لم تعد كفاءة الطاقة خيارًا تشغيليًا أمام الصناعة الأردنية، بل أصبحت أحد مقومات التنافس والاستدامة، في ظل ارتفاع كلف الإنتاج، وتزايد الوعي بأهمية تحسين كفاءة العمليات، إلى جانب المتطلبات البيئية والتنافسية المتزايدة في الأسواق العالمية.
وتتجه المنشآت الصناعية إلى تحسين كفاءة المعدات والعمليات الإنتاجية، والحد من الهدر، والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة، وتطوير أنظمة إدارة الطاقة، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد، ويخفض كلف التشغيل، ويدعم قدرة المنتج الأردني على المنافسة محليًا وخارجيًا.
قال مدير مركز الطاقة والاستدامة البيئية في الصناعة في غرفة صناعة الأردن، المهندس معن العياصرة، إن كفاءة الطاقة أصبحت جزءًا من مفهوم الاستدامة الصناعية، وليست مجرد وسيلة لتخفيض فاتورة الكهرباء، مشيرًا إلى أن تحسين كفاءة العمليات الإنتاجية ورفع كفاءة المعدات وتطبيق أنظمة إدارة الطاقة يعزز تنافسية المنشآت واستدامتها على المدى الطويل.
قال الخبير الفني في صندوق تشجيع الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة بوزارة الطاقة والثروة المعدنية، عبدالمنعم صيام، إن الصندوق ينفذ برنامج دعم تنفيذ تقنيات كفاءة الطاقة في المنشآت الصناعية، بهدف تمكين المصانع في مختلف الأقاليم والتجمعات الصناعية من تحديد مواضع الهدر الفني والحراري واكتشاف فرص التوفير.
وأوضح أن الشروط المرجعية لدراسات التدقيق الطاقي جرى تحديثها بالتنسيق مع غرفة صناعة الأردن، بما يتيح للمنشآت الصناعية إجراء دراسات تدقيق طاقي من المستوى الأول «Level 1» والمستوى الثاني» Level 2»، بحسب حجم المنشأة واحتياجاتها التشغيلية.
وأشار إلى أن الصندوق أسهم منذ عام 2016 في مأسسة سوق خدمات الطاقة، إذ ارتفع عدد شركات التدقيق الطاقي المرخصة في المملكة من صفر عام 2015 إلى 15 شركة متخصصة، ما أسهم في خلق فرص عمل هندسية متخصصة وتطوير الخبرات الوطنية في هذا المجال.
وتأتي هذه البرامج ضمن أطر وطنية أوسع، إذ تتماشى مع رؤية التحديث الاقتصادي، والاستراتيجية الوطنية للطاقة 2020-2030، والخطة الوطنية للنمو الأخضر، بما يدعم خفض كثافة الانبعاثات الكربونية وتعزيز تنافسية القطاع الصناعي.
وبيّن صيام أن الصندوق دعم تنفيذ أكثر من 187 دراسة تدقيق طاقي تفصيلية لمنشآت صناعية في مختلف القطاعات، تمثل نحو 8.2 بالمئة من إجمالي المنشآت الصناعية في المملكة وفق تصنيف غرف الصناعة.
وأظهرت نتائج الدراسات إمكانية خفض استهلاك الكهرباء والوقود بنسب تتراوح بين 14 و55 بالمئة، بحسب طبيعة القطاع الفرعي والإجراءات التي يمكن تطبيقها.
وأضاف أن الدراسات المكتملة تتوقع وفورات مالية سنوية تقدر بنحو 12.55 مليون دينار في حال تنفيذ مخرجاتها، فيما يمكن أن يصل الوفر السنوي المباشر إلى نحو 194.7 مليون دينار إذا جرى تعميم تطبيق إجراءات كفاءة الطاقة على جميع المنشآت الصناعية في المملكة، والبالغ عددها 2,193 منشأة وفق البيانات الواردة في الدراسات.
كما يمكن أن يؤدي التوسع في تطبيق إجراءات كفاءة الطاقة إلى خفض الاستهلاك الوطني الكلي للكهرباء بنسبة 5.5 بالمئة، وتوفير نحو 1,271 جيجاواط/ساعة سنويًا.
ولا تقتصر المكاسب على خفض استهلاك الطاقة، إذ تسهم الإجراءات في تحسين كفاءة العمليات الإنتاجية، وخفض تكاليف التشغيل، وتقليل الانبعاثات، ورفع الاعتمادية والأداء التشغيلي للمنشآت.
