عربي ودولي

مياه الشرق الأوسط... من مورد حيوي إلى ورقة ((ضغط جيوسياسية))

الأردن في قلب معادلة الأمن المائي الإقليمي

أنهار «عابرة للحدود» تفرض التفاوض بين الدول
النيل ونهر الأردن والفرات.. أنهر تختبر أمن الإقليم

تتجه قضية المياه في الشرق الأوسط إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي، في ظل تراجع الموارد المائية المتجددة، وتسارع آثار التغير المناخي، والنمو السكاني، واتساع الطلب على المياه في القطاعات الزراعية والصناعية والحضرية.

ومع الطبيعة العابرة للحدود لجزء كبير من الموارد المائية، أصبحت قرارات دول المنبع ذات تأثير مباشر في الأمن الاقتصادي والغذائي والاجتماعي لدول المصب، الأمر الذي منح الأنهار والسدود والخزانات المائية بعداً جيوسياسياً متزايداً.

وتكشف البيانات الدولية أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم تعرضاً للإجهاد المائي، وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن ثمانية بلدان في المنطقة تقع ضمن أعلى عشر دول عالمياً في مستويات الإجهاد المائي، وأن موارد المياه في المنطقة انخفضت بنحو الثلثين خلال العقود الأربعة الماضية، مع توقعات بانخفاضها بأكثر من 50% بحلول عام 2050. كما تأتي أكثر من 60% من الموارد المائية المتجددة من خارج الحدود الوطنية والإقليمية، فيما تستهلك الزراعة نحو 85% من المياه العذبة المتاحة.

وتفسر هذه المعادلة التحول المتدرج في موقع المياه داخل السياسة الإقليمية؛ فالمياه ترتبط مباشرة بإنتاج الغذاء والطاقة، وتؤثر في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كما أصبحت مرتبطة بمصالح الدول الخارجية عندما يتعلق الأمر بالأنهار والأحواض المشتركة. ومن هنا انتقلت قضية المياه من نطاق الإدارة الفنية للموارد إلى نطاق أوسع يتصل بالأمن القومي والسياسة الخارجية وموازين القوة.

المياه تدخل معادلة الأمن القومي

تختلف المياه عن كثير من الموارد الطبيعية في كونها مرتبطة بصورة مباشرة بالجغرافيا، فالنهر يعبر الحدود، والحوض المائي يضم أكثر من دولة، وأي تغيير في كمية المياه أو توقيت تدفقها أو نوعيتها يمكن أن ينتقل تأثيره إلى دول أخرى. ويشير البنك الدولي إلى أن نحو 60% من الموارد المائية السطحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عابرة للحدود، وأن جميع دول المنطقة تشترك في حوض جوفي واحد على الأقل، ما يجعل التعاون في إدارة الموارد المشتركة ضرورة استراتيجية.

وتتضح أهمية هذه المعادلة عند النظر إلى أحواض النيل ودجلة والفرات ونهر الأردن، حيث تتداخل الجغرافيا المائية مع الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية، فالدولة التي تقع في أعلى الحوض تمتلك قدرة أكبر على التأثير في التدفقات، بينما تصبح دول المصب أكثر حساسية تجاه قرارات التخزين والإطلاق، خصوصاً في فترات الجفاف.

من هنا برز مفهوم الهيدروسياسة (Hydropolitics) الذي يدرس العلاقة بين المياه والقوة والنفوذ، وكيف يمكن للسيطرة على مصدر مائي أو سد أو شبكة نقل وتحويل أن تمنح الدولة هامشاً إضافياً للتأثير في محيطها.

وفي الشرق الأوسط، تتزايد أهمية هذا المفهوم مع ارتفاع عدد مشاريع البنية التحتية المائية الكبرى وتراجع الموارد الطبيعية.

الأنهار المشتركة.. جغرافيا تفرض التفاوض

تتركز أبرز بؤر التنافس المائي في المنطقة حول أحواض تشترك فيها عدة دول، ويأتي حوض نهر النيل في مقدمة هذه الملفات، إلى جانب نهر الأردن وحوضي دجلة والفرات، فضلاً عن عدد من الخزانات الجوفية العابرة للحدود.

