محليات

خبير: الأردن يعزز منظومة الأمن الغذائي بالتخطيط الاستباقي

من خلال تنويع مصادر الاستيراد والشراكة مع القطاع الخاص

أهمية الانتقال من التنسيق التقليدي إلى منظومة بيانات، تربط الجهات الرقابية بالمستوردين والصناعيين
أكد الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن التوجيهات الملكية الأخيرة بتعزيز المخزون الاستراتيجي جاءت في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما يشهده العالم من اضطرابات مناخية وجيوسياسية ولوجستية تؤثر في أسواق الغذاء وسلاسل التوريد، مشيراً إلى أن وزارة الصناعة والتجارة والتموين باشرت تنفيذ التوجيهات، وأصدرت في 4 آب الحالي تقريراً حول كفاية المخزون الاستراتيجي.
وقال الزعبي لـ «الرأي» إن المخاطر التي تواجه الأمن الغذائي لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإنتاج العالمي، وإنما بقدرة السلع على الوصول إلى الأسواق، في ظل اضطرابات النقل البحري، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، والتوترات الجيوسياسية، وتقلبات الأسعار، والقيود التي قد تفرضها الدول المنتجة على صادراتها لحماية أسواقها المحلية.
وأوضح أن التجارب العالمية أظهرت أن انقطاع الغذاء لا ينشأ بالضرورة عن نقص الإنتاج، وإنما قد ينتج عن تعطل حركة السلع، سواء بسبب توقف الموانئ أو تأخر الشحنات أو تعثر الإجراءات التجارية والمالية.
وبين أن المخزون الاستراتيجي ليس رصيداً ساكناً، بل عملية متحركة يجري خلالها الاستهلاك وإعادة البناء في الوقت ذاته، مستشهداً بأرقام رسمية متتالية تظهر هذا الواقع.
وأشار إلى أنه في مطلع تموز الماضي بلغ الرصيد الفعلي من القمح نحو 674 ألف طن، فيما بلغت الكفاية الإجمالية، بما فيها الكميات المتعاقد عليها، 10.3 أشهر. وفي 4 آب، بلغ الرصيد الفعلي نحو 610 آلاف طن، وبلغت الكفاية الإجمالية 9.6 أشهر.
وأكد أن هذا التراجع طبيعي ولا يدعو إلى القلق، باعتباره يعكس الاستهلاك الشهري المعتاد، الذي يقدر بنحو 95 ألف طن، لكنه يكشف في المقابل حقيقة مهمة، وهي أن رقم المخزون يمثل «صورة لحظية» لمنظومة متحركة.
وأضاف أن السؤال الأهم ينبغي أن لا يكون «كم لدينا اليوم؟»، وإنما «ما العلاقة بين معدل السحب وسرعة إعادة التوريد؟»، موضحاً أن دولة تمتلك مخزوناً لستة أشهر وتستطيع تعويض شحناتها خلال أسبوعين قد تكون أكثر أماناً من دولة تمتلك مخزوناً لعشرة أشهر لكنها تحتاج ثلاثة أشهر لإتمام دورة شراء جديدة.
وقال الزعبي إن هذه المعطيات تفرض الانتقال من قياس حجم المخزون إلى قياس جاهزية منظومة الأمن الغذائي بأكملها، بحيث لا تقتصر القراءة على عدد الأشهر المتاحة، وإنما تشمل سرعة إعادة التوريد، وتنوع مصادر الاستيراد، ومرونة سلاسل الإمداد، وقدرة القطاع الخاص على الاستجابة، ومدى جاهزية البنية اللوجستية في حالات الطوارئ.
وبحسب تقرير وزارة الصناعة والتجارة والتموين، يبلغ رصيد القمح المتوافر فعلياً في المستودعات نحو 610 آلاف طن، بما يكفي لنحو 6.4 أشهر، تضاف إليها 302 ألف طن متعاقد عليها وفي الطريق، تكفي لنحو 3.2 أشهر، ليصل إجمالي الكفاية إلى 9.6 أشهر.
أما الشعير، فيبلغ رصيده نحو 609 آلاف طن، تكفي لنحو سبعة أشهر، إلى جانب 220 ألف طن في الطريق تكفي لنحو 2.5 شهر، ليصل الإجمالي إلى نحو 9.5 أشهر.
وفي المقابل، تتراوح كفاية بقية السلع بين شهرين وأربعة أشهر؛ إذ تبلغ كفاية السكر نحو شهرين ونصف، والأرز نحو ثلاثة أشهر ونصف، والزيوت النباتية بين شهرين ونصف وثلاثة أشهر، والبقوليات بين شهرين وأربعة أشهر بحسب الصنف، والحليب المجفف نحو ثلاثة أشهر، والذرة العلفية أكثر من ثلاثة أشهر.
