اقتصاد

رؤية التحديث الاقتصادي.. من التخطيط إلى الإنجاز

البدء بتنفيذ 343 مشروعاً خلال النصف الأول من العام

في وقت تواصل فيه المنطقة مواجهة ظروف استثنائية ومعقدة، يواصل الاقتصاد الأردني بناء مساره الخاص مستنداً إلى مجموعة من المؤشرات التي تعكس تقدماً في تنفيذ مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، والانتقال تدريجياً من مرحلة وضع الخطط والبرامج إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة عنوانها تعظيم الأثر الاقتصادي وتحويل المشاريع والإصلاحات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ويأتي البدء بتنفيذ 343 مشروعاً خلال النصف الأول من العام الحالي من أصل 394 مشروعاً يتضمنها البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026-2029، إلى جانب ارتفاع نسبة رقمنة الخدمات الحكومية إلى نحو 86 بالمئة مقارنة مع 80 بالمئة في نهاية العام الماضي، ليشكلا مؤشرين بارزين على تقدم مسار التنفيذ، وسط تأكيدات من خبراء واقتصاديين بأن أهمية هذه الأرقام تتجاوز حجمها العددي إلى ما يمكن أن تنتجه من تحسن في بيئة الأعمال ورفع كفاءة الاقتصاد وتعزيز قدرته على جذب الاستثمار وتوفير فرص العمل.
ويرى عضو مجلس إدارة غرفة صناعة عمان المهندس موسى الساكت أن المؤشرات الواردة في تقرير النصف الأول تعكس تقدماً مهماً في الانتقال من مرحلة وضع الخطط إلى مرحلة التنفيذ، معتبراً أن البدء بتنفيذ 343 مشروعاً من أصل 394 مشروعاً يمثل بحد ذاته مؤشراً إيجابياً على وجود جدية في متابعة برنامج التحديث وعدم بقائه ضمن إطار الخطط والوثائق فقط.
ويؤكد الساكت أن التقييم الحقيقي للنجاح يجب ألا يتوقف عند عدد المشاريع التي بدأ تنفيذها، وإنما عند نسبة الإنجاز الفعلية والأثر الاقتصادي الذي ستتركه هذه المشاريع، بحيث ينعكس بصورة واضحة على النمو والاستثمار والصادرات والإنتاجية وفرص العمل وتحسين بيئة الأعمال، وليس فقط من خلال ارتفاع عدد المشاريع أو الإجراءات الحكومية. ويشير إلى أن ما يهم القطاع الخاص والصناعة تحديداً هو أن تتحول مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي إلى نتائج مباشرة تتمثل في تخفيض كلف الإنتاج والنقل والطاقة والتمويل، وتسريع الإجراءات، وتحسين البنية التحتية والخدمات، وزيادة القدرة التنافسية للصناعة الأردنية، لافتاً إلى أن نجاح الرؤية يقاس في نهاية المطاف بقدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة مضافة وفرص عمل ودخل أعلى للمواطن.
وفي هذا الإطار، يرى الساكت أن التحول الرقمي يمثل خطوة أساسية في مسار الإصلاح الاقتصادي، وليس هدفاً بحد ذاته، موضحاً أن الوصول إلى نحو 86 بالمئة من رقمنة الخدمات الحكومية يعد مؤشراً جيداً، إلا أن القيمة الحقيقية للرقمنة تظهر عندما تؤدي إلى تقليل الوقت والكلفة والبيروقراطية، وتسهيل تأسيس الشركات والاستثمار والتجارة، وربط المؤسسات الحكومية ببعضها البعض، بحيث لا يضطر المستثمر أو المواطن إلى التعامل مع الإجراءات ذاتها لدى أكثر من جهة.
ويؤكد أن استمرار العمل في المشاريع الكبرى، خصوصاً في قطاعات المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية، يحمل أهمية مضاعفة في الظروف الحالية، إذ إن هذه المشاريع لا تحافظ فقط على النشاط الاقتصادي والاستثماري، وإنما تخلق طلباً على القطاعات المحلية وفي مقدمتها الصناعة والمقاولات والخدمات، بما يدعم دورة النشاط الاقتصادي ويعزز فرص النمو. ويشير الساكت إلى أن الاقتصاد الأردني أثبت خلال السنوات الماضية درجة عالية من المرونة في مواجهة الصدمات الإقليمية، معتبراً أن هذه المرونة تمثل أحد أهم عناصر القوة التي ينبغي البناء عليها خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار حالة عدم اليقين في المنطقة. وفيما يتعلق بالسياحة، يرى الساكت أن قدرة الأردن على الحفاظ على تدفقات سياحية في ظل الظروف الإقليمية تؤكد أن المنتج السياحي الأردني يمتلك مقومات قوية ومتنوعة، وأن المملكة ما تزال قادرة على أن تكون وجهة جاذبة، إلا أن قراءة المؤشرات السياحية تحتاج إلى النظر إلى الصورة الأشمل.