وتكشف هذه الأحواض أن المياه تفرض على الدول المتشاطئة واقعاً سياسياً لا تستطيع الجغرافيا تجاوزه؛ فقرارات دولة المنبع يمكن أن تؤثر في التنمية الزراعية والطاقة ومياه الشرب في دول المصب، بينما تحتاج دولة المنبع نفسها إلى بيئة إقليمية مستقرة تتيح لها استثمار مواردها وتحقيق أهدافها التنموية.

ومن هنا تصبح المفاوضات المائية أكثر من عملية لتحديد الحصص، إذ تتصل بقواعد تشغيل السدود، وإدارة سنوات الجفاف، وتبادل البيانات، وحماية البيئة، وتوفير الطاقة، وضمان استمرارية التنمية، وكلما ارتفعت ندرة المياه، ازدادت أهمية هذه القواعد، وارتفعت كلفة غيابها.

سد النهضة.. إعادة تشكيل موازين القوة

يشكل سد النهضة الإثيوبي أحد أبرز النماذج الحديثة على انتقال المياه من المجال التنموي إلى المجال الجيوسياسي، فإثيوبيا تنظر إلى السد باعتباره مشروعاً وطنياً لتوليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية، بينما ترى مصر أن طريقة تشغيله، خصوصاً خلال سنوات الجفاف، ترتبط بصورة مباشرة بأمنها المائي، في حين يرتبط الموقف السوداني بسلامة السد وإدارة التدفقات وتبادل البيانات وتأثير التشغيل على منظومة السدود السودانية.

وتكمن حساسية القضية في انتقالها من مرحلة بناء السد إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بقواعد التشغيل وإدارة الجفاف وتبادل المعلومات والتنسيق بين السدود.

وقد وقعت مصر وإثيوبيا والسودان إعلان مبادئ في الخرطوم عام 2015 نص على التعاون والمنفعة المشتركة، وتبادل المعلومات، ومبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن.

كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أهمية إعلان المبادئ باعتباره أساساً للتوصل إلى اتفاق متبادل المنفعة.

وتكمن المشكلة في أن المفاوضات اللاحقة لم تنتج اتفاقاً شاملاً وملزماً ينظم جميع قواعد التشغيل في مختلف الظروف، خصوصاً خلال سنوات الجفاف الممتد. وبعد افتتاح السد رسمياً في ايلول 2025، انتقلت القضية إلى مرحلة جديدة أصبح فيها السؤال الأساسي متعلقاً بكيفية إدارة السد في المدى الطويل والتنسيق مع دولتي المصب.

وتقول مصر إن تشغيل السد دون اتفاق قانوني ملزم يمثل مصدر تهديد لأمنها المائي، بينما تؤكد إثيوبيا أن المشروع حق تنموي وسيادي ولا يستهدف إلحاق الضرر بدولتي المصب.

ومن منظور جيوسياسي، تمثل هذه الحالة مثالاً على تحول هندسة المياه إلى مصدر للقوة؛ فالجغرافيا تمنح دولة المنبع موقعاً مؤثراً، بينما تمنحها السدود الكبرى قدرة إضافية على التخزين وتنظيم التدفقات وتغيير توقيتها. لذلك فإن وصف الموقف الإثيوبي بأنه «تجاوز» ينبغي أن يرتبط تحديداً بغياب الاتفاق الملزم وبالمخاوف المتعلقة بالملء والتشغيل وإدارة الجفاف، لا باعتبار إنشاء السد في حد ذاته مخالفة قانونية محسومة، إذ تتمسك إثيوبيا بحقها في التنمية، بينما تتمسك مصر والسودان بمبدأ عدم الإضرار وضرورة الاتفاق المسبق على قواعد التشغيل.

