استعاد منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي، اليوم السبت، سيرة العلامة والمؤرخ والأديب الأردني روكس بن زائد العزيزي، في ندوة حملت عنوان «روكس العزيزي: الريادة والتنوير»، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والكتاب والمهتمين بالشأن الثقافي والتراثي.
وجاءت الندوة، التي أقيمت في مقر المؤسسة بجبل عمّان، لتعيد قراءة المشروع الثقافي للعزيزي، الذي امتد لأكثر من ثمانية عقود، وأسهم بصورة بارزة في جمع التراث الأردني الشفوي وتوثيقه ودراسته، إلى جانب إسهاماته في الأدب والتاريخ واللغة والنقد وحقوق الإنسان.
وقالت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الحميد شومان فالنتينا قسيسية، إن استذكار العزيزي لا يقتصر على الاحتفاء بسيرته، وإنما يهدف إلى إعادة قراءة منجزه والكشف عن الأسئلة والأفكار التي ما تزال حاضرة وقادرة على إضاءة الحاضر والمستقبل.
وأشارت إلى أن التنوع كان أبرز سمات تجربة العزيزي، فقد جمع بين الشعر والقصة والتاريخ والتحقيق والنقد ودراسة التراث الشعبي وتاريخ الأدب والكتابة في الفلسفة وحقوق الإنسان، فضلاً عن انتقال بعض أعماله إلى الدراما التلفزيونية.
وأضافت أن العزيزي ترك أكثر من ثمانين كتاباً، في مشروع ثقافي رأى من خلاله أن حفظ ذاكرة الأمم لا يقل أهمية عن بناء حاضرها، فوثق الحكايات الشعبية والأمثال والأغاني والشعر البدوي والعادات والتقاليد، وسجل تفاصيل من الحياة الأردنية كانت مهددة بالغياب والنسيان.
وأكدت قسيسية أن العزيزي لم يكن مثقفاً منعزلاً عن مجتمعه، إذ جمع بين العمل الثقافي والحضور العام، فكان معلماً وصحفياً ورئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين وعضواً في مؤسسات ثقافية وحقوقية، مؤمناً بأن دور المثقف يتجاوز إنتاج المعرفة إلى الإسهام في بناء المجال العام والدفاع عن قيم الإنسان والحرية.
التراث بوصفه ذاكرة حيّة
وتناولت الجلسة الأولى، التي أدارها الدكتور زياد الزعبي، موضوع «العزيزي والشعر البدوي والسرد»، بمشاركة الدكتور عطالله الحجايا، والدكتور يوسف حمدان، والدكتور فهمي الزعبي، والدكتور زياد أبو لبن.
وركزت الأوراق على تجربة العزيزي في جمع الشعر البدوي والسرد الشعبي، مؤكدين أنه لم ينظر إلى التراث باعتباره مادة تنتمي إلى الماضي، بل بوصفه عالماً حياً يكشف جوانب أساسية من التاريخ الاجتماعي للأردنيين.
وأشار المشاركون إلى أن الأمثال والحكايات والكلمات المتداولة في الحياة اليومية شكلت بالنسبة للعزيزي مصادر أساسية لفهم المجتمع، وأن مشروعه كان محاولة لحفظ صوت الإنسان العادي الذي قد لا يحضر في كتب التاريخ السياسي، لكنه يحتل موقعاً أساسياً في الذاكرة الشعبية.
وأكدوا أن أهمية تجربته لا تكمن في كثرة مؤلفاته وتنوعها فحسب، وإنما في منهجه الذي جمع بين اللغة والتاريخ والأدب، ونظر إلى الكلمة باعتبارها حاملة لذاكرة المجتمع وخبرته الإنسانية.
قراءة نقدية في مشروع العزيزي
وفي الجلسة الثانية، التي أدارها الدكتور زهير توفيق، وخصصت لموضوع «الفكر النقدي عند العزيزي»، قدم الدكتور عيسى برهومة، والدكتورة أحلام مسعد، والدكتورة إيمان شلبي، والدكتور أحمد الجوارنة، أوراقاً تناولت جوانب مختلفة من مشروعه النقدي والتراثي.
وأكد المتحدثون أن العزيزي كان أحد أبرز حراس الذاكرة الأردنية، إذ جمع بين البحث التراثي والنقد الاجتماعي والدراسة اللغوية، وانحاز في كتاباته إلى الفئات الفقيرة والمهمشة، كما عمل على جمع اللهجات والألفاظ المحلية وتوثيقها.
وتوقف المشاركون عند اهتمام العزيزي بالشعر البدوي، ولا سيما موقفه من قصيدة «الطين» لإيليا أبي ماضي، إذ رأى أن القصيدة ذات صلة بقصيدة للشاعر البدوي علي الرميثي، وقدم رؤيته في كتيبه المعروف «فريسة أبي ماضي»، في إطار اهتمامه بتتبع مصادر النصوص الأدبية وعلاقات التأثير بينها.
كما استعاد المتحدثون جهود العزيزي في جمع الموروث الشعبي الأردني، ولا سيما خلال الفترة الممتدة بين عامي 1922 و1938، حين انصرف إلى تسجيل مظاهر الحياة في البادية وما يرتبط بها من شعر وحكايات وعادات وتقاليد.