ويرى الزعبي أن القراءة التقليدية لهذه الأرقام قد تتوقف عند وصفها بالمطمئنة، وهو أمر صحيح، إلا أن القراءة القائمة على الجاهزية تكشف تفاصيل أخرى أكثر أهمية.
وأوضح أن نحو ثلث كفاية القمح المعلنة، أي 3.2 أشهر من أصل 9.6 أشهر، ما يزال خارج المملكة، ضمن كميات متعاقد عليها وفي طريقها بحراً، ما يجعلها عرضة، بطبيعتها، للمخاطر اللوجستية التي يفترض بالمخزون الاستراتيجي أن يحصّن المملكة منها. ولذلك، يرى أن من الأدق التمييز بين «الكفاية السيادية المحققة»، وهي الكميات الموجودة فعلياً داخل المستودعات، و'الكفاية التعاقدية»، التي لا تتحقق فعلياً إلا عند وصول الشحنة إلى المملكة وتخزينها.
وأشار إلى أن منظومة الأمن الغذائي تعمل وفق مستويين مختلفين؛ الأول يتعلق بالسلع التي تشتريها الدولة من خلال عطاءات دورية، وتصل كفايتها إلى أكثر من تسعة أشهر في بعض الحالات، والثاني يتعلق بسلع يتولى القطاع الخاص استيرادها، وتتراوح كفايتها بين شهرين وأربعة أشهر.
وأكد أن هذا التباين لا يمثل خللاً بحد ذاته، وإنما يعكس اختلاف نماذج الشراء والتخزين، إلا أنه يستدعي التعامل مع كل سلعة وفق مستوى المخاطر المرتبط بها.
وقال الزعبي إن القاعدة الأساسية في تقييم جاهزية أي منظومة هي أن «الحلقة الأقصر» هي التي تحدد مستوى الجاهزية، وليس الحلقة الأطول.
وأوضح أنه في حال حدوث إغلاق أو ازدحام حاد في أحد منافذ الاستيراد الرئيسية لمدة ثلاثة أشهر، فإن مستويات القمح والشعير قد تمنح المملكة هامشاً مريحاً، في حين قد تقترب سلع أخرى، مثل السكر والزيوت النباتية، من حدودها الدنيا.
ومن هنا، تبرز مجموعة من الأسئلة التي ينبغي أن تدخل في تقييم الأمن الغذائي، ومنها: ماذا يحدث إذا تعطلت الموانئ أو تأخر التفريغ؟ وماذا لو تضاعفت تكاليف الشحن والتأمين خلال أسابيع؟ وماذا لو توقف أحد الموردين الرئيسيين؟ وإلى أي مدى تتنوع مصادر الاستيراد لكل سلعة؟ وكم تستغرق دورة الشراء كاملة، من طرح العطاء حتى دخول الشحنة إلى المستودعات؟ وما القدرة المالية للقطاع الخاص على تمويل مخزون إضافي في حالات الطوارئ؟
وأشار إلى أن هذه الأسئلة لا تجيب عنها أرقام المخزون وحدها، لكنها تحدد بصورة أكبر قدرة المنظومة على التعامل مع الأزمة عندما تقع.
ولفت الزعبي إلى أن تعزيز المخزون جاء ثمرة تنسيق بين وزارة الصناعة والتجارة والتموين وغرفتي تجارة الأردن وصناعة الأردن، إلى جانب التجار والمستوردين والقطاع الصناعي، فضلاً عن استمرار الجولات الرقابية ومتابعة السلاسل التموينية.
وأكد أن هذه الشراكة مهمة، خصوصاً أن الجزء الأكبر من مخزون عدد من السلع، باستثناء الحبوب التي تحظى بمخزون استراتيجي حكومي واسع، موجود في مستودعات القطاع الخاص.
وقال إن ذلك يعني أن المخزون الوطني الحقيقي هو مجموع المخزونين العام والخاص، وأن هذا المخزون لا يمكن أن يتحول إلى أصل استراتيجي قابل للإدارة ما لم يكن مرئياً بصورة دورية ومنتظمة لصانع القرار.
وأشار إلى أهمية الانتقال من التنسيق التقليدي إلى منظومة تشاركية للبيانات، تربط الجهات الرقابية بالمستوردين والصناعيين، وتتيح رؤية أكثر آنية للمخزون والكميات المتعاقد عليها والشحنات المستقبلية، معتبراً أن هذا من أبرز الاحتياجات التي تكشفها قراءة الأرقام الحالية، ومن الاستثمارات التي يمكن أن تحقق عائداً مرتفعاً في ملف الأمن الغذائي.
وأكد أن الأردن، رغم محدودية موارده المائية واعتماده الكبير على الاستيراد، استطاع خلال السنوات الماضية بناء منظومة أثبتت قدرتها على الصمود، مستنداً إلى التخطيط الاستباقي، والتعاقدات المستقبلية، وتنويع مصادر الاستيراد، والشراكة مع القطاع الخاص، والمتابعة المستمرة للأسواق العالمية.