يعقد المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) الإسرائيلي، اليوم الأحد، اجتماعاً حاسماً لبحث خريطة الطريق الخاصة بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط انقسامات حادة داخل الحكومة الإسرائيلية، وضغوط أميركية متصاعدة لدفع إسرائيل إلى الدخول في فترة هدوء تمتد 14 يوماً، بالتزامن مع بحث خطط مثيرة للجدل لنقل ميليشيات فلسطينية موالية للاحتلال إلى ما يُعرف بـ«رفح الجديدة» جنوب القطاع.
وكشفت مصادر مطلعة على مجريات جلسة الكابينت التي عقدت مساء الخميس، عن تحذير أطلقه رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، دافيد زيني، خلال الاجتماع، اعتبر فيه أن خريطة الطريق التي طرحها «مجلس السلام» تمثل، من وجهة نظر حركة حماس، ما وصفه بـ«7 أكتوبر سياسياً»، محذراً من أن موافقة الحركة على نزع السلاح قد تكون، بحسب تقديره، وسيلة لكسب الوقت ومنع إسرائيل من استئناف عملياتها العسكرية في قطاع غزة.
وفي المقابل، ردت المعارضة الإسرائيلية على هذه التقديرات بالتساؤل: «ما الذي بقي بعد ثلاث سنوات من الحرب في القطاع لم تنفذه؟»، في إشارة إلى أن إسرائيل نفذت بالفعل عمليات عسكرية واسعة النطاق في غزة على مدى سنوات الحرب.
وحذر زيني من أن الهدف الأساسي لحماس، وفق تقديره، هو تعطيل أي عملية عسكرية إسرائيلية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول المقبل، معتبراً أن إسرائيل قد تواجه ما وصفه بـ"كمين استراتيجي» إذا وافقت على الخطة من دون ضمانات أمنية كافية.
وفي المقابل، واجه هذا الموقف الأمني اعتراضاً من وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، الذين طالبوا بإسقاط الوثيقة واستئناف العمليات العسكرية في قطاع غزة، رغم أن المقترحات المطروحة تستند في جوهرها إلى ترتيبات إسرائيلية وأميركية مرتبطة بالاتفاق ومراحل تنفيذه.
وكشفت هيئة البث الإسرائيلية العامة «كان 11»، مساء الجمعة، أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً كبيرة على إسرائيل للبدء بوقف إطلاق نار لمدة أسبوعين في غزة، تمهيداً لإعداد خطة شاملة لنزع سلاح حركة حماس بصورة تدريجية، وفق التفاهمات المرتبطة بالاتفاق مع الوسطاء و«مجلس السلام» الأميركي.
وبحسب مصادر إسرائيلية، أبلغ رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، شموئيل بن عزرا، الوزراء بأن إسرائيل قدمت بالفعل تعديلات على الوثيقة إلى الولايات المتحدة، لكنها تواجه في الوقت ذاته «ضغوطاً كبيرة» للدخول في فترة وقف للعمليات مدتها 14 يوماً، والعودة إلى ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، والامتناع عن تنفيذ عمليات اغتيال خلال هذه الفترة.
وأكدت مصادر مطلعة أن الضغوط الأميركية، ولا سيما من جانب الرئيس دونالد ترامب، باتت «أكثر جدية» بهدف دفع إسرائيل إلى الالتزام ببنود الاتفاق.
وأشارت إلى أن مصر، بصفتها ضامناً للاتفاق، ترى ضرورة البدء فوراً بتنفيذ متطلبات المرحلة الثانية، التي وصفت بأنها «جوهر» الاتفاق، بما في ذلك نشر قوة دولية لحفظ الاستقرار وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
وتتضمن الخطة الأميركية المقترحة وقفاً لإطلاق النار لمدة 14 يوماً، تكون بمثابة فترة تمهيدية لإعداد جدول زمني تفصيلي لتنفيذ المرحلة الثانية. كما تنص على حصر الأسلحة الثقيلة وتخزينها تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مع إبقاء الأسلحة الفردية خاضعة للقوانين الفلسطينية.
وبحسب التصور المطروح، يجري تنفيذ عملية نزع السلاح بصورة تدريجية ومتبادلة، بحيث يتم تسليم الأسلحة في منطقة مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من منطقة أخرى، وذلك تحت إشراف لجنة تحقق دولية. كما تتضمن الخطة نشر قوة متعددة الجنسيات يصل قوامها إلى خمسة آلاف جندي، من دول بينها المغرب وأوغندا، تتولى الفصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الخاضعة لإدارة اللجنة الوطنية.
وفي الجانب الإسرائيلي، تتصاعد الخلافات داخل الكابينت بشأن مستقبل الاتفاق، وسط اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالمماطلة ورفض الخطة بصيغتها الحالية والمطالبة بإدخال تعديلات جوهرية عليها، في وقت يرفض فيه وزراء من اليمين المتطرف وقف الحرب والعمليات العسكرية في القطاع.
وقال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش: «يجب ألا تبقى حماس، يجب محوها»، فيما حذر الوزير زئيف إلكين من أن امتناع إسرائيل عن شن عمليات هجومية لمدة أسبوعين قد يُفسر باعتباره قبولاً بالخطة المطروحة.
وفي تطور آخر، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مسؤول أمني إسرائيلي رفيع قوله إن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قام بـ"تحييد» وزير الأمن يسرائيل كاتس، بعد تصريحات ومواقف اعتبرها المصدر متطرفة وصادمة، بما في ذلك الدعوة إلى محو غزة واستهداف من يطالبون بمحاسبة الجيش ووقف جرائم المستوطنين، إلى جانب مواقف مؤيدة لهذه السياسات.
وقالت المصادر إن نتنياهو منع كاتس من عقد لقاءات مع مسؤولين دوليين، ولا سيما المسؤولين الأميركيين، وطالبه بعدم الدخول في مواجهة مع رئيس أركان الجيش. وأضاف المصدر أن نتنياهو لا يولي كاتس أهمية كبيرة في الملفات الأمنية، وأن الوزير منشغل بصورة أكبر بالسياسة الحزبية على حساب القضايا الأمنية الجوهرية.
وفي سياق موازٍ، تبحث الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بقيادة الشاباك، ترتيبات لحماية وإعادة توطين أفراد ميليشيات فلسطينية مسلحة تعمل لصالح الاحتلال في قطاع غزة. وبحسب ما أوردته «كان 11»، تتضمن الخطة نقل هؤلاء الأفراد إلى مدينة «رفح الجديدة»، التي تخطط الإمارات لإنشائها جنوب القطاع، على أن تتولى قوة دولية متعددة الجنسيات مهمة تأمين المنطقة.
ووفقاً للمصادر، تأتي هذه الخطوة في إطار الاستعداد لاحتمال انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقع خلف «الخط الأصفر»، حيث تنشط هذه الميليشيات حالياً في مهام مرتبطة بالجيش الإسرائيلي، من بينها تفتيش الأنفاق والبحث عن وسائل قتالية.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو أمام الحكومة الإسرائيلية ثلاثة مسارات رئيسية؛ الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، أن توافق إسرائيل مبدئياً على وقف إطلاق النار لمدة 14 يوماً، مع مواصلة التفاوض حول التفاصيل، في محاولة من نتنياهو للتوفيق بين الضغوط الأميركية ومطالب اليمين المتطرف داخل حكومته.
أما المسار الثاني، فيتمثل في رفض إسرائيل الخطة بصورة كاملة، وهو ما قد يهدد بانهيار الاتفاق واستئناف العمليات العسكرية، بما قد يؤدي إلى تعميق العزلة الدولية لإسرائيل وزيادة حدة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
ويتمثل المسار الثالث في إعادة صياغة الخطة بما يسمح لإسرائيل بتقديمها داخلياً باعتبارها انتصاراً سياسياً وأمنياً، من خلال إدخال تعديلات تضمن استمرار سيطرتها الأمنية على القطاع، مقابل إسناد المسؤوليات الإدارية إلى اللجنة الوطنية والقوة الدولية.
ويُنتظر أن يشكل موقف نتنياهو خلال اجتماع الكابينت الأحد مفتاحاً لتحديد مسار المرحلة المقبلة، في ظل سؤال رئيسي يفرض نفسه على المشهد: هل تنجح الضغوط الأميركية في تجاوز العقبات الإسرائيلية ودفع اتفاق غزة إلى مرحلته الثانية، أم تعود الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية إلى تعطيل المفاوضات ودفع القطاع مجدداً نحو التصعيد؟