يتجدد النقاش حول آلية اختيار رؤساء البلديات بين تفضيل التعيين والدفاع عن الانتخاب، بالتزامن مع الحوارات الدائرة بشأن تطوير الإدارة المحلية.
في حين تظهر دراسة لمركز الحياة "راصد" أن 52% من الأردنيين يفضلون تعيين رئيس البلدية، مقابل 44% يؤيدون انتخابه مباشرة. يرى مختصون أن هذه النتائج لا تعكس رفضاً للديمقراطية، بقدر ما تعبر عن تقييم المواطنين لأداء المجالس البلدية ومدى قدرتها على تقديم الخدمات وتحقيق التنمية.
تفضيل التعيين يعكس أزمة ثقة بالأداء لا بالانتخابات
قال المدير التنفيذي لمركز الحياة – راصد، عمرو النوايسة، إن أفضلية التعيين التي أظهرتها نتائج الدراسة لا تعني أن المواطنين يرفضون الانتخابات، وإنما تعكس عدم رضاهم عن أداء بعض المجالس المنتخبة وقدرتها على تحسين الخدمات وتحقيق التنمية.
وأوضح النوايسة أن المواطن يبحث اليوم عن الكفاءة والإنجاز والخدمات، ويريد أن يرى أثر صوته ينعكس على الخدمة المقدمة له، فعندما لا يلمس المواطن أثراً حقيقياً للمجلس المنتخب، يبدأ بالنظر إلى التعيين باعتباره خياراً قد ينتج إدارة أكثر مهنية وفاعلية.
ولفت إلى أن الأردن أمام أزمتين متداخلتين؛ الأولى أزمة في اختيار المرشحين أحياناً نتيجة تأثير الاعتبارات الشخصية والانتخابية، والثانية أزمة ثقة في قدرة الانتخابات على إنتاج مجالس فاعلة.
وأكد أن المسؤولية لا تقع على الانتخابات كمبدأ وممارسة وحدها، ولا على الناخب وحده، مبيناً أن غموض الصلاحيات سابقاً، وضعف الموارد، وتداخل أدوار المجلس المنتخب مع الجهاز التنفيذي، أسهمت أيضاً في إضعاف التجربة، إلى جانب بعض الممارسات السابقة لبعض المنتخبين التي أسهمت في إضعاف الثقة.
استعادة الثقة تبدأ بإصلاح العملية الانتخابية
شدد النوايسة على أن تدعيم العملية الانتخابية يتطلب تعزيز التنافس البرامجي، وتوفير معلومات واضحة عن المرشحين، وتنظيم مناظرات محلية، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وتوضيح الصلاحيات ضمن قانون الإدارة المحلية، وتحفيز المواطنين نحو المشاركة الفاعلة، بما يضمن إيصال أشخاص قادرين على تقديم الخدمات والتعبير عن أولويات واحتياجات المواطنين بشكل عادل وفعال.
قانون الإدارة المحلية سيحدد حجم المشاركة المقبلة
وحول توقعاته للإقبال الشعبي على الانتخابات المحلية المقبلة، قال النوايسة إنه من المبكر تقديم توقع رقمي، لافتاً إلى أن الإقبال سيتوقف على مضمون قانون الإدارة المحلية الجديد ومدى اقتناع المواطنين بأنه أحدث تغييراً حقيقياً.
ويعتقد النوايسة بمجرد شعور المواطن أن صوته سيؤثر في الخدمات والتنمية، وأن المجلس المنتخب يمتلك صلاحيات واضحة وأدوات للمساءلة، قد تشهد الانتخابات المقبلة إقبالاً أفضل، فيما إذا اعتُبر القانون إعادة للتجربة السابقة بأسماء أو هياكل جديدة، فمن المرجح أن يبقى الإقبال محدوداً.
الحجاحجة: التعيين رد فعل على الممارسات السابقة وليس رفضاً للديمقراطية
من جانبه، قال رئيس اللجنة الإدارية النيابية الأسبق، الدكتور علي الحجاحجة، إن ميل المواطنين إلى تعيين رؤساء البلديات لا يعني عدم ثقتهم بالعملية الانتخابية أو التشكيك بنزاهتها، وإنما يعكس أزمة في اختيار الأشخاص المنتخبين.
وأوضح أن كثيراً من المواطنين يعتقدون أن بعض أعمال البلديات تحكمها اعتبارات المحاصصة والمناطقية والأقارب ورد الجميل للناخبين، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تقديم الخدمات على أسس شخصية، الأمر الذي يضعف ثقة المواطنين برؤساء البلديات المنتخبين.
وأضاف أن المواطنين لا يرغبون بالتراجع عن الممارسة الديمقراطية، لكنهم يرون في التعيين خياراً قد يضمن، في بعض الحالات، إدارة أكثر حياداً ومهنية، باعتبار أن رئيس البلدية المعيّن يخضع للمساءلة من الوزارة، ما قد يدفعه للعمل وفق أسس ومعايير مؤسسية.
الشفافية والمساءلة أساس نجاح المجالس البلدية
وأكد الحجاحجة أن دعم العملية الانتخابية يتطلب تعزيز الشفافية والمكاشفة، من خلال الإعلان عن جلسات المجالس البلدية وإتاحتها للمواطنين، ونشر القرارات وآليات التصويت عليها وأسباب اتخاذها، إلى جانب عقد جلسات دورية مفتوحة مع المواطنين تتيح الحوار والمساءلة.
وأشار إلى أن إقبال المواطنين على الانتخابات المحلية المقبلة سيكون مرهوناً بمضمون قانون الإدارة المحلية الجديد، ومدى شعورهم بأن ملاحظاتهم وتوجهاتهم أُخذت بعين الاعتبار، محذراً من أن إقرار القانون دون الاستجابة لمطالب المواطنين قد يؤدي إلى حالة إحباط جديدة وتراجع المشاركة الانتخابية.
وشدد الحجاحجة على أن تفضيل التعيين لا يعني بالضرورة أن المواطنين يثقون بالمعيّن أكثر، وإنما هو في جانب كبير منه ردة فعل على أداء المنتخبين وعدم الثقة بمدى حياديتهم في تقديم الخدمات، مؤكداً أن المواطن قد لا يثق بالمعيّن أيضاً، لكنه يرى في التعيين بديلاً عن ممارسات سابقة لم تكن، من وجهة نظره، قائمة على معايير واضحة ومنطقية.