يعتبر الأمن الطاقي من الأولويات التي أكد عليها جلالة الملك عبدالله الثاني، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة واستقرار الدول وازدهار الشعوب في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
يأتي ذلك في إطار رؤية ملكية شاملة تضع الاستدامة بصميم عملية التحديث الاقتصادي، حيث تركز على تعزيز الأمن الطاقي للمملكة والاعتماد على الموارد الوطنية من خلال تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد عبر مشروعات استراتيجية طموحة وخطط استباقية للتعامل مع تبعات التطورات إقليميا وعالميا.
وأكد جلالته خلال ترؤسه اجتماعا لمتابعة إجراءات الحكومة لتعزيز أمن الطاقة والغذاء، أهمية مواصلة جهود تنويع مصادر الطاقة والتوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية والمتجددة بما يعزز مستويات الاكتفاء الذاتي ويدعم تنافسية القطاعات الاقتصادية والخدمات الأساسية.
ووجه الحكومة للمضي في إعداد وتنفيذ خطط تعزيز المخزون الاستراتيجي من الطاقة ورفع جاهزية المنظومة الوطنية وضمان استدامتها وقدرتها على التعامل مع مختلف المتغيرات.
وتجسد شركة مصفاة البترول الأردنية، التوجيهات الملكية السامية بتعزيز أمن الطاقة من خلال دورها المحوري في ضمان استمرارية تزويد المملكة بالمشتقات النفطية والمحافظة على المخزون الاستراتيجي وتعزيز مرونة منظومة الطاقة الوطنية في مواجهة المتغيرات الإقليمية والعالمية.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة المهندس حسن الحياري، إن الشركة تعمل بالتنسيق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، على الإسهام بتعزيز المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية والغاز البترولي المسال، بما يضمن استدامة الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلي بكفاءة و موثوقية.
وأضاف إنه ضمن مشروعات الخطة الاستراتيجية للشركة يتم حاليا تنفيذ مشروع لبناء خمسة خزانات كروية لتخزين مادة الغاز البترولي المسال باستطاعة تخزين 10 آلاف طن في موقع المصفاة بالزرقاء، ومشروع آخر لبناء خزانين كرويين باستطاعة تخزين 4 آلاف طن في العقبة، بما يسهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية ورفع قدرة المملكة على التعامل مع الأزمات والطوارئ.
وتابع الحياري، إن الشركة تواصل الاستثمار في تطوير بنيتها التحتية ورفع كفاءة استخدام الطاقة ودراسة الفرص المرتبطة بالطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي وخطط التحول في قطاع الطاقة.
وأكد أن شركة مصفاة البترول الأردنية تواصل أداء دورها الوطني من خلال الاستثمار في مشاريعها الاستراتيجية وتطوير قدراتها التشغيلية وتعزيز جاهزيتها بما يرسخ أمن الطاقة الأردني ويدعم مسيرة التنمية الاقتصادية المستدامة.
من جهته، أكد خبير الطاقة هاشم عقل، أن المملكة تسعى للانتقال من دولة مستوردة للطاقة إلى مركز إقليمي للأمن الطاقي، لافتا الى ان المخزون الاستراتيجي والشراكة مع القطاع الخاص هما مفتاح المرحلة المقبلة.
وأضاف إن استراتيجية الأردن لتحقيق أمن الطاقة وبناء المخزون الاستراتيجي تعتمد على تحويل التحديات الهيكلية (مثل غياب الموارد النفطية التقليدية الضخمة) إلى فرص عبر التنويع وإشراك القطاع الخاص كشريك أساسي في الاستثمار والتعدين والنقل والتخزين.
وأشار الى أن الأردن يعتمد في التأمين الاستراتيجي للمشتقات النفطية والغاز على منظومة متكاملة تقودها الشركة اللوجستية الأردنية للمرافق النفطية بالتعاون مع شركات التسويق، حيث تمتلك المملكة منظومة تخزين استراتيجية موزعة جغرافيا (مثل مجمع التخزين في الماضونة -عمان ومرافق التخزين في العقبة).
