لا تشعر بعمى العيون، وإنما تعيش عمى البصيرة؛ فالإبصار قد يكون حاضرًا، بينما الحقيقة غائبة. وما هذا الشعور إلا ثمرةُ ولادةٍ يسيرةٍ للأخطاء؛ لأن الخطأ إذا تتابع، ولم يُراجع، أورث التيه قبل أن يورث الجهل والتخلف.
تتزايد الأخطاء يومًا بعد يوم، لكن أثرها لا يُرى في بدايته، ولا يُحسُّ بثقله في أول الطريق؛ فالجسد يكون مخدَّرًا بوهم السعادة، يظن أن الفرح يكمن خلف الخُطى غير السليمة، حتى إذا انقضى زمن الوهم، تكشفت الحقيقة.
في البداية، لا يشعر الإنسان إلا بلذةٍ عابرة، ثم تبدأ الأيام برسم الألم تلو الألم، والوجع تلو الوجع، حتى يغدو الجسد واهنًا، ويصبح العقل أسيرًا لفكرٍ أنهكه الضياع، فتتألم النفس كما يتألم الجسد، ويذبل الإنسان من داخله قبل أن تظهر عليه آثار الانكسار.
كيف لأفكارٍ لا تُرى أن تهزم جسدًا كاملًا؟
الجواب أن الأفكار لا تقتل الإنسان مباشرة، وإنما تبدأ بقتل الضمير. فإذا مات الضمير، استوى صاحب الضمير الميت مع من خلا منه؛ فكلاهما يفقد الميزان الذي يزن به أفعاله، ويهتدي به إلى الصواب.
لقد خُلق الإنسان على فطرةٍ نقية، تميل إلى الخير، فإذا أحسن التصرف ارتقى في مدارج الحكمة، وأحسن إلى نفسه قبل أن يحسن إلى غيره؛ لأن النفس أول ضحايا الفكر إذا انحرف، وأول المستفيدين إذا استقام.
والسير في الطريق الصحيح قد يكون شاقًّا، وقد تؤلم حصاه الأقدام، غير أن ذلك الألم شفاء، لأنه يوقظ العقل من غفلته، ويعيد إلى القلب بصيرته، أما الطريق السهل الذي تغري به الشهوات، فكثيرًا ما يخفي في نهايته خسارةً لا تُعوَّض.
ولا يكترث المخطئ بالنتائج وهو في نشوة الخطأ، لكنه يدرك فداحة ما صنع عندما يصبح الندم بابًا لا يُغلق، ويغدو الرجوع أصعب من الاستمرار.
والحب إذا تأسس على الخطأ، فلا يورث إلا فسادًا في السلوك، ومحقًا في الشخصية، وانكسارًا في الروح؛ فالمشاعر لا تُطهر الخطأ، بل يزيدها الخطأ انحرافًا.
إن نهايات أيامنا تُرسم من بداياتها، وأحلامنا لا تتحقق بالتمني، بل بالإرادة والعمل، وآمالنا لا تبلغ غاياتها إلا بالإصرار والصبر.
وأخيرًا، لا نكتب لنملأ صفحاتٍ بيضاء، بل لنترك أثرًا في العقول، ونورًا في القلوب، وشهادةً تبقى بعد رحيلنا. فالحروف التي تخرج بصدقٍ قد تعيش عمرًا أطول من أصحابها، وتكون جسرًا يعبر عليه القادمون إلى وعيٍ أجمل، وحياةٍ أكثر حكمة.