ورغم الجدوى الاقتصادية لمشاريع كفاءة الطاقة، تواجه المنشآت الصناعية تحديات تختلف بحسب حجمها وطبيعة نشاطها ومستوى جاهزيتها الفنية والاستثمارية، وفي مقدمتها ارتفاع الكلفة الاستثمارية الأولية والحاجة إلى توفير التمويل الملائم، خصوصًا للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
أوضح صيام أن الصندوق رفع نسبة دعم دراسات التدقيق الطاقي من 50 بالمئة إلى 100 بالمئة، لتغطية كلفة الدراسة بالكامل، كما يوفر منحًا لتغطية فوائد القروض البنكية التسهيلية المخصصة لتنفيذ مخرجات دراسات كفاءة الطاقة، بسقف يصل إلى 350 ألف دينار، إلى جانب تغطية رسوم ضمان الائتمان بالتعاون مع الشركة الأردنية لضمان القروض.
وأظهرت أبحاث الصندوق أن متوسط فترة استرداد استثمارات كفاءة الطاقة يبلغ 2.9 سنة، فيما تسترد 46 بالمئة من الإجراءات كلفتها خلال أقل من عامين، وهي فترة استرداد أقصر من العديد من الاستثمارات الصناعية الأخرى، وفق نتائج الدراسات التي أشار إليها الصندوق.
ولا تقتصر تحديات تطبيق كفاءة الطاقة على التمويل، إذ تحتاج بعض المنشآت إلى بيانات أكثر دقة حول استهلاك الطاقة والمياه والموارد، وأنظمة منتظمة للقياس والمراقبة، بما يساعدها على تحديد فرص التحسين وقياس أثر المشاريع بعد تنفيذها.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الخبرات الفنية المتخصصة القادرة على تحديد فرص الكفاءة في الطاقة والمياه والموارد والنفايات، وتحويل نتائج الدراسات الفنية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والمتابعة.
وفي هذا السياق، أشار صيام إلى أن برامج بناء القدرات والتدريب الفني أسهمت في تدريب أكثر من 3,060 مهندسًا وفنيًا بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين.
ويقدم مركز الطاقة والاستدامة البيئية في الصناعة خدمات فنية واستشارية للمنشآت، تشمل تقييم استهلاك الطاقة والموارد، وتحديد فرص تحسين الكفاءة وخفض التكاليف، ودعم مشاريع كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة، وتنفيذ الدراسات الفنية والتدقيق الطاقي، إضافة إلى التدريب وبناء القدرات والتشبيك ونقل المعرفة.
وأكد العياصرة أن الاستدامة الصناعية لا تقتصر على كفاءة الطاقة، وإنما تشمل كفاءة استخدام المياه والمواد الخام وإدارة النفايات وتحسين الأداء البيئي والتشغيلي للمنشآت.
وفي هذا الإطار، ينفذ مركز الطاقة والاستدامة البيئية في الصناعة برامج تدريبية ومبادرات لبناء القدرات ورفع وعي المنشآت بفرص تحسين الكفاءة، إلى جانب شبكات كفاءة الطاقة في القطاع الصناعي وشبكات متخصصة في المياه وإدارة النفايات، بما يتيح تبادل المعرفة والخبرات والتعرف على التجارب العملية وقصص النجاح.
كما تعد جائزة المصنع الأخضر إحدى المبادرات التي يقودها المركز لتشجيع المصانع الأردنية على تطوير وتوثيق ممارساتها الخضراء في مجالات الطاقة والمياه وإدارة الموارد والنفايات، وإبراز التجارب المتميزة والقابلة للتطبيق في منشآت أخرى.
وتتكامل هذه الجهود مع توجه غرفة صناعة الأردن نحو ترسيخ الاستدامة في القطاع الصناعي، بحيث لا تقتصر كفاءة الطاقة على إجراءات منفردة، وإنما تصبح جزءًا من منظومة متكاملة لكفاءة استخدام الموارد والطاقة المتجددة وإدارة المياه والنفايات وتحسين الأداء البيئي والتشغيلي.
وتظهر النتائج أثر مشاريع كفاءة الطاقة على الجانب البيئي إلى جانب عوائدها الاقتصادية.
وقال صيام إن مشاريع الصندوق في القطاع الصناعي أسهمت في خفض أكثر من 18,640 طنًا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون كأثر تراكمي مبدئي للمشاريع المنفذة، مع إمكانية تحقيق خفض أكبر بكثير عند توسيع نطاق التطبيق.