نهر الأردن.. مياه في قلب الصراع

يمثل نهر الأردن نموذجاً مختلفاً، إذ ارتبطت قضية المياه فيه منذ عقود بالصراع على الأرض والحدود والسيادة، وقد أدت السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من حوض نهر الأردن ومصادر المياه في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 إلى إعادة تشكيل خريطة الوصول إلى الموارد المائية.

وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الموارد الطبيعية الفلسطينية، بما فيها المياه، تعرضت لقيود شديدة نتيجة الاحتلال والتوسع الاستيطاني والسيطرة على الأرض والبنية التحتية. كما تشير تقارير أممية إلى محدودية وصول الفلسطينيين إلى المياه السطحية، بما فيها نهر الأردن، وإلى تأثير سياسات استخراج المياه وتحويلها في الموارد المائية الفلسطينية.

وتظهر التجاوزات الإسرائيلية على الموارد المائية في أكثر من مستوى؛ فقد ارتبطت تاريخياً بتحويل المياه من حوض نهر الأردن إلى مناطق أخرى، كما أن السيطرة على مصادر المياه وفرض القيود على حفر الآبار وتطوير شبكات المياه في أجزاء من الضفة الغربية حدّت من قدرة الفلسطينيين على إدارة مواردهم. وتوثق الأمم المتحدة في تقاريرها استمرار تأثير السيطرة على الموارد الطبيعية في المياه والأرض والطاقة، بينما تشير تقارير أممية حديثة إلى تضرر منشآت المياه وشبكاتها في الضفة الغربية نتيجة أعمال عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الحركة.

ولا تقتصر المسألة على الوصول إلى المياه، وإنما تشمل السيطرة على مصادرها وطرق استخراجها وتوزيعها. وقد أسهمت عمليات التحويل والاستغلال على امتداد الحوض في انخفاض كبير في التدفقات الطبيعية لنهر الأردن مقارنة بمستوياتها التاريخية، مع انعكاسات بيئية واضحة على النهر والبحر الميت.

وقد عكست معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية لعام 1994 مركزية الملف المائي في العلاقات بين البلدين، إذ تضمنت ترتيبات تفصيلية بشأن مياه نهر الأردن واليرموك والتخزين وتبادل المياه ومراقبة النوعية. وتنص المعاهدة، في ملحق المياه، على كميات محددة وآليات للتخزين والتحويل والاستخدام، بما يعكس الطبيعة الاستراتيجية للمورد المائي بالنسبة إلى الأردن وإسرائيل.

ومن هنا، فإن التجاوزات المرتبطة بالمياه في الحالة الفلسطينية لا ينبغي قراءتها باعتبارها قضية فنية منفصلة عن الصراع، وإنما ضمن منظومة أوسع ترتبط بالأرض والسيادة والموارد الطبيعية وحق السكان في التنمية.

الأردن.. الأمن المائي في مواجهة ندرة الموارد

يمثل الأردن واحدة من أكثر الحالات وضوحاً في المنطقة على مستوى ندرة المياه، فمحدودية الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب والتغير المناخي والنمو السكاني والاعتماد على مصادر مشتركة، كلها عوامل تجعل الأمن المائي قضية استراتيجية طويلة الأمد.

وتكتسب مياه نهر الأردن واليرموك أهمية خاصة في هذه المعادلة، إلى جانب المياه الجوفية والمصادر غير التقليدية.

وقد اتجه الأردن إلى تعزيز خيارات تحلية المياه وإعادة استخدام المياه المعالجة وخفض الفاقد وتطوير البنية التحتية، في إطار التعامل مع المياه باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية.

وتبرز هنا أهمية الانتقال من إدارة أزمة المياه إلى إدارة الطلب على المياه، من خلال رفع كفاءة الاستخدام وتقليل الفاقد وتطوير الزراعة ذات الكفاءة المائية والتوسع في المصادر غير التقليدية، إلى جانب تعزيز التعاون مع الدول المتشاطئة.