وبين أن هذه المنظومة تضمن استدامة التزويد لمساندة استهلاك المملكة من المشتقات النفطية (بنزين، ديزل، كيروسين، وقود طائرات) لمدد آمنة تتراوح عادة بين 60 إلى 90
يوما.
وعن وحدة الغاز الطبيعي المسال (LNG) في العقبة، أوضح عقل، أنها توفر مرونة تكتيكية عبر إمكانية استيراد الغاز المسال بواسطة الناقلات وتفريغه في ميناء الشيخ صباح بالعقبة وإعادته إلى حالته الغازية ثم ضخه في خط الغاز العربي لضمان أمن تزويد محطات توليد الكهرباء.
وشدد على مشاركة القطاع الخاص تعد حجر الزاوية في تنفيذ استراتيجية قطاع الطاقة، مبينا أنها تتوزع على محاور رئيسية "التخزين والنقل والربط الكهربائي والتصدير وتخزين الطاقة وتطوير الشبكة الذكية".
وأوضح أنه تم فتح سوق المشتقات النفطية للمنافسة عبر شركات التسويق ثلاثية الامتياز والتي تلتزم بإدارة وتخزين احتياطيات تشغيلية واستراتيجية خاصة بها وفق اشتراطات وزارة الطاقة والثروة المعدنية.
وعن إدارة المرافق المائية والبنية التحتية، أكد عقل، أنه يتم الاستعانة بشركات عالمية ومحلية لتشغيل وتطوير أرصفة النفط والغاز في ميناء العقبة وضمان كفاءة سلاسل التوريد.
وبشأن الربط الكهربائي والتصدير، أوضح أن الأردن يعمل على تحويل موقعه الجغرافي إلى مركز إقليمي لتبادل الطاقة بالشراكة مع شركات تطوير شبكات النقل، فيما يشمل مشروع الربط الإقليمي تقوية الربط القائم مع مصر والعراق وفلسطين، إضافة إلى خطط مستقبلية للربط مع السعودية عبر مشاريع تنفذها وتدعمها شركات خاصة واستثمارات دولية لزيادة مرونة الشبكة الوطنية وتفريغ الفائض من أصل القدرات المولدة.
وأشار الى الاستثمار في مشروعات تخزين الطاقة بواسطة ضخ المياه ومشروعات البطاريات العملاقة بالتعاون مع المطورين من القطاع الخاص لضبط تذبذب أحمال أحجام الطاقة المتجددة (الرياح والشمس).
وقال إن الأردن يمتلك خامس أكبر احتياطي في العالم من الزيت الصخري ويتم استغلاله عبر مسارين رئيسيين بالتعاون مع الشركات الاستثمارية هما الحرق المباشر لتوليد الكهرباء حيث تمثلت المحطة الأبرز في هذا المجال بمشروع محطة عطارات للكهرباء باستثمار دولي ضخم، التي تعتمد على الحرق المباشر للزيت الصخري لتوليد الكهرباء بقدرة تبلغ نحو 470 ميغاوات، ما يسهم بالاعتماد على مصدر محلي بالكامل وتقليل الارتباط بأسعار الغاز العالمية.
وأوضح عقل أن الحكومة وقعت عدة مذكرات تفاهم واتفاقيات امتياز مع شركات دولية لتطوير تقنيات تقطير الصخر الزيتي عميقا وتسطيحيا لاستخراج النفط منه، مع التركيز على التقنيات ذات الانبعاثات الكربونية المحدودة لضمان الامتثال للمعايير البيئية، لافتا الى محاور تحقيق أمن الطاقة، كالتنوع في مصادر التوليد من خلال تقليل الاعتماد على مصدر أحادي من خلال مزيج مرن يجمع بين الغاز الطبيعي (عبر الأنابيب والغاز المسال)، الطاقة المتجددة (شمس ورياح)، والزيت الصخري.
وأشار الى تطوير شبكة النقل الوطنية بالتوسع في مشروعات الشبكات الذكية لتتحمل الاستطاعات المضافة وتنظيم تدفقات التبادل الكهربائي الإقليمي وتحديث أطر هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن لتشجيع الاستثمار، وتطبيق تشريعات ترشيد الاستهلاك في القطاعات الصناعية والمنزلية.
