كتاب

اجتنب مجالسة ثلاثة

قالت العرب: اجتنب مجالسة ثلاثة: من أنعم الله عليه بالعافية فلا يزال شاكياً، ومن وسّع عليه في الرزق فلا يزال باكياً، ومن أحسن إلى الناس فلا يزال بإحسانه حاكياً'. وهي حكمة بالغة تختصر خبرة طويلة في فهم طبائع البشر، وتؤكد أن الإنسان يتأثر بمن يرافقه أكثر مما يظن، فالأفكار تنتقل، والعادات تُكتسب، والمشاعر تُعدي، ولذلك قيل: الصاحب ساحب. ومن هنا كانت أهمية اختيار الرفقة التي تُعين على التفاؤل، وتغرس في النفس الشكر والقناعة والإخلاص.
قارئنا الكريم أبدأ مقالي بأول هؤلاء من أنعم الله عليه بالعافية، لكنه لا يرى إلا ما ينقصه، فيُكثر من الشكوى والتذمر حتى يصبح ذلك أسلوب حياة. إنه ينسى أن الصحة نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها، وأن العافية تشمل سلامة الجسد وطمأنينة النفس والأمن والاستقرار. ومجالسة هذا الصنف تُضعف روح الامتنان، لأن كثرة الشكوى تجعل الإنسان يعتاد النظر إلى النقص، ويغفل عن النعم التي تحيط به في كل يوم.
أما الثاني فهو من وسّع الله عليه في الرزق، لكنه لا يزال يشتكي ضيق الحال، ويقارن نفسه بمن هو أكثر مالاً أو نفوذاً. إنه يملك الكثير، لكنه لا يشعر بالاكتفاء، لأن القناعة غابت عن قلبه. فالغنى الحقيقي ليس بكثرة الممتلكات، وإنما بغنى النفس، ومن امتلأ قلبه بالطمع فلن يشبع مهما تضاعفت ثرواته، وسيبقى أسيراً للقلق والخوف من فقدان ما يملك.
أما الثالث فهو من يُحسن إلى الناس، ثم يظل يعدد إحسانه ويُذكّر الآخرين بفضله في كل مناسبة، وكأنه ينتظر الثناء أكثر من انتظار الأجر. والإحسان الذي يفسده المنّ يفقد كثيراً من جماله، لأن الخير الحقيقي هو ما كان خالصاً لله، بعيداً عن التفاخر وطلب المدح.
ولو تأملنا هذه الأصناف الثلاثة لوجدنا أن ما يجمعها هو غياب الرضا؛ فالأول لم يرض بعافيته، والثاني لم يرض برزقه، والثالث لم يرض بثواب إحسانه حتى طلب مقابله من الناس. ولذلك فإن علاج هذه الطبائع يبدأ من تربية النفس على الشكر، والقناعة، والإخلاص، فهي مفاتيح السكينة والسعادة.
قارئنا الفاضل من واقع تجربتي، أرى أن هناك صنفًا رابعًا لا يقل خطرًا عن الأصناف الثلاثة؛ بل قد يكون أشدها أثرًا في هذا العصر، وهم الحسّاد والطامعون بما يمتلكه الآخرون. فهؤلاء لا ينظرون إلى نعم الله التي بين أيديهم، وإنما يوجهون أبصارهم وقلوبهم إلى ما في أيدي الناس. يعيشون أسرى للمقارنة، ويقيسون نجاحهم بما يملكه غيرهم، لا بما يحققونه هم من إنجاز. وإذا رأوا نعمة عند غيرهم ضاقوا بها، وإذا شاهدوا نجاحًا تمنوا أن يخبو بريقه. ومجالسة هذا الصنف تُورث ضيق الصدر، وتزرع في النفس السخط، لأن حديثهم لا يخلو من الغيرة السلبية، والتقليل من إنجازات الآخرين، والطمع فيما ليس لهم. وقد أصبح هذا السلوك أكثر انتشارًا مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت حياة بعض الناس إلى سباق لا ينتهي في مقارنة المظاهر والممتلكات والنجاحات.
إن مجتمعنا اليوم أحوج ما يكون إلى نشر ثقافة الامتنان، والفرح بنجاح الآخرين، والإيمان بأن الأرزاق موزعة بحكمة، وأن لكل إنسان طريقه ورسالته. فنجاح غيرك لا ينتقص من فرصك، كما أن نعمة غيرك لا تعني نقصاً في نصيبك. ومن أراد حياة هادئة، فليجعل المقارنة بينه وبين نفسه بالأمس، لا بينه وبين الناس.
وفي الختام، إن الحكمة تقتضي أن نبتعد عن كل من يغذي في نفوسنا الحسد والطمع، وأن نصاحب من يفرح لنجاح الآخرين، ويرى في نعمة غيره دافعًا للاجتهاد لا سببًا للحقد. فالقلب الذي يمتلئ بالرضا لا يتسع للحسد، والنفس التي تؤمن بعدل الله في توزيع الأرزاق لا تنشغل بما في أيدي الناس، بل تسعى إلى بناء نجاحها بعملها وأخلاقها واجتهادها. فالحكمة ليست بهجر الناس، وإنما بتجنب التأثر بالصفات التي تفسد القلوب وتُضعف العلاقات. وهي أيضاً دعوة لأن يراجع كل واحد منا نفسه؛ فلا يكون كثير الشكوى، ولا أسير الطمع، ولا ممن يمنّون بإحسانهم، ولا ممن يستهلكون أعمارهم في مقارنة أرزاقهم بأرزاق الآخرين. فالشكر يضاعف النعم، والقناعة تمنح الطمأنينة، والإخلاص يبارك العمل، وبذلك يعيش الإنسان حياة عامرة بالرضا، ويسهم في بناء مجتمع تسوده المحبة والتعاون وصفاء القلوب. كفانا الله وإياكم شرار البشر.