دجلة والفرات.. نموذج ثالث للصراع المائي

يقدم حوضا دجلة والفرات نموذجاً آخر لتداخل المياه مع السياسة الإقليمية. فتركيا تمتلك موقع دولة المنبع، ونفذت خلال عقود مشروعات وسدوداً كبرى ضمن خططها للتنمية وتوليد الطاقة وإدارة الموارد.

وفي المقابل تعتمد سوريا والعراق بدرجات مختلفة على تدفقات النهرين، ما يجعل أي تغيير في التدفقات مؤثراً في الزراعة والطاقة ومياه الشرب. وتزداد حساسية الملف خلال سنوات الجفاف، عندما تصبح الكميات المتاحة أقل، وترتفع الحاجة إلى التنسيق في عمليات التخزين والإطلاق.

وتواجه المنطقة في الوقت ذاته مشكلة استنزاف المياه الجوفية المشتركة، وهي مشكلة أكثر تعقيداً من الأنهار، لأن الخزانات الجوفية تمتد تحت الحدود، بينما يصعب في بعض الحالات قياس حجم السحب وتحديد أثره على الدول الأخرى.

ولذلك تحتاج هذه الموارد إلى آليات تعاون ومراقبة لا تقل أهمية عن تلك المطلوبة في الأنهار العابرة للحدود.

المياه كأداة للضغط السياسي

تظهر التجارب الإقليمية مجموعة من الأدوات التي يمكن أن تتحول من خلالها المياه إلى وسيلة ضغط سياسي، من أبرزها إنشاء السدود العملاقة للتحكم في تدفقات الأنهار وفرض وقائع تفاوضية جديدة، والتحكم في إطلاق أو حجز المياه خلال فترات الجفاف بما يؤثر في الدول الواقعة في مجرى النهر، واستغلال السيطرة على الموارد المائية كورقة ضغط في المفاوضات السياسية، إلى جانب استهداف منشآت المياه والسدود وشبكات الإمداد أثناء النزاعات المسلحة.

كما يمكن استخدام المياه كورقة ضغط في الخلافات والأزمات الإقليمية، خصوصاً عندما تكون الدولة أو الجهة المسيطرة على المصدر المائي قادرة على التأثير في الكمية أو التوقيت أو الوصول.

وتعكس هذه الممارسات انتقال المياه من كونها مورداً تنموياً إلى عنصر مؤثر في معادلات القوة الإقليمية، الأمر الذي يرفع من أهمية الاتفاقيات الدولية وآليات التعاون المشترك لإدارة الموارد المائية العابرة للحدود.

التغير المناخي يضاعف الضغوط

تواجه المنطقة تحدياً إضافياً يتمثل في تغير المناخ، الذي يضغط في الاتجاه نفسه الذي تتحرك فيه الزيادة السكانية والطلب الاقتصادي. فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة التبخر، فيما يؤدي تغير أنماط الهطول إلى زيادة عدم اليقين بشأن الموارد المتاحة، بينما تؤدي موجات الجفاف المتكررة إلى زيادة الطلب على المياه في الوقت الذي تتراجع فيه الإمدادات.

ويقدر البنك الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه أكبر خسائر اقتصادية متوقعة عالمياً من ندرة المياه المرتبطة بالمناخ، وقد تصل الخسائر إلى 6–14% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050. كما أن 82% من مياه الصرف الصحي في المنطقة لا يعاد تدويرها، ما يكشف عن فرصة كبيرة لزيادة الموارد المائية غير التقليدية.

وتكمن الخطورة في أن المناخ لا يعمل منفرداً، وإنما يضاعف مشكلات قائمة أصلاً، ويجعل الأحواض المشتركة أكثر حساسية لأي قرار يتعلق بالسدود والتخزين والتدفقات.

وبذلك تتحول ندرة المياه إلى مضاعف للمخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأنها تضغط على الزراعة والغذاء والهجرة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي في الوقت نفسه.

المياه والغذاء والطاقة.. شبكة واحدة

تظهر أهمية المياه بصورة أوضح عند ربطها بالأمن الغذائي والطاقة. فالزراعة تستهلك نحو 85% من المياه العذبة المتاحة في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي، ما يجعل أي تراجع في الموارد المائية مؤثراً بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.