وتعكس هذه النتائج أن الاستثمار في كفاءة الطاقة يجمع بين خفض كلف التشغيل والاستهلاك من جهة، وتقليل الانبعاثات وتحسين الأداء البيئي من جهة أخرى.
ويربط العياصرة بين توجه الصناعة نحو كفاءة الطاقة والاستدامة وبين قدرتها على المنافسة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، في ظل تنامي المتطلبات البيئية والاستدامة ضمن سلاسل التوريد العالمية، ولا سيما في الأسواق الأوروبية.
وأوضح أن كفاءة استخدام الطاقة وخفض الانبعاثات وتحسين إدارة الموارد لم تعد ممارسات اختيارية لتحسين الأداء التشغيلي فقط، وإنما أصبحت جزءًا من متطلبات التنافسية والجاهزية للتصدير.
وأشار إلى أن التزام المنشآت الصناعية بمعايير وممارسات الاستدامة والحصول على الشهادات والاعتمادات المعترف بها يعزز موثوقية المنتجات الأردنية وشفافيتها أمام الأسواق والمشترين الدوليين، ويدعم ثقة العملاء والشركاء التجاريين.
وبذلك، أصبح الاستثمار في كفاءة الطاقة والاستدامة استثمارًا في تنافسية المنتج الأردني وسمعته وقدرته على الاستمرار في الأسواق العالمية.
ولا تتوقف الخطط المستقبلية عند تحسين أداء المصانع القائمة، بل تتجه نحو إدماج الاستدامة في تصميم وتطوير المناطق والمدن الصناعية الجديدة منذ مرحلة التخطيط والتأسيس.
وقال العياصرة إن التوجه نحو المدن الصناعية الخضراء يتطلب أخذ كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة وكفاءة استخدام المياه والموارد وإدارة النفايات والاقتصاد الدائري والبنية التحتية المستدامة بعين الاعتبار منذ البداية.
وفي الجانب التنفيذي، أشار صيام إلى التوجه نحو تطوير نموذج شركات خدمات الطاقة (ESCOs) وتطبيق عقود الأداء الطاقي، بحيث تتولى الشركات المتخصصة تنفيذ حلول كفاءة الطاقة والاستفادة من الوفورات المتحققة، بما يخفف العبء المالي والاستثماري عن المصانع.
وتشمل الأولويات المستقبلية كذلك تشجيع تحول المصانع إلى استخدام الغاز الطبيعي، وتطوير أنظمة البخار المركزية واتفاقيات شراء البخار عبر محطات مركزية في التجمعات والمدن الصناعية.
كما تتجه الصناعة نحو توظيف أنظمة مراقبة الطاقة الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتقنيات Industry 4.0 في إدارة الطاقة والعمليات الصناعية.
وتشير هذه المعطيات إلى تحول تدريجي في النظرة إلى الطاقة داخل القطاع الصناعي؛ فمن كونها أحد بنود التكلفة التشغيلية، أصبحت عنصرًا مؤثرًا في الإنتاجية والاستدامة والقدرة على التصدير.
وبينما تكشف دراسات التدقيق عن فرص توفير كبيرة، فإن تحقيق هذه الوفورات على أرض الواقع يتطلب استكمال الحلقة بين التشخيص والتمويل والتنفيذ والقياس، إلى جانب تعزيز القدرات الفنية وتوفير البيانات اللازمة لاتخاذ القرار.
وتؤكد التجربة أن الإجراءات البسيطة منخفضة الكلفة يمكن أن تحقق وفورات جيدة، في حين قد تحقق مشاريع تحديث المعدات وتحسين العمليات وأنظمة إدارة الطاقة وفورات أكبر على المدى المتوسط والطويل، فضلًا عن تحسين الإنتاجية وخفض الانبعاثات وتعزيز الاعتمادية التشغيلية.
ومع انتقال الأسواق العالمية نحو نماذج إنتاج أكثر كفاءة وأقل انبعاثًا، يصبح تطوير المدن الصناعية على أسس الطاقة النظيفة والإدارة الذكية للموارد خطوة تتجاوز خفض فاتورة الطاقة، لتصل إلى بناء صناعة أردنية أكثر قدرة على المنافسة والاستمرار والنمو.
فكفاءة الطاقة لم تعد مجرد خفض للاستهلاك، بل أصبحت استثمارًا في مستقبل الصناعة الأردنية وقدرتها على إنتاج أكثر بكلفة أقل، وبمتطلبات بيئية تواكب الأسواق المقبلة.
كفاءة الطاقة.. استثمار جديد في مستقبل الصناعة الأردنية
11:58 8-8-2026
آخر تعديل :
السبت