وأكد الخبير النفطي، ضرورة تسريع تطوير حقل الريشة وخطوط الأنابيب المحلية، ورفع سعات التخزين عبر شراكات خاصة وتمويل مبتكر، واستكمال رفع قدرة الربط مع مصر والعراق والسعودية، وتفعيل التبادل التجاري (نقدي أو عيني) ودمج المخزونات مع خطط الطوارئ والرقمنة للتنبؤ بالطلب وتشجيع القطاع الخاص في التخزين والنقل واللوجستيات عبر حوافز واضحة وإطار تنظيمي شفاف.
بدوره، أكد أمين عام هيئة الطاقة المتجددة المهندس محمد الطعاني، أن المرحلة المقبلة تستوجب تسريع ترجمة التوجيهات الملكية إلى برامج تنفيذية ومشروعات نوعية تقوم على التوسع في استثمار مصادر الطاقة المحلية والمتجددة وتعزيز التوليد الذاتي للكهرباء، لرفع مستويات الاكتفاء الذاتي ويخفض كلف الطاقة والإنتاج ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويفتح آفاقا أوسع للاستثمار ويوفر فرص عمل نوعية للأردنيين.
ودعا إلى تسريع تنفيذ مشروعات الربط الكهربائي العربي باعتباره أحد أهم ركائز الأمن الطاقي العربي والعمل على تأسيس شركات وطنية وعربية متخصصة في مجالات الطاقة الرقمية وتخزين الطاقة وإدارة الشبكات الذكية وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة بما يواكب التحولات العالمية ويعزز جاهزية البنية التحتية للمستقبل.
واكد الطعاني أن إنشاء ثلاث مدن ذكية في شمال ووسط وجنوب المملكة تعتمد على الطاقة المتجددة والرقمنة والابتكار، سيشكل أنموذجا وطنيا وإقليميا في التنمية المستدامة ويعزز مكانة الأردن مركزا إقليميا للطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة.
وركز على ضرورة إعداد خارطة طريق وطنية واضحة المعالم، تشارك في تنفيذها الوزارات والمؤسسات الرسمية، والقطاع الخاص، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، ومؤسسات المجتمع المدني، لضمان تكامل الجهود وتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي وترسيخ مفهوم السيادة الطاقية باعتباره ركيزة أساسية للأمن الوطني والتنمية الشاملة.
وقال إن الأردن يمتلك مفاتيح نموذجية للسيادة الطاقية في منطقة الشرق الأوسط، بما يمتلك من بنية قوية جد للطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتخزين الطاقة والتشريعات والأنظمة النافدة لتنظيم قطاع الطاقة لمرونة تتحقق الديمقراطية الطاقية للجميع.
وأشار الطعاني الى أن الأردن متفوق عالميا في حجم استثمارات الطاقة المتجددة مقارنة بالطلب على الطاقة إذ يعد أنموذجا عمليا للطاقة المتجددة، لافتا الى ان أمن الطاقة مسؤولية الجميع من أجل الحفاظ على الأمن المجتمعي وديمومة توافرية واستمرارية الكهرباء بمستوى عال من الجاهزية مع ضرورة استمرار الأنظمة والتشريعات الناظمة من اجل نجاح استخدام الطاقة المتجددة والشبكات الذكية وتطوير البنية التحتية للوصول إلى الاكتفاء الذاتي للمواطنين لضمان رفاهية العيش الكريم لكل المواطنين ودعم الاقتصاد الوطني من جميع النواحي الصناعية والزراعة والسياحة واكد الطعاني أن تنوع مصادر الطاقة او خليط الطاقة يعد خطوة استراتيجية نحو الأمن الطاقي الوطني ومن الركائز الأساسية لأمن الطاقة في الأردن، منوها بان تطوير البنية التحتية للنقل الأخضر ومواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، يعد عاملا محوريا لضمان استمرارية التزود بالطاقة وتعزيز القدرة على تصديرها إلى دول الجوار، مستفيدين من الموقع الجغرافي الحيوي للمملكة التي تشكل حلقة وصل استراتيجية في الشبكة الذكية الكهربائية الإقليمية والدولية.