ويعني ذلك أن تراجع المياه ينعكس على الإنتاج الزراعي والأسعار والاستيراد والميزان التجاري. وفي الاتجاه المقابل، تحتاج تحلية المياه وضخها ومعالجتها إلى الطاقة، فيما تعتمد بعض مشاريع الطاقة على المياه، خصوصاً في إنتاج الطاقة الكهرومائية وعمليات التبريد.

ومن هنا نشأ مفهوم ترابط المياه والطاقة والغذاء، الذي ينظر إلى هذه القطاعات باعتبارها منظومة واحدة، فأي خلل في أحدها ينتقل تأثيره إلى القطاعين الآخرين، وهو ما يفرض على الحكومات اعتماد سياسات متكاملة بدلاً من التعامل مع كل قطاع بمعزل عن الآخر.

من الصراع إلى «دبلوماسية المياه»

تظهر التجارب الدولية أن المياه لا تمثل بالضرورة مصدراً للصراع، بل يمكن أن تتحول إلى مدخل للتعاون وبناء المصالح المشتركة، خصوصاً عندما تتعامل الدول مع الأحواض والموارد العابرة للحدود من خلال مؤسسات وقواعد واضحة تضمن التنسيق وتبادل المعلومات وإدارة الموارد بصورة مشتركة.

وتؤكد الأدبيات الدولية أن التعاون في إدارة المياه المشتركة يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية وبيئية وسياسية تتجاوز مجرد تقاسم كميات المياه.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تطوير مفهوم الدبلوماسية المائية، بحيث لا تقتصر المفاوضات على تحديد حصة كل دولة من المياه، وإنما تتجه نحو «تقاسم المنافع» الناجمة عن المورد المشترك.

ويشمل ذلك البحث في كيفية استفادة دولة المنبع من مشاريع الطاقة، وضمان تدفقات مستقرة لدول المصب، والاستفادة المشتركة من الكهرباء المولدة، ووضع آليات للتعامل مع سنوات الجفاف، وتبادل البيانات والمعلومات، وتقاسم المنافع أو معالجة الخسائر، إلى جانب حماية البيئة والأنظمة النهرية.

وتطرح مقاربات التعاون عبر الحدود وترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة خيارات أوسع من مجرد توزيع المياه بين الدول.

وبذلك يمكن نقل العلاقة بين دول الحوض من منطق التنافس على مورد محدود إلى بناء مصالح متبادلة، بحيث يتحول السد من عامل للتوتر إلى مشروع للتعاون، ويتحول النهر من خط يفصل بين الدول إلى مساحة تجمعها حول مصالح مشتركة في التنمية والطاقة والأمن المائي والاستقرار الإقليمي.

القانون الدولي.. ومنع الصراع المفتوح

تضع قواعد القانون الدولي للمجاري المائية مجموعة من المبادئ الأساسية لإدارة الأنهار المشتركة، أبرزها الاستخدام المنصف والمعقول، وواجب التعاون، وتبادل المعلومات، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن.

ولا يعني الاستخدام المنصف توزيع المياه بالتساوي بين الدول، وإنما مراعاة مجموعة من العوامل، من بينها الجغرافيا والهيدرولوجيا والمناخ وحجم السكان والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والاستخدامات القائمة والبدائل المتاحة.

ويكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في فهم أزمتي النيل والأردن؛ فالمعادلة القانونية لا تقوم على أحقية دولة واحدة في السيطرة المطلقة على المورد، وإنما على إيجاد توازن بين حقوق الدول المتشاطئة ومصالحها واحتياجاتها.

عندما يصبح الماء أكثر ندرة وقيمة

ستتحدد ملامح الأمن المائي في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة في ضوء مجموعة من الضغوط المتزامنة، في مقدمتها التراجع المتوقع في الموارد المائية بفعل تغير المناخ، إلى جانب النمو السكاني والتوسع الحضري وما يرافقهما من ارتفاع مستمر في الطلب على المياه. كما سيبقى اعتماد العديد من دول المنطقة على الموارد المائية العابرة للحدود عاملاً رئيسياً في رسم سياسات الأمن المائي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى المياه لتلبية الطلب على الغذاء ودعم النشاط الزراعي، بالتوازي مع اتساع مخاطر استنزاف المياه الجوفية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المنطقة تواجه مستويات غير مسبوقة من ندرة المياه، مع توقع انخفاض نصيب الفرد من المياه المتاحة إلى ما دون عتبة الندرة المطلقة بحلول عام 2030، ما يجعل إدارة الموارد المائية أكثر ارتباطاً بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

وفي ظل هذه الضغوط، ستزداد أهمية مشاريع البنية التحتية المائية ضمن الحسابات الاقتصادية والسياسية لدول المنطقة، خصوصاً مع ارتفاع الحاجة إلى تنويع مصادر المياه من خلال التحلية وإعادة استخدام المياه المعالجة، رغم ما تفرضه هذه الخيارات من أعباء مالية واحتياجات كبيرة إلى الطاقة.

كما سيصبح التعامل مع المياه باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الغذائي والطاقة والمناخ أكثر إلحاحاً، بما يتطلب سياسات متكاملة تجمع بين إدارة الطلب، ورفع كفاءة الاستخدام، وزيادة مصادر الإمداد، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز التعاون في الأحواض المائية المشتركة.

وفي هذا السياق، ستؤدي التكنولوجيا دورا متزايدا في مواجهة تحديات الأمن المائي، من خلال تطوير تقنيات التحلية وإعادة استخدام المياه، وتحسين كفاءة شبكات التوزيع والكشف المبكر عن التسربات، ورفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة، إلى جانب مراقبة المياه الجوفية وتوظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطلب وموجات الجفاف وتحسين إدارة الموارد. وبذلك لن يرتبط مستقبل الأمن المائي في الشرق الأوسط بزيادة كميات المياه المتاحة فقط، وإنما بقدرة الدول على إدارة الطلب بكفاءة، وتنويع مصادر المياه، وحماية الموارد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الإقليمي والتكيف مع التغير المناخي.

التعاون الإقليمي ضرورة استراتيجية

تحتاج منطقة الشرق الأوسط إلى بناء منظومة متكاملة للأمن المائي تقوم على تعزيز التعاون في إدارة الموارد المشتركة، والاستثمار في مصادر المياه غير التقليدية، ورفع كفاءة الاستخدام، وحماية البنية التحتية المائية، بما يواكب تصاعد الضغوط الناجمة عن ندرة المياه والتغير المناخي والنمو السكاني.

ويكتسب تعزيز الاتفاقيات المائية أهمية خاصة، من خلال وضع قواعد واضحة ومرنة لتنظيم عمليات الملء والتشغيل وإدارة فترات الجفاف والطوارئ وتبادل البيانات، بما يقلل من مخاطر القرارات الأحادية ويعزز القدرة على التعامل المشترك مع الأزمات.

وتؤكد الأمم المتحدة للمياه أهمية وجود ترتيبات تشغيلية للتعاون في الأحواض العابرة للحدود، بما يشمل تبادل المعلومات والتنسيق في إدارة الموارد.

وفي موازاة ذلك، يتطلب تعزيز الأمن المائي التوسع في الاستثمار في مصادر المياه غير التقليدية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة وحصاد مياه الأمطار وتغذية الخزانات الجوفية، إلى جانب تحسين كفاءة استخدام المياه، ولا سيما في القطاع الزراعي الذي يستحوذ على الحصة الأكبر من الموارد المائية في المنطقة. كما تبرز الحاجة إلى حماية السدود ومحطات المعالجة وشبكات التوزيع باعتبارها جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية، وضمان استمرارية عملها في مواجهة الأزمات والكوارث والنزاعات.

وتشير التجارب الدولية إلى أن الإدارة المتكاملة للمياه العابرة للحدود يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية وبيئية واجتماعية تتجاوز مجرد توزيع كميات المياه بين الدول.

ويظل بناء دبلوماسية مائية إقليمية أحد المكونات الأساسية لهذه المنظومة، بحيث تنتقل المياه من كونها مصدراً دائماً للتوتر إلى مجال للتفاوض وتبادل المصالح وتقاسم المنافع. ويتطلب ذلك تطوير آليات مؤسسية للحوار بين دول الأحواض المشتركة، وتعزيز تبادل البيانات والخبرات، وربط إدارة المياه بمصالح أوسع في مجالات الطاقة والغذاء والتنمية وحماية البيئة.

وبهذا النهج يمكن تحويل الموارد المائية المشتركة من عامل لتغذية الأزمات إلى منصة للتعاون وبناء الاستقرار الإقليمي.

تحول استراتيجي

تكشف أزمة المياه في الشرق الأوسط عن تحول استراتيجي يتجاوز حدود ندرة الموارد إلى إعادة تعريف العلاقة بين المياه والأمن والسياسة والاقتصاد، فالمياه أصبحت تقع عند نقطة تقاطع الأمن القومي والغذاء والطاقة والتنمية والسياسة الخارجية، فيما جعلت الطبيعة العابرة للحدود للأنهار والأحواض المائية من قرارات دولة واحدة قضية تؤثر في مجموعة من الدول.

وتقدم حالتا نهر الأردن وسد النهضة الإثيوبي صورتين مختلفتين للمعادلة نفسها. ففي نهر الأردن ارتبطت المياه بالسيطرة على الأرض ومصادر المياه والوصول إليها، ووثقت الأمم المتحدة قيوداً وتداعيات واسعة على وصول الفلسطينيين إلى الموارد المائية، فيما تظهر السيطرة والتحويلات التاريخية على حوض النهر كأحد أبعاد الصراع العربي الإسرائيلي. وفي نهر النيل انتقل الخلاف حول سد النهضة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بقواعد التشغيل وإدارة سنوات الجفاف وتبادل البيانات والتنسيق بين دول الحوض.

أما دجلة والفرات فيقدمان نموذجاً ثالثاً تتداخل فيه مشاريع التنمية والسدود مع أمن المياه في دول المصب، فيما تضيف ندرة المياه والتغيرات المناخية عاملاً جديداً يزيد حساسية جميع هذه الملفات.

وتجمع هذه النماذج حقيقة استراتيجية واحدة: كلما ازدادت ندرة المياه، ارتفعت قيمتها السياسية، وكلما ازدادت قدرة دولة ما على التحكم في مصادرها وتدفقاتها، اتسع هامش تأثيرها في محيطها الإقليمي.

لهذا تتجه المياه إلى أن تصبح أحد محددات القوة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة. فالمعادلة لن تتعلق بكمية المياه المتوافرة فقط، وإنما بقدرة الدول على تأمين مصادرها، وحماية بنيتها المائية، وتطوير التكنولوجيا اللازمة لإنتاج المياه، وإدارة الأحواض المشتركة، وبناء قواعد قانونية تمنع تحويل الندرة إلى صراع دائم. وفي منطقة تقف أمام تحولات مناخية وديموغرافية وجيوسياسية متسارعة، ستصبح الدبلوماسية المائية جزءاً من أدوات السياسة الخارجية، فيما سيصبح الاستثمار في التحلية وإعادة الاستخدام وكفاءة الري وإدارة الموارد المائية مكوناً أساسياً من مكونات الأمن القومي. وهكذا تتحول الأنهار في الشرق الأوسط إلى خطوط جغرافية تعبر الحدود، ومصادر للغذاء والطاقة، وأدوات للتنمية، وفي بعض الحالات أوراق ضغط ونفوذ، وسيحدد أسلوب إدارتها ما إذا كانت المياه ستصبح جسراً للتعاون الإقليمي أم وقوداً لصراعات جديدة.