن التعامل مع الملفين ضمن منظومة واحدة يعزز قدرة الأردن على مواجهة التحديات الإقليمية والمناخية.