ويشير إلى أن بيانات البنك المركزي تظهر أن الإيرادات السياحية خلال النصف الأول من العام بلغت نحو 3.5 مليار دولار، مع تراجع بنسبة 5.3 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم ارتفاعها خلال شهر حزيران بنسبة 7 بالمئة، معتبراً أن هذه الأرقام تؤكد قدرة القطاع على الصمود، لكنها في الوقت ذاته تظهر مدى تأثره بالتطورات الإقليمية وحركة الطيران والأسواق السياحية الرئيسية.
ويؤكد أن الهدف في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على زيادة أعداد الزوار، وإنما يجب أن يتجه أيضاً إلى زيادة إنفاق السائح وإطالة مدة إقامته وتوسيع استفادة المحافظات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من النشاط السياحي، إذ إن إنفاق السائح لا يبقى محصوراً في القطاع السياحي، بل يمتد أثره إلى الفنادق والمطاعم والنقل والحرف والصناعات الغذائية والتجزئة والخدمات، ما يجعل السياحة محركاً لعدد واسع من القطاعات الاقتصادية.
بدوره، أكد رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين أيمن العلاونة أن المؤشرات الواردة في تقرير النصف الأول من العام تعكس تقدماً ملموساً في ترجمة مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي إلى مشاريع وبرامج تنفيذية، لافتاً إلى أن البدء بتنفيذ 343 مشروعاً، إلى جانب وصول نسبة رقمنة الخدمات الحكومية إلى نحو 86 بالمئة، يشكلان مؤشراً إيجابياً على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي.
وأضاف العلاونة أن استمرار تنفيذ المشاريع ذات الأولوية، بالتوازي مع تطوير الخدمات الحكومية وتعزيز التحول الرقمي، يسهم في تحسين بيئة الأعمال ورفع كفاءة الإجراءات أمام المستثمرين والقطاع الخاص، مؤكداً أهمية مواصلة المتابعة والتقييم لضمان تحقيق الأثر الاقتصادي المستهدف من هذه المشاريع، وتحويل نتائجها إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وفيما يتعلق بالقطاع السياحي، أشار العلاونة إلى أن تسجيل نحو 3.15 مليون زائر خلال النصف الأول من العام، وتحقيق دخل سياحي بلغ نحو 2.47 مليار دينار، يؤكدان قدرة القطاع على الحفاظ على دوره كمحرك رئيس للاقتصاد الوطني، رغم التحديات والظروف الإقليمية.
وأكد أن استمرار النشاط السياحي يعكس متانة مقومات الأردن السياحية وقدرته على استقطاب الزوار، مبيناً أن الحفاظ على هذه المستويات خلال المرحلة المقبلة يتطلب تنويع الأسواق السياحية، وتعزيز الترويج للمملكة، وتطوير المنتج السياحي والخدمات المرتبطة به، بما يرفع مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي ويوسع دائرة المستفيدين منه.
وشدد العلاونة على أن مواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى، إلى جانب الحفاظ على زخم القطاع السياحي، من شأنها دعم النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة تداعيات عدم اليقين الإقليمي، مؤكداً أهمية مواصلة العمل على الملفات التي تعزز الثقة بالاقتصاد الأردني وتدعم قدرته على جذب الاستثمارات.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي إياس الشعيبي أن قراءة مؤشرات التحديث الاقتصادي يجب أن تتم من منظور اقتصادي واستراتيجي ينظر إلى الصورة الكبيرة، مع عدم إغفال التفاصيل الدقيقة التي تصنع الأثر الحقيقي عند الوصول إلى مرحلة التنفيذ. ويشير الشعيبي، الذي شارك في جلسات العمل الاقتصادي وملفات مرتبطة بالقطاعات الاستراتيجية ومنها الطاقة، إلى أن المؤشرات الحالية تعكس قدرة الحكومة على ترجمة ما جرى بحثه خلال جلسات العمل الاقتصادي إلى واقع ملموس، معتبراً أن الانطلاق في تنفيذ نحو 343 مشروعاً يمثل دلالة واضحة على الجدية في الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي.
ويولي الشعيبي أهمية خاصة لمؤشر رقمنة الخدمات الحكومية الذي وصل إلى نحو 86 بالمئة، معتبراً أن هذا التحول يحمل أثراً اقتصادياً مباشراً، لأنه لا يرتبط فقط باستخدام التكنولوجيا، وإنما يساهم في كسر البيروقراطية وتقليل المعيقات وهدر الوقت. ويوضح أن الوقت الذي كان المواطن والموظف الحكومي يستهلكانه في متابعة المعاملات والإجراءات يمكن أن يتحول، مع اكتمال منظومة الرقمنة، إلى وقت مخصص للعمل والإنتاج والتمكين الاقتصادي، ما يعني أن الرقمنة يمكن أن تتحول إلى مصدر حقيقي لرفع كفاءة الاقتصاد وليس مجرد تحديث إداري.
ولا يتوقف أثر الرقمنة، بحسب الشعيبي، عند المواطن والمؤسسات الحكومية، وإنما يمتد إلى المستثمرين، إذ إن قدرة المستثمر على تقديم طلباته إلكترونياً والاطلاع على التراخيص المطلوبة والإجراءات اللازمة قبل حضوره إلى المملكة، توفر له صورة أوضح عن البيئة الاستثمارية وتقلل الوقت والكلفة المرتبطين باتخاذ القرار الاستثماري. ويؤكد الشعيبي أن هذه المؤشرات ممتازة وتوفر أرضية إيجابية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تفعيل وتمكين هذه المشاريع وتحويلها إلى أثر اقتصادي، خصوصاً من خلال رفع كفاءة الموارد البشرية الأردنية وخلق فرص عمل حقيقية للمواطنين، باعتبار أن الوصول إلى أهداف طموحة في مجال التشغيل يتطلب مواصلة الاستثمار في الإنسان والقطاعات الإنتاجية. وفي السياق السياحي، يرى الشعيبي أن أرقام الزوار والعوائد الاقتصادية تحمل دلالات أوسع من كونها مؤشرات مرتبطة بقطاع واحد، إذ تعكس في جانب مهم منها قيمة استراتيجية يمتلكها الأردن تتمثل في الاستقرار.
ويعتبر أن الاستقرار يمثل أحد الأصول الاستراتيجية للأردن في الإقليم، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية والمعقدة التي تمر بها المنطقة، وأن قدرة المملكة على الحفاظ على نشاطها السياحي وإبقاء أبوابها مفتوحة أمام الزوار تحمل رسالة قوية تتجاوز قطاع السياحة إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى.
ويشير إلى أن هذه الرسالة تنعكس على ثقة رأس المال، وتظهر في المفاوضات مع المستثمرين والمشاريع الكبرى في مختلف القطاعات، سواء التعدين أو البنية التحتية أو الطاقة، إذ إن قدرة الأردن على استقطاب الزوار والاستثمارات في ظل الظروف الإقليمية تعزز الثقة بإمكانية تنفيذ مشاريع طويلة الأجل في المملكة.
وبحسب الشعيبي، فإن هذه الثقة يمكن أن تتحول إلى استثمارات رأسمالية طويلة الأجل، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الاستقرار وتعزيز بيئة الأعمال جزءاً من المنظومة الاقتصادية والاستثمارية وليس فقط من الاعتبارات السياسية أو الاجتماعية.
وفي المرحلة المقبلة، يرى الشعيبي أن الأردن يمتلك أرضية صلبة يمكن البناء عليها لرفع سقف الطموحات، والاستفادة من الحالة الإيجابية الحالية لتسريع وتيرة الاستثمارات الكبرى وتسهيلها، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالثروات الطبيعية، ومشاريع التحول نحو الطاقة الخضراء، والمياه والبنية التحتية.
ويشدد على أهمية أن تترافق هذه الخطوات مع استمرار التواصل الواضح والبسيط والشفاف مع المستثمر والمواطن، بما يعزز الثقة ويجعل جميع الأطراف أكثر قدرة على فهم مسار المشاريع والفرص المتاحة والنتائج المستهدفة.
ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة أمام الاقتصاد الأردني أقرب إلى مرحلة تعظيم الاستفادة من الإنجاز المتحقق، وليس مجرد البحث عن مؤشرات جديدة؛ فالمشاريع التي دخلت مرحلة التنفيذ تحتاج إلى تسريع الإنجاز، والرقمنة تحتاج إلى التحول إلى كفاءة فعلية، والاستقرار يحتاج إلى ترجمة اقتصادية عبر استثمارات طويلة الأجل، فيما يتطلب القطاع السياحي الانتقال من التركيز على عدد الزوار إلى تعظيم العائد الاقتصادي منهم.
وبينما تؤكد المؤشرات أن الأردن قطع شوطاً مهماً في الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، فإن الرهان خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الحفاظ على هذا الزخم، وتسريع وتيرة العمل، وتحويل كل مشروع إلى فرصة، وكل عملية رقمنة إلى كفاءة، وكل استثمار إلى قيمة مضافة، وكل ميزة يمتلكها الأردن إلى مصدر جديد للنمو.
فالأردن، وفق هذه الرؤية، لا يبدأ المرحلة المقبلة من نقطة الصفر، بل يقف على أرضية أكثر صلابة، يمتلك فيها برنامجاً تنفيذياً واضحاً، ومشاريع كبرى قيد التنفيذ، وقطاعاً خاصاً قادراً على الشراكة، ومقومات سياحية واستثمارية، وميزة استراتيجية تتمثل في الاستقرار، ليكون التحدي الحقيقي هو البناء على هذه المقومات وتحويلها إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على توفير الفرص وتحقيق أثر اقتصادي مستدام.