اللغة والإبداع
وحملت الجلسة الثالثة عنوان «القضايا اللغوية والإبداعية عند العزيزي»، وأدارها الكاتب مفلح العدوان، وشارك فيها الدكتور همام غصيب، والدكتور عبد الكريم جرادات، والدكتورة صبحة علقم.
وتناول المشاركون مكانة العزيزي اللغوية وإسهاماته في دراسة المفردات واللهجات والأصول اللغوية، إلى جانب وعيه المسرحي والإبداعي.
ولفتوا إلى أن العزيزي امتلك قدرة استثنائية على الإصغاء، مكّنته من التقاط التفاصيل الدقيقة في اللغة والحكاية الشعبية، واستحضار ما اختزنته الذاكرة الشفوية من مفردات وتعبيرات وطرائف.
وأشاروا إلى أن الإنسان كان محوراً ثابتاً في مشروعه، إذ انشغل بقضايا الكرامة والحقوق والواجبات، وأبدى تعاطفاً واضحاً مع الأطفال والنساء والفئات الهشة والمهمشة، وهو ما انعكس في كتاباته ومواقفه العامة.
«معلمة التراث الأردني».. مشروع موسوعي
أما الجلسة الرابعة، التي أدارها الدكتور مصلح النجار، فحملت عنوان «الهوية الأردنية في نصوص العزيزي»، وشارك فيها الدكتور زهير العبيدات، والدكتور عليان الجالودي، والدكتور معاذ الزعبي، والدكتور هشام مقدادي.
وتوقف المشاركون عند كتاب «معلمة التراث الأردني»، باعتباره واحداً من أبرز المنجزات الموسوعية في المكتبة الأردنية، مشيرين إلى أنه صدر في خمسة مجلدات، بلغ مجموع صفحاتها 2869 صفحة، بعد مشروع بحثي امتد أكثر من ستة عقود، من عام 1922 وحتى عام 1984.
وبيّنوا أن هذا العمل يمثل جهداً فردياً استثنائياً، اعتمد على الرحلات الميدانية واللقاءات المباشرة مع سكان البادية والقرى، وجمع الروايات والحكايات والأمثال والمفردات والعادات من مختلف مناطق المملكة.
وأكدوا أن تجربة العزيزي شكلت منعطفاً تأسيسياً في الدراسات التراثية الأردنية، إذ أقام جسراً بين الشفاهية والكتابة، وبين البادية والريف والمدينة، وبين العربية الفصحى والتعبيرات المحلية، وأسهم في بناء سردية واسعة للذاكرة الوطنية.
سيرة حافلة بالعلم والتكريم
وفي ختام الندوة، استذكرت حفيدة العزيزي، سمر العزيزي، سيرة جدها، معتبرة أن الاحتفاء به بعد مرور 22 عاماً على رحيله يمثل إحياءً لإرث أحد أبرز أعلام الأدب والتراث في الأردن، والذي أطلق عليه الملك الحسين بن طلال لقب «عميد الأدب الأردني».
وقالت إن العزيزي كان قامة علمية وأدبية كبيرة، اتسم بالتواضع ونزاهة القلم، واتسعت عضوياته لتشمل عدداً من المجامع العلمية في الأردن والعالم العربي، كما أقام علاقات أدبية وفكرية مع عدد من الأدباء والمفكرين والأكاديميين في الأردن والعالم.
وُلد روكس بن زائد العزيزي في مادبا عام 1903، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة اللاتين في مادبا، وبدأ حياته العملية معلماً للغة العربية عام 1918، قبل أن ينتقل إلى تدريس الأدب العربي في كلية تراسانطة في القدس، ثم واصل عمله في التعليم حتى عام 1974.
وكان من أوائل المراسلين الصحفيين في الأردن، بعدما اعتمدته جريدة «الأحوال» البيروتية مراسلاً لها، كما انتُخب عام 1976 رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين، ومثل الرابطة الدولية لحقوق الإنسان في الأردن منذ عام 1956.
وحصل العزيزي على عدد من الأوسمة والتكريمات تقديراً لإسهاماته في الأدب والبحث التراثي، من بينها عضوية شرف في مجمع اللغة العربية الأردني، ووسام التربية والتعليم، وشهادة اليوبيل الفضي في الأدب عام 1977، إلى جانب تكريمات أخرى.
وترك العزيزي عشرات المؤلفات في الأدب والتاريخ والتراث واللغة، فضلاً عن أعمال مسرحية ودرامية عرضت في الأردن وعدد من الدول العربية.
ورحل روكس بن زائد العزيزي في عمّان في 21 كانون الأول عام 2004، عن عمر ناهز 101 عام، ووري الثرى في مسقط رأسه مادبا، تاركاً وراءه إرثاً معرفياً واسعاً جعل منه أحد أبرز رواد توثيق الذاكرة والتراث في الأردن.
روكس العزيزي.. ذاكرة الأردن التي صانها قلمٌ لا يكل
04:00 8-8-2026
آخر تعديل :
السبت