كتاب

سر صمود الأردن اقتصاديا؟

لم تعد قدرة الدول على مواجهة الأزمات تقاس بما تملكه من موارد وإمكانات فقط، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد ومؤسسات وقطاعات تستطيع امتصاص الصدمات ومواصلة العمل عندما تضطرب المنطقة من حولها، ومن هنا تبرز أهمية رؤية التحديث الاقتصادي بالنسبة للأردن، فماذا احدثت؟.
الأردن واجه خلال السنوات الماضية أزمات وتحديات متلاحقة، بدأت من 'جائحة كورونا' وما رافقها من اضطراب في الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد، مرورا بأزمات الطاقة والغذاء، وصولا إلى التوترات الجيوسياسية التي تحيط بالمملكة وتفرض ضغوطا متواصلة على الاقتصاد والمجتمع.
ومع ذلك، حافظ الأردن على استقراره، واستمرت مؤسسات الدولة بأداء دورها، وبقيت القطاعات الأساسية قادرة على العمل وتقديم الخدمات،فالاستقرار الذي تعيشة المملكة اليوم لم تكن وليدة الصدفة، وإنما نتيجة تراكم طويل من السياسات والإصلاحات والمؤسسات القادرة على إدارة الأزمات، وهو ما جاءت رؤية التحديث الاقتصادي لتبني عليه وتوسع أثره.
أهمية الرؤية أنها لم تتعامل مع الاقتصاد باعتباره مجموعة قطاعات منفصلة، وإنما كمنظومة مترابطة، فالاستثمار لا ينجح من دون بنية تحتية وطاقة ومياه ونقل وتشريعات واضحة، والصناعة تحتاج إلى تمويل وأسواق وتكنولوجيا ومهارات، والزراعة ترتبط بالأمن الغذائي والمائي، والسياحة تحتاج إلى النقل والطيران والخدمات والترويج، فيما أصبح الاقتصاد الرقمي والأمن السيبراني جزءا أساسيا من قدرة الدولة على المنافسة والاستمرار.
الأهم أن هذه الرؤية انتقلت من مرحلة الأفكار إلى التنفيذ، وأصبحت المشاريع والبرامج والقرارات الحكومية تتحرك ضمن مسار واضح ومتابعة مستمرة، ولهذا فان الاستمرارية بتنفيذها عامل حاسم، خصوصا أن الحكومات تعاملت معها في اعتبارها مشروعاً وطنياً ممتداً لا برنامجاً مؤقتاً مرتبطاً في بمرحلة سياسية أو حكومة بعينها.
الاستثمار في الصناعة والتصدير، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير النقل والخدمات اللوجستية، وتسريع الرقمنة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير التعليم والتدريب وربطهما بسوق العمل، كلها بالنهاية حلقات في سلسلة واحدة هدفها أن يصبح الاقتصاد الأردني أكثر تنوعاً وإنتاجية وأقل تأثرا بالصدمات الخارجية.
خلاصة القول، ما 'يعيشه الأردن' من استقرار وقدرة على تجاوز الأزمات ليس منفصلاً عن المسار الذي رسمته رؤية التحديث الاقتصادي التي جاءت بتوجيهات ومتابعة ملكية حثيثة ، بالاضافة الى التزام الحكومات بتنفيذها وتحويل أولوياتها لمشاريع وسياسات تحصن قطاعات الدولة، فالرؤية في كل ما فيها لم تمنع الأزمات، لكنها جعلت المملكة أكثر استعدادا لها وأكثر قدرة على تجاوز آثارها، وهذا ما يجعل مواصلة تنفيذها وتعزيزها ضرورة لحماية الاستقرار وبناء اقتصاد أردني أكثر قوة